معجزات العقل: التذوق و الشم

العقل....مصدر لا نهائي لم تُكتشف حدوده بعد.

مُجرد خطأ بسيط في ذلك البناء العظيم قد يؤدي إلى تغيُر ملحوظ في حياتنا.

تأخذنا الأبحاث العلمية الحديثة أقرب مما مضى إلى وظائف و غموض ذلك العضو المُعجز.

في حياتنا اليومية، نجد أنفسنا في وسط الألاف من الأطعمة و الروائح التي تضفي ألواناً لا محدودة إلى حياتنا.

تفكر في باقة زهور تتطاير، أو رائحة التربة بعد هطول الأمطار، رائحة عطر من نحبهم...

المذاق الفريد للأطعمة المُختلفة التي نتمتع بها....

دعونا نتفكر قليلاً، ماذا لو لم تتواجد تلك المذاقات و الروائح...

يكفي التفكير لجزء من الثانية في الحرمان منهم لتقدير عظمة تلك النعم...

الله هو من يهبنا تلك النعم، خالق كل شيء. تقول الآية في القرآن:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

" وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" (سورة النحل-18)

بغض النظر عن التنوع في المذاقات و الروائح، يُمكننا التفريق بينهم بسهولة، حيث خلق الله لنا تلك النعم بجانب النظام الذي يسمح لنا بتقدير تلك النعم. تعمل تلك الأنظمة بشكل منتظم على مدار حياتنا.

يهدف ذلك الفيلم لمساعدتك على فهم قوة و علم الله بالنظر عن قُرب إلى تلك الأنظمة الدقيقة.

يشرح الله الأنظمة الدقيقة التي خلقها في القرآن قائلاً:

" هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"

و الآن، دعونا نختبر التذوق و الشم و نرى التصميم الفريد في أنفسنا..

 

تصميم نظام حاسة الشم

 

يتكون ما نسميه بالشم من جسيمات كيميائية تُسمى بالجزيئات و تتبخر من الأجسام. على سبيل المثال، ما نعتبره رائحة القهوة الطازجة هو في الحقيقة جزيئات من القهوة نفسها تتطاير في الهواء.

و الآن، فإن كثافة الرائحة تتناسب طردياً مع كثافة التبخر. تُعطي الكعكة الظازجة الخارجة لتوها من الفرن رائحة أغنى من كعكة قديمة. ينتج ذلك عن التطاير الحر لجزيئات الكعكة الناتج عن خبزها بحرارة مرتفعة بالفرن. و بإمكان الجزيئات أن تُغطي مساحة كبيرة جداً عندما يتم إطلاقها.

بالرغم من وجود رائحة للكثير من الجزيئات، إلا أن الماء ليس له رائحة، و تلك الخاصية تُعد نعمة لنا، لأنها تقي من الكثير من المشكلات. على سبيل المثال، فإن الزهرة الجافة و الزهرة التي تتواجد عليها قطرات الماء لهم نفس الرائحة. 

ما يُفرق بين مُختلف الروائح و بعضها هو إختلاف بنيتهم. تلك الإختلافات حساسة جداً، حتى أن عند تغيير ذرة كربون واحدة، بشأن الرائحة العطرة أن تتحول إلى رائحة قبيحة.

تنتُج روائح الأطعمة المُختلفة عن ترتيب مُحدد للروابط بين الذرات التي تكون جزيئات الرائحة. كل جزيئ مُصمم لأداء مهمة. و بالطبع خلق الله تلك التصميمات الممتازة.  

و لكن كيف نشم و كيف نُفرق بين الروائح؟ دعونا نجد الإجابات لتلك الأسئلة.

في كل مرة نتنفس، تتدفق تريليونات الجزيئات من الغازات الممتزجة و المسماه بالهواء إلى الأنف. يحتوي ذلك الهواء أيضاً على جزيئات دقيقة من الروائح. يتوجه بعض الهواء الداخل إلى الأنف إلى مستقبلات الشم عن طريق عظام الأنف. و بذلك تصل جزيئات الرائحة إلى مستقبلات الشم في أعلى الأنف.

تقوم المستقبلات في تلك المساحة بإرسال المعلومات التي تستقبلها من تلك الجزيئات إلى المخ، ثم يقوم مركز الشم في المخ بتجميع الرسائل من مُختلف مُستقبلات الروائح و يقوم بتقييم تلك المعلومات بسرعة الضوء. يؤدي ذلك إلى حاسة الشم.

بإختصار، تعمل الأنف كمعمل للتحاليل الكيميائية. يمكن لحساسيتها أن تُفرق بين  10 ألاف رائحة مُختلفة.

المدهش حقاً، هو السرعة الخيالية لتلك العمليات. الوقت بين دخول جزيئات القهوة إلى الأنف و إدراكنا لرائحة القهوة زمن أقل من الثانية.

لا يمكن أن يكون ذلك النظام المُحكم محض صدفة، كما يزعم المؤمنون بنظرية التطور. مثل باقي أنظمة جسم الإنسان، فإن تصميم حاسة الشم في غاية التعقيد. هذا خلق الله.

في يومنا هذا، تُجرى الأبحاث على حاسة الشم. كل إكتشاف جديد في تلك الحاسة يُكشف روعة ذلك النظام المُعقد.

دعونا نتفحص عن قُرب مُختلف أجزاء ذلك النظام.

يقع تجويف الأنف الذي يكتشف الروائح تحت العين و هو مُبطن بسائل مخاطي لزج. تُقدر سماكة ذلك الغشاء المخاطي بستة على مئة من الملليمتر، و هو السُمك المثالي. لو كان ذلك الغشاء أقل سماكة، لكان لدينا ضعفاً في حاسة الشم، و لو كان أكثر سماكة، لأضعف جهاز المناعة و لتُركت شعيرات النف الرفيعة مفتوحة للدمار و الخراب.

تبدأ حاسة الشم عند الغشاء المخاطي. يجب على الجزيئات الصغيرة أن تمر من خلال ذلك الغشاء حتى تلتقي بالمستقبلات في شعيرات الأنف،  و توجد بروتينات مُلزمة من أجل ذلك الغرض. تتحد تلك البروتينات في الغشاء المخاطي مع جزيئات الرائحة و تعمل كدليل لها. يُعد ذلك الترتيب دليلاً على عظمة الخلق.

تُعد الخلايا العصبية الشمية المتخصصة جزء أخر من نظام الشم. أخذ الرسائل من جزيئات الرائحة إلى بصيلات الشم هي المهمة الرئيسية لتلك الخلايا. تتكون خلايا الرائحة من ثلاث أجزاء رئيسية: جسم الخلية في الوسط، ثم شعيرات صغيرة تسمى بالأهداب على أحد الجوانب، و على الجانب الأخر وصلات عصبية تسمى بالمحاور.

تتفاعل جزيئات الرائحة أولاً مع المستقبلات على الأهداب التي تشبه شعيرات الغشاء الشمي. تعتلي كل خلية عصبية من خلايا الأنف ما بين العشرة إلى ثلاثين من الأهداب، والتي يصل طولها من عُشر الملليمتر إلى جزء من الخمسة عشر. تعمل الأهداب مستخدمة طريقة إتصال استثنائية. تلتقي جزيئات الرائحة التي تذوب في المخاط مع المستقبلات الخاصة في الأهداب. تُعد حساسية ذلك اللقاء كالمقفل و مفتاحه. أثناء ذلك اللقاء، تُعطى إشارة في خلية استقبال الرائحة. تنقل تلك الخلايا الرسائل في جزيئات الشم إلى إشارات كهربية.

حتى تلك المرحلة، تحدُث أشياء مدهشة عند المحاور على الجانب الأخر من خلية الشم. تعمل المحاور، و التي يبلغ عددها بين 10 و 100، معاً بالترتيب من أجل إرسال إشارة في الخلية إلى البصلة الشمية داخل المخ. يفعلون ذلك بتكوين حزمة حتى تصل إلى البصلة الشمية و تعبر المسام كمجموعة، و المسام عبارة عن عظمة أقل سُمكاً من الورق تُسمي باللوحة المصفوية. إننا لا نبالغ عند تسمية التصميم الخاص باللوحة المصفوية بالمعجزة. تحتوي تلك العظمة على مسام بداخلها لتسمح بمرور الخلايا العصبية الشمية. إن لم تكن العظمة مصممة بذلك الشكل، لما تمكنت الأعصاب من الإتصال ببعضها البعض، ولاستحالت حاسة الشم، حتى لو تواجدت باقي أجزاء الجهاز في مكانها الصحيح.

 

و بالرغم من دقة و تفاصيل تصميم جهاز الشم، فإن الإتصال في خلايا الشم تجري بدون أي عقبات.

البصلة الشمية هي جزء أخر مهم في النظام الشمي. تقع البصلة الشمية في الجزء الأمامي من المخ، فوق التجويف الأنفي، مخفي فوق غشاء المخ.

يوجد فصان للشم في المخ، كما هو الحال مع فتحات الأنف. حجم الفص مثل حبة البازيلا. تعمل الفصوص مثل الغرف الإخبارية في الجريدة أو محطة التلفاز. تجتمع كل الاشارات القادمة من مستقبلات الشم عند ذلك المركز أولاً. ملايين المعلومات يتم التعرف عليها هنا. يُعاد تقييم تلك المعلومات فيما بعد في المراكز المخصصة لها في المخ بعد أن تصل عن طريق أعصاب الشم. يقوم ذلك العضو الدقيق بترتيب و تنظيم ملايين الخلايا الشمية المختلفة.

ذلك النظام مُعجز. يرينا تصميمه جمال خلق الله. لا يمكن أن يكون ذلك التصميم من قبل الصدفة، أحمق من يظن ذلك. يقول تعالى في القرآن الكريم:
" أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا " سورة الكهف الأية 37-38

عندما يقول أحدهم "الأنف"، نفكر بطلقائية في حاسة الشم. بينما تكشف الأبحاث أن 5% فقط من الأنف يستخدم في إلتقاط الروائح. وتقوم باقي ال 95% بدورين مهمين في الجهاز التنفسي.

المهمة الأولى، هي تدفئة الهواء الداخل في كل ثانية. تُرطب الطبقة المُخاطية التي تُغطي داخل الأنف الهواء عن طريق طرد بخار الماء.  تُساعد الشعيرات الدموية التي تقع تحت الطبقة المخاطية على تدفئة الهواء الجاري في ذلك الممر. و بتلك الطريقة، يُصبح الهواء مناسباً لحساسية الرئة. يعمل ذلك النظام مثل جهاز التكييف الذي يُنظم حرارة و رطوبة الهواء.

أما الوظيفة الثانية للأنف، فهي تعمل كحارس ضد الميكروبات و جسيمات التراب التي يحملها الهواء المُتنفس. يلتقط الغشاء المخاطي ثم الأهداب تلك الجسيمات الضارة. تطرد الأهداب المُخاط المُحمل بالمواد الضارة إلى البلعوم. تُطرد فيما بعد تلك المواد عن طريق السعال أو تُبلع و يتم تدميرها بواسطة أحماض المعدة. تعمل الطبقة المخاطية و الخلايا التي تُنتج المخاط و الأهداب كمحطة مصفاة كيماوية مبنية داخل الأنف.

يتضح لنا أن ذلك النظام بالأنف هو مثال لهندسة لا مثيل لها و مثال واضح على عظمة خلق الله. يبين الله قدرته بتلك الأيات في كتابه الكريم:
"  لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  "(سورة البقرة – الآية 116-117)

 

 

آلية الجهاز

 

عند دخولنا لمطعم لأول مرة، نتعرف سريعاً على روائح الأطعمة المختلفة من الأطباق المحيطة بنا و من المطبخ. و بعد قليل، نفقد الأحساس برائحةتلك الروائح. يحدث ذلك نتيجة آلية تُسمى بالتكييُف. بفضل ذلك الجهاز، نحن لا ننزعج من الروائح التي نشتمها دائماً، و نُدرك الروائح الجديدة و المختلفة بسهولة.

"ذاكرة الروائح" هي أحدى الجوانب الإعجازية الأخرى في عملية الشم. يتم تسجيل كل رائحة اشتمها الإنسان في ذاكرة في المخ باستخدام نظام كودي مخصص. و كلما اشتممنا رائحة، يُحللها المخ و يقارنها بالروائح المسجلة. إن لم تكن الرائحة موجودة مسبقاً في الذاكرة، نقوم بترجمتها بالمقارنة بغيرها من الروائح المقربة لها.

من المثير للإهتمام، أن المعلومات الشمية أكثر ثباتاً في عقولنا من الذاكرة البصرية و السمعية. تُحفز نفحة من رائحةٍ ما الذاكرة المربوطة بتلك الرائحة.

 

 

حاسة الشم لدى الحيوانات

 

يحتوي كل حيوان على نظام الشم الذي يتناسب مع طبيعة بيئته. الكلب على سبيل المثال، حاسة الشم لديه أقوي مليون مرة من حاسة شم الإنسان. يسهل على الكلاب بأنوفهم شم  أضعف الروائح في الهواء، و بالتالي، فإن في مقدرتهم فعل ما لا يسع الإنسان أو الماكينات فعله. يمكنهم شم أنواع المخدرات و البضائع المهربة و الجرائم والمفقودين و حتى المهددين نتيجة الكوارس الطبيعية.

سمك السلمون من الحيوانت التي تمتلك حاسة شم قوية. ينبثق صغار السلمون من البيض في الأنهار بنهاية الشتاء. يقضون بعض السنوات في ذلك النيل بعد الفقس، ثم يهاجرون إلى المحيط. ليس ذلك فقط، فإن السلمون الذي يصل لسن التكاثر، يقوم برحلة أخرى مدهشة. عند سن البلوغ، تعود السلمون للمكان الذي فقسوا فيه، مناطق التكاثر، ولكن تلك المرة كأباء، لوضع البيض.

برغم من عدم إمتلاك السمكة لأدوات الملاحة التي تساعدها على الوصول في تلك الرحلة الصعبة و الطويلة، إلا أنها تستطيع الوصول إلى موطنها بسهولة. و عند مواجهة مفترق التفريعات في الأنهار، يختارون الطريق إلى موطنهم بدون خطأ. كيف يفعلون ذلك؟ يعود الفضل لحاسة الشم القوية التي تساعدهم في معرفة الإتجاهات.

بإختصار، تعمل حاسة الشم لدى السلمون كدليل في رحلاتها لألاف الكيلومترات.

في القرآن، يلفت الله أنتباهنا إلى مثال البعوضة. تحتاج أنثى البعوضإلى الدماء من أجل إنتاج البيض، و هي تجد مصدر الدم عن طريق شم الهواء. لدى أنثي البعوض حاسة شم قوية تمكنها من شم رائحة كيماويات جسد الإنسان من على بُعد كيلومترات.

يستشهد الله تعالى في تلك الآيات على أن البعوض دليل على خلق الله:

"  إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ" (سورة البقرة – أية 26)

 

 

تكنولوجيا الروائح

تُنتج في أيامنا تلك عدد لا بأس به من الأجهزة الكهربية كأدوات وقاية من المخاطر مثل الحريق و تسرب الغزات. أتُخذت آلية الشم لدى الإنسان كنموذج في تصميم تلك الأجهزة.

أحد الأمثلة على تلك الأجهزة، مجسات الحريق. عند أكتشاف دخان في الهواء، تُعطي تلك المجسات إنذاراً. تُشبه مستقبلات ذلك الجهاز المستقبلات الأنفية بفارق أن المستقبلات في أنف الإنسان أكثر تعقيداً من المستقبلات المكانيكية في مجسات الحريق.

أخترع الناس أيضاً "أنف إلكترونية" تستنشق الهواء من نظام الشم البشري. تم تصميم ذلك النموذج إعتماداً على التصميم المُتقن لأنف الإنسان، و سُمي الجهاز بالأنف الإلكترونية.

بالرغم من ذلك التقدم التكنولوجي، إلا أن العلماء سرعان ما أكدوا أنه لا مقارنة بين تلك الأجهزة الذكية و بين خلقة الله.

جهاز الشم دليل على عظمة خلق الله، الرحيم بعباده. تلك أحدى نعمه على عباده.

 

 

الإتقان في تصميم حاسة التذوق

يحتاج الإنسان الأكل و الشراب من أجل البقاء، و لكن إمتلاك حاسة التذوق، يجعل من ذلك الإلتزام أمراً ممتعاً.

يحدث التذوق عن طرق نظام مُعجز. يُحلل نظام التذوق البروتينات و الأيونات و الجزيئات المُعقدة و التركيبات الكيميائية. يُحدد الجسم نوعية الطعام الذي يحتاجه عن طريق حاسة التذوق. دعونا نفحص عن قُرب ذلك النظام المُدهش و كيف أنه دليل على الخلق.

يوجد ألاف الأنواع المُختلفة من الأطعمة. إلا أننا نستطيع التمييز بين مُختلفها نتيجة حاسة التذوق الحادة لدينا. يقع السر على قمة اللسان.

تتكون كل قطعة طعام نتناولها من جزيئات كثيرة مختلفة، تقوم ألسنتنا بتحليل المُركبات الكيميائية المُعقدة لتلك الجزيئات بإمكانيات معمل قوي و عملاق. فما هو التصميم الخفي وراء مهارة ألسنتنا؟

توجد العديد من الألياف العصبية في ألسنتنا مما يُيسر تحرك اللسان في كل الإتجاهات. يلعب اللسان دوراً مهماًعندما نتحدث أو نمدغ أو نبتلع الطعام. تُرطب و تُليين الغدد اللعابية الطعام الذي نأكله. ثم يُنقل الطعام إلى البلعوم. أثناء تلك المرحلة، تكون مستقبلات المذاق في اللسان في عمل دائم. 

تتواجد خلايا مستقبلات التذوق في أماكن محددة من اللسان و الفم. تتجمع خلايا التذوق سوياً في هيئة تُشبه البصلة الصغيرة و التي تُسمى ببراعم التذوق. تقع تلك البراعم بين مطبات تسُمى الحليمات على اللسان. تقع فوق اللسان و على جانبيه. يحمل اللسان حوالي 10000 من براعم التذوق.

توضح تلك لصور الإتزان الموجود في الخلق، إذا كان لدينا بلاعيم تذوق أقل، لما استطعنا التذوق، أو لضعفت حاسة التذوق بشكل ملحوظ. أما إذا زادت عن 10000، إذاً لتحول طعم الطعام إلى مالح جداً أو حلو جداً. بأختصار، تتواجد كل الخلايا بعددها الصحيح.

من الأمور الأخرى الرائعة، أن كل تلك الخلايا موجودة في مكانها الصحيح. لو توجدوا في مكان أخر، في أسفل اللسان بدلاً من أعلاه و جانبيه مثلاً، لتذوقنا أقل كثيراً مما نتذوقه الآن.

تذكرنا تلك التفاصيل في خلايا التذوق بحقيقة أساسية: خلق الله كل شيء في أحسن و أدق صورة.

تكشف الأبحاث وجود خمس مناطق تذوق رئيسية، منطقة تألف الحلو، و أخرى المالح، و أخرى الحامض، و أخرى الساخن و أخرى اللاذع. يوجد المذاق اللاذع في الغلوتامات، اللحم، السمك و البقوليات.

أظهرت الأبحاث أيضاً أن خريطة التذوق القديمة خاطئة. أظهرت الأبحاث العلمية الأخيرة أن خلايا التذوق تتفاعل لأكثر من محفز، مما يثبت أن تلك الخلايا لها نظام تواصل أكثر تعقيداً مما ظننا. تكشف طرق الإتصال في خلايا المستقبلات أنها من صنع الخالق.

تتكون أدمغتنا من متوسط مئة مليار خلية عصبية، و كلما أكلنا أو شربنا شيئاً، تنقل أعصاب التذوق الثلاث الرسائل التي أخذتها من خلايا التذوق إلى الأعصاب المُحددة في المخ.

تعمل أعصاب جسم الإنسان أفضل من أكثر نظم البريد تطوراً في العالم الحديث. في أي لحظة، تنتقل المعلومات مباشراً إلى وجهتها الصحيحة بدون فقدان أي معلومة في الطريق.

إذاً، كيف ينتقل ذلك الكم من المعلومات ليعني:"قطعة كعك لذيذة"؟

ليس لدينا إجابة ذلك السؤال بعد. و لكننا مع كل إكتشاف جديد، نُدرك مدى تعقيد نظام التذوق عما توقعناه سابقاً. مما يُرينا عظمة خلق الله.

أنعم الله علينا بأنواع عديدة من النباتات و الفواكه و الخضر. يذكرنا الله بها في القرآن:
"وَهُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُوْنَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوْا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِيْ ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُوْنَ". (سورة الأنعام أية 99).

ألهم نظام التذوق الكثير من العلماء. أخترعوا أجهزة تُحاكي وظائف لسان الإنسان، كصنع لسان إلكتروني. يُساعد ذلك الإختراع في التمييز بين المياه العذبة و العفنة، و لكشف فساد الأطعمة الناشئ عن وجود باكتريا.

تحتوي الدائرة الكهربية على تلك اللسان الصناعية على 100 حفرة صغيرة، كل منها مصمم ليشبه براعم التذوق. و لكن، عند المقارنة باللسان البشرية، فإن تلك اللسان الصناعية ما هي إلا جهاز بدائي للتذوق. ألسنتنا أفضل بشكل لا يقارن باللسان الإلكترونية، مما يرينا عظمة نعمة التذوق. من الصعب البحث عن تفسير لأصل ذلك النظام في أي نموذج إلا أنه من خلق الله.

تعرفنا في ذلك الفيلم على حاسة التذوق و الشم، نعمتان غاية في الأهمية لكل البشر. و رأينا أن تلك الأليات المعقدة هي دليل قاطع على خلق الله.

كما هو كل شيء في الكون، خلق الله تلك الأليات، و يجب أن نتذكر دائماً واجبنا تجاه الله، لنشكره على نعمه. يخاطب الله من لا يؤمنون بتلك الحقائق في القرآن قائلاً:

 

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)"سورة يونس-الأية 31-32)

 

 

2016-07-02 04:23:20

عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top