< <
1 / total: 9
التصميم في الطبيعة
معجزة الشّم والذّوق - براعم هارون يحي (Harun Yahya)
التصميم في الطبيعة

مقدمة

باختصار، التصميم هو تجميع متناغم لعدة أجزاء مختلفة بشكل منتظم لتحقيق هدف معين. ومع هذا التعريف لا يصعب على أحدنا أن يفكر في أن السيارة نوع من أنواع التصاميم، ذلك لأن الهدف من تصنيعها هو نقل الأشخاص والشحنات، وحسب هذا الهدف يتم تصميم الأجزاء المختلفة مثل المحرك والإطارات وجسم السيارة، وتجميعها في المصنع.

ولكن ماذا عن الكائنات الحية؟ هل يكون الطائر وديناميكية الطيران لديه نوعٌ من التصميم أيضاً؟ لنطبق قبل الإجابة على هذا السؤال، التقييم الذي أجريناه على مثال السيارة: الهدف هنا هو الطيران، لهذا السبب تستخدم العظام الجوفاء الخفيفة مع عضلات الصدر القوية التي تحرك هذه العظام مع الريش لتحقيق التوازن في الهواء. فقد تشكلت الأجنحة بشكل متوافق مع الديناميكية الهوائية، كما انسجمت عملية الاستقلاب لدى الطائر مع حاجته إلى مقدار كبير من الطاقة، من الواضح أن الطائر هو منتج ذو تصميم خاص.

إذا تركنا مثال الطائر جانباً وتناولنا أشكالاً أخرى من الحياة، فسنواجه الحقيقة نفسها. توجد أمثلة في كل مخلوق عن التصميم المتقن والمقنع. وإذا تابعنا في هذا البحث، فسنكتشف أننا نحن أنفسنا جزء من هذا النظام.

إنَّ يديك اللتين تمسكان بهذه الصفحات تعملان بشكل لا يمكن لأي رجل آلي أن يعمل به، وعينيك اللتين تقرآن هذه الأسطر تنفذ عملية الرؤيا بطريقة لا يمكن لأفضل آلة تصوير في العالم أن تنفذها.

وعندما يصل أحدنا إلى هذه النتيجة الهامة، يجد أن كل المخلوقات الموجودة على سطح الأرض، بما فيها نحن، هي في الحقيقة تصميم فريد، وكل تصميم لا بد له من مصمم، إذن: لا بد لهذه الخلائق من خالق خلقها وقت ما يشاء، وحفظ بقاءها بقوة وحكمة مطلقة.

إلا أن هذه الحقيقة رفضت من قبل نظرية التطور التي تشكلت في منتصف القرن التاسع عشر. هذه النظرية وضعت أسسها في كتاب تشارلز داروين ‘’أصل الأنواع’’ وهي تزعم أن جميع أنواع المخلوقات قد ظهرت إلى الوجود عبر سلسلة من الأحداث المتصادفة تطور كل منها عن الآخر.

وحسب المقدمة الأساسية لهذه النظرية، فإن جميع أشكال الحياة تمر عبر تغيرات عشوائية. ولو كان لهذه التغيرات العشوائية دور في تطور شكل الحياة، لتميزت عن غيرها واستمرت في الأجيال التالية.

وتواصل هذا السيناريو لمدة 140 عاماً وكأنه علمي جداً ومقنع، إلى أن وضعت نظرية داروين تحت مجهر كبير، وقورنت مع أمثلة التصميم عند المخلوقات. في هذه المرحلة تبين أن هذه النظرية ترسم صورة مختلفة جداً، بمعنى آخر: إنها لا تعدو أن تكون أكثر من دائرة فاسدة متناقضة مع نفسها.

لنسلط الضوء أولاً على التغيرات العشوائية. لم يتمكن فرويد من تقديم تعريف شامل لهذا المفهوم بسبب نقص المعرفة بعلم الجينات في ذلك الوقت، فقام التطوّريون الذين تبعوه بالواجب وقالوا ‘’بالطفرة’’. والطفرة هي: مجموعة من الانفصالات أو الانحرافات غير المنتظمة في جينات الكائنات الحية. إلا أن الشيء الهام والمثير في هذا الموضوع هو أنه لم يظهر عبر التاريخ ولا طفرة واحدة أدت إلى تطوير المعلومات الجينية للكائن الحي. كل حالات الطفرات التي عرفتها البشرية تقريباً كانت تضعف أو تضر بالكائنات الحية التي تطرأ عليها، وفي أفضل الحالات تكون ذات تأثير حيادي. لذلك فإن التفكير بأن المخلوقات يمكن أن تتطور من خلال الطفرة يشبه إطلاق الرصاص على حشد من الناس على أمل أن تسفر الإصابات عن أشخاص أوفر صحة وأحسن حالاً. بالطبع هذا نوع من الهراء! حتى وإن ادعى أحدهم أن طفرة معينة يمكن أن تؤدي إلى تطور حالة من الحالات البشرية، وعلى نقيض كل المعلومات العلمية، فإن الداروينية مازالت هدفاً لانهيار محتوم.

السبب وراء ذلك هو المفهوم الذي يطلق عليه ‘’البنية المعقدة التي لا يمكن تجزئتها’’. ينطوي هذا المفهوم على مضمون يقول بأن غالبية الأنظمة والأعضاء في الكائنات الحية تعمل نتيجة لوجود أجزاء مستقلة تعمل بشكل متزامن، ويكفي إلغاء أو تعطيل أحدها للتسبب بتعطيل العضوية أو النظام بأكمله.

على سبيل المثال: تتحسس الآذان الأصوات فقط إذا مرت عبر سلسلة من الأعضاء الصغيرة. انزع أو عطّل أياً منها، ولتكن على سبيل المثال إحدى عظيمات الأذن الوسطى، النتيجة تعطيل حاسة السمع بشكل تام.

لكي تتفاعل الأذن مع الأصوات الخارجية، يجب أن تعمل كل أجزائها دون استثناء في وقت متزامن: القناة السمعية الخارجية، غشاء الطبل، عظيمات الأذن الوسطى وهي المطرقة والسندان وعظم الركاب، السائل الذي يملأ قوقعة الأذن، المستقبلات السمعية مثل الخلايا الشعرية والأهداب التي تساعد هذه الخلايا على تحسس الأصوات. شبكة الأعصاب المتصلة مع المركز السمعي في الدماغ. لا يمكن لهذا النظام السمعي أن يتطور بشكل أجزاء منفصلة، لأنه لا يمكن لأي جزء أن يعمل بمعزل عن باقي أجزاء النظام.

وبما أن هذه البنية المعقدة التي لا يمكن تجزئتها تدحض نظرية التطور، فقد كان داروين قلقاً من هذه الدلائل الظاهرة، فكتب في كتابه ‘’أصل الأنواع’’:

إذا تمت البرهنة على وجود أي عضو معقد تشكل عبر تعديلات ضخمة ومتتالية، فإن نظريتي ستنسف من أساسها’’1

لم يكن باستطاعة داروين أو لم يكن يريد أن يجد مثل هذا العضو المعقد مع إمكانيات القرن التاسع عشر العلمية البسيطة. إلا أن البحث العلمي الدقيق الذي تميز به القرن العشرون، والذي تناول أدق التفاصيل، برهن على أن غالبية الأنظمة الحيوية هي بنية معقدة لا يمكن تجزئتها، وهكذا ‘’نسفت نظرية داروين من أساسها’’ كما كان يخشى.

نستعرض في هذا الكتاب أمثلة متعددة عن الأنظمة الحيوية التي تدحض نظرية داروين. هذه الأنظمة يمكن أن نجدها في أي مكان بَدءاً من أجنحة الطيور وحتى جمجمة الوطواط، ومن خلال دراستنا لها لن نتوصل إلى دحض نظرية داروين فحسب، بل سنستشعر عظمة خالق هذه الأحياء وحكمته البالغة.

هنا سنجد الدليل الذي لا يقبل الجدل على الخلق الإلهي المتقن. الله هو الخالق:

هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكِيمُ } الحشر: .24

عين السرطان: مثال على البنية المعقدة التي لا يمكن تجزئتها
هناك العديد من أنواع العيون التي تحملها الكائنات الحية على اختلافها، إلا أننا اعتدنا على التعامل مع العين التي تتميز بها الفقاريات والتي تشبه الكاميرا، أو التي صنعت الكاميرا على مبدئها، وهو انكسار الضوء الذي يسقط على العدسة ويتركز في نقطة خلف العدسة داخل العين الداخلية.

إلا أن الأعين التي تمتلكها الأنواع الأخرى من الكائنات الحية تعمل بطرق مختلفة. أحد هذه الكائنات هو السرطان. تعمل عين السرطان على مبدأ الانعكاس وليس الانكسار.

من أهم خصائص عين السرطان سطحها المكون من عدد كبير من المربعات. تتوضع هذه المربعات كما يبدو في الصورة في الصفحة التالية في غاية الدقة.

تُبدي عين السرطان نظاماً هندسياً فريداً لا يوجد في أي مكان آخر في الطبيعة، حيث تحتوي على سطيحات دقيقة جداً مربعة الشكل، تبدو مثل ورقة الرسم البياني.2

هذه المربعات المنتظمة بشكل دقيق تنتهي بأنابيب شعرية مربعة الشكل أيضاً لتشكل بنية تشبه قرص العسل. يظهر قرص العسل للوهلة الأولى وكأنه مصنوع من مجموعة من الأشكال السداسية، مع أنها في الواقع ليست إلا السطوح الأمامية للمواشير السداسية. وفي عين السرطان تحل المربعات محل الأشكال السداسية.

إلا أن ما يخدع المرء هو أن جوانب كل من هذه الأنابيب المربعة تشبه المرآة التي تعكس الضوء الساقط عليها. يتركز هذا الضوء المنعكس على الشبكية بدقة، وحيث تتوضع جوانب الأنابيب الموجودة داخل العين بزوايا دقيقة فإنها تنتهي لتتركز كلها على نقطة واحدة.3

إن الطبيعة غير العادية لتصميم هذا النظام أمر مثالي لا يقبل الجدل. فكل هذه الأنابيب المربعة تحتوي على طبقة تعمل مثل المرآة. علاوة على ذلك، فإن كلاً من هذه الخلايا تتوضع بشكل هندسي دقيق جداً بحيث يسقط الضوء في بؤرة واحدة.

من الواضح أن عين السرطان تشكل عقبة كبيرة في وجه نظرية التطور. والأهم من ذلك أنها تعتبر نموذجاً .

عن ‘’البنية المعقدة التي لا يمكن تجزئتها’’. لو حذف أحد مقومات هذه العين، مثل السطيحات العينية المربعة الشكل أو الجوانب العاكسة لكل مربع أو الشبكية في المؤخرة، فلن تتمكن هذه العين من الرؤيا بأي شكل من الأشكال. لذلك من المستحيل البرهنة على أن العين قد تطورت خطوة خطوة. من غير الوارد علمياً مناقشة هذا التصميم الرائع على أنه قد حدث مصادفة. من الواضح أن عين السرطان قد خُلِقت كنظام معجز متكامل.
كذلك يجد المرء سمات أخرى في عين السرطان تدحض المزاعم التطورية. وتظهر حقيقة مثيرة عندما ينظر أحدنا إلى المخلوقات التي تحمل هذه البُنْيات العينية. هذه العين العاكسة، والتيتمثل عين السرطان نموذجاً عنها، توجد فقط في مجموعة واحدة من القشريات وهي ما يطلق عليها عشريات الأرجل ذات الأجسام الطويلة. تتضمن هذه العائلة السرطانات والقريدس والربيان.

الأعضاء الأخرى من عائلة القشريات تحمل العين ذات ‘’البنية الكاسرة للضوء’’، التي تعمل على مبدأ مختلف تماماً عن تلك التي تحمل البنية العاكسة للضوء. هنا تتكون العين من مئات الخلايا الشبيهة بقرص العسل، إلا أنها وبشكل يختلف عن خلايا عين السرطان، فإن هذه الخلايا إما أن تكون سداسية أو دائرية. علاوة على ذلك، فإن العدسات الصغيرة في هذه الخلايا لا تعكس الضوء، وإنما تكسر الضوء لتحوله إلى بؤرة في الشبكية.

على ضوء ما تقدم، نجد أن معظم أنواع القشريات تحمل العين ذات البنية الكاسرة للضوء. وعلى العكس من ذلك تحمل القشريات عشريات الأرجل بنية عينية عاكسة للضوء. حسب نظرية التطور، فإن كل الكائنات التي تندرج تحت شعبة القشريات يجب أن تكون قد تطورت عن جد واحد لذلك يزعم التطوريون أن العين العاكسة متطورة عن العين الكاسرة للضوء، التي تعتبر أكثر شيوعاً بين القشريات وأبسط تصميماً.
إلا أن هذا التحليل غير معقول لأن كلا البنيتين تعملان بشكل متكامل ضمن نظامها الخاص الذي لا مكان فيه لأي طور ‘’انتقالي’’. ستفقد القشريات بصرها وتنقرض بالاصطفاء الطبيعي إذا ما استبدلت العدسات الكاسرة للضوء بالمرايا العاكسة للضوء.

لذلك من المؤكد أن هاتين البنيتين قد خلقتا بشكل منفصل. إن هذه البُنْيات ذات التصميم الهندسي الرائع تجعل من إمكانية ‘’المصادفة’’ أمراً مثيراً للسخرية. وكما هي الحال في معجزات الخلق، تعطينا عين السرطان نموذجاً عن الخلق الإلهي المتقن المعجِز بلا حدود. إنها ليست إلا دليلاً على عظمة الله وحكمته الأبدية وعلمه الأزلي.لا يتطلب اكتشاف هذه المعجزات مجهودات كبيرة في التعمق في ملكوت الله.

    
1 / total 9
يمكنك قراءة كتاب هارون يحيى التصميم في الطبيعة على الانترنت، ومشاركتها خلال شبكات الإنترنت الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر، وتحميله على جهاز الكمبيوتر الخاص بك، واستخدامها في مناقشاتك و أبحاثك وأطروحاتك، ونشر نسخ أو إعادة إنتاجها على مواقع الويب أو المدونة (Web Log/Blog) الخاصة بك دون دفع أي رسوم حقوق الطبع والنشر، طالما أنك تقر هذا الموقع كمرجع.
عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top