< <
1 / total: 15
الروعة في كل مكان - Harun Yahya
الروعة في كل مكان

 

)هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (سُورَةُ الْحشر 24 


مدخـــل

عزيزي القارئ، فكر قليلاً فيما تفعله عندما تستيقظ من النوم صباح كل يوم، تفتح عينيك بعد نوم عميق وقد تأخذ نفساً أو تعدل وضعك في الفراش. وبعد برهة تنهض لتتمشّى وتتناول فطورك الصّباحي وتغير ثيابك، وقد تتحدث مع من معك في البيت مثل والديك أو إخوتك. ثم بعد ذلك قد تخرج من البيت أو تطل من النافذة إلى الخارج، وربّما شاهدت زرقة السماء، أو رأيت طيراً يمر من أمام النافذة فتسمع صوته، وقد ترى ورقة تسقط من شجرة فتلفت نظرك الثمار الناضجة في الأشجار، وقد تحسّ بحرارة الشّمس أو بسرعة الرّياح وهبوبها.

قد ترى النّاس في الشوارع يسيرون كلّ إلى شأنه، أي إنّه يوم عادي في حياتك، وهذه الأمور التي نراها ونشاهدها يومياً لا تلفت انتباهك العميق لكونها وقائع يومية وعادية.

ولنفترض أنك موجود في غرفة، أي بين أربعة جدران منذ لحظة ولادتك، لتكن هذه الغرفة عديمة المنافذ وتحتوي على بعض قطع الأثاث الضرورية، وهناك نوع أو نوعان من الأغذية والمشروبات تكفي لاستمرار الحياة فقط. ولنفترض كذلك عدم وجود أيّ جهاز يمكن بواسطته معرفة ما يجري في العالم الخارجي مثل الهاتف أو المذياع أو التلفزيون، وبذلك تكون في شبه عزلة تامة عمّا يجري في الخارج.

ولنفترض أنك أخرجت من هذه الغرفة فجأة ورأيت العالم الخارجي، ترى عندئذ كيف سيكون استقبالك لهذا العالم الخارجي؟ فهذا العالم واسع مترامي الأطراف وأشعة الشمس تغمر وجهك، وترى زرقة السّماء الصافية أو تلألؤ النجوم إن كان الوقت ليلاً، أو بياض السّحب التي تلبّد السماء.

وقد ترى الجبال الشّاهقة الممتدة في عنان السّماء أو الشلالات التي تأسر عيون ناظريها، وكذلك البحيرات و البحار أو الأمطار التي تحمل بشارة الخير و بداية الحياة الخضراء، وتشاهد الأشجار الباسقة و الزهور الباهرة الألوان مثل البنفسج والأقحوان والقرنفل.

وتشعر بالنّشوة من رائحة الورود الزّكية مثل النيلج. وتشعر بالمذاق الطيب و النكهة الفائقة عندما تتناول فواكه كالبرتقال و البطيخ والإجّاص والفراولة (الشيليك) والموز والخوخ. وتخالجك مشاعر الرأفة و الشفقة عندما تشاهد قطة أو كلباً أو أرنباً أو حتى غزالاً، وتأسرك المناظر الأخاذة عندما ترى تناسق الألوان الجميلة في الفراش أو الطيور أو حتى في الحيوانات المائية.

وعندما ترى كل هذا الجمال و التناسق و الروعة يثور في عقلك سؤال كبير، من الذي صنع هذه الفسيفساء الجميلة؟ ترى من الذي أضفى على الفواكه لونها و نكهتها الجذابة؟ عندما تتناول قطعة من الشمّام أو التفاح تشعر بالمذاق اللذيذ، ترى من أودع فيها هذا المذاق؟ كيف أصبح لبّ هذه الثمرة ذات القشور بهذه الحلاوة؟ وعندما ترى الترتيب المتقن للبذور داخل الثمار تسأل من الذي رتبها بهذا الإتقان الرائع ؟

وكل جديد تراه أو تتعلمه يزيد حدة الإثارة داخلك و يجعل الأسئلة تزدحم في مخك وتتردد على لسانك كلمات الاستفهام: كيف ولماذا؟

وتبدأ بجمع المعلومات التي تبيّن لك حاجة ثمرة مثل البطيخ إلى البذور للتكاثر، أو حاجة الطيور إلى الريش في أجسامها كي تطير، أو أهمية أشعة الشمس بالنسبة إلينا، وكذلك تكتشف الأهمية القصوى للأكسيجين والماء لحياة الكائنات الحية، وتكتشف أيضاً أهمية البحار والمحيطات، وكذلك النباتات في الحفاظ على التوازن البيئي.

وبعد تحصيل كم من المعلومات تجد أن البذور المختلفة والشبيهة بقطعة الخشب تستنسخ نباتات مختلفة لاختلاف الشِّفْرة الوراثية التي تحتوي عليها. وبعد أن تكتشف المزيد من المعلومات تقترب شيئاً فشيئاً من سر هذه الفسيفساء الرائعة.

وهذا الذي تتعلمه وتكتشفه في البداية يُعَدُّ قطرة في محيط واسع من الكائنات، و بعد أن تكتشف أن هذه الكائنات يرتبط وجودها بعضها مع بعض، و أن هناك الكثير الذي لم تكتشفه بعد أو لم تره، أو لم تسمع عنه من قبل، وأن الكون له مقاييس وأنظمة خارقة تنظم وجوده، عندئذ فقط لا تملك سوى الحيرة والدهشة و الإعجاب. وكلما خطوت خطوة في طريق المعرفة والاستزادة من العلم يتبادر إلى ذهنك السؤال التالي: ترى كيف ظهرت هذه الكائنات جميعها إلى الوجود؟ كيف ظهرت أنا إلى الوجود؟ مادام لكل شيء سبب، إذن لماذا أنا موجود؟

عندما تخرج من غرفتك تلك التي مكثت فيها سنين عديدة ستصادفك الكائنات المختلفة، اختلاف في الأنواع، روعة في التصوير، وحينئذ تبدأ الأسئلة تدور في ذهنك باحثة عن أجوبة، وكل سؤال لا بد أن يحتوي على العبارة التالية: “من المؤكد أنّ هناك صانعاً لهذه الكائنات”.

وعندما تبدؤون بالتفكير متخلّين عن الكسل الذهني والنظرة الرتيبة إلى حولكم ستتوصلون حتماً إلى قناعة أكيدة بوجود خالق لهذه الكائنات. و هذا هو بالضبط ما يجب على كل إنسان أن يفعله، يجب على كل إنسان أن ينظر إلى الأشياء بنظرة مختلفة، نظرة فيها تفكر واعتبار.

ومثلما تفترض بأنّ

هناك صانعاً للجسر الذي تمر عليه كل يوم، فهناك صانع لعظام جسمك التي تقترب صلابتها من صلابة الفولاذ الذي صنع منه الجسر. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم أحدهم بادعاء أن الحديد و الفحم قد اتحدا بالمصادفة لينتجا الفولاذ، وأنّ الفولاذ والإسمنت قد اتحدا مصادفة ليصنعا الجسر؛ لأن من يدعي هذا الادعاء لا بد أن يكون معتوهاً أو أن قواه العقلية مصابة بخلل.

على الرغم من هذه الحقيقة فإن هناك من يدعي أن الكائنات سواء أكانت في كوكبنا أم خارجه قد ظهرت بمحض المصادفة، وإنّ ضحالة هذا الادعاء واضحة لكل ذي عقل حصيف.

اللامنطقية في فكرة “المصادفة”

إنّ الذين ظهروا في الساحة بادعائهم لفكرة المصادفة هم الماديّون ودعاة نظرية التطور. ويدعي هؤلاء أن المادة والكون لا أول لهما ولا آخر وأن لا خالق لهما وأن هذه النجوم التي تعد بالمليارات والتي تشكل بمجموعها مليارات المجرات، بالإضافة إلى الأجرام السماوية والكواكب التي ينتظم وجودها ضمن أنظمة خارقة في عملها. كل هذه الكائنات وجدت وتعمل بمحض المصادفة. وتدعي نظرية التطور كذلك أن الكائنات الحية قد وجدت بمحض المصادفة على الرغم من هذا النظام الرائع و المعجز للوجود.

وبعد هذا الاستعراض السّريع، يتضح لنا أن دعاة التطور يؤمنون بأنّ المصادفة خلقت الكون ولها قدرة على الخلق. إن الإيمان بهذا الشكل يُعَدُّ نوعاً من أنواع الوثنية، أي إنّ هؤلاء يعبدون صنماً اسمه “المصادفة”. ولو قرأتم الكتب ذات التوجهات الداروينية لوجدتم أنها تتحدث كثيراً عن هذا الصنم، و أن له قوة خارقة و قدرات عجيبة . وهؤلاء المؤمنون بنظريّة التطور يقدمون أمثلة عديدة لا يستطيعون عدها من الكائنات التي أوجدتها المصادفة. وعلى سبيل المثال يذكرون أن الخلية الأم التي يَعدُّونها مصدر الحياة الأولي قد خلقت من قبل هذا الصنم “المصادفة”، وعلى هذا تكون الذرات، حسب ادعائهم، قد اتحدت فيما بينها مصادفة وبتأثير عوامل طبيعية كالمطر والبرق لتكون أحماضاً أمينية، ومعلوم أنّ هذه الذرات غير حية. وفي خطوة لاحقة تكون هذه الاحماض الأمينية قد اتخذت قرارها بتكوين البروتينات التي تُعَدُّ عماد الخلية.

كل هذا يحدث بتأثير “الصنم المصادفة”. وبهذا الشكل تكون الخلية الكائن الحي الأولى قد ظهرت إلى الوجود بتأثير القوة التي يدعونها المصادفة، و لكن لم ينته الأمر عند هذا الحد، فحسب الهرطقات التي يرددها هؤلاء فإنّ “صنم المصادفة” قد كان له دور رئيس أو الدور الكامل في ظهور الملايين من أنواع الكائنات الحية على وجه البسيطة، فقد حدث الأمر كما يدعون بظهور السمك أو أنواع عديدة منه يربو عددها على مئات الآلاف؛ لأن الحدث لا يمكن أن يتم و يستمر بظهور نوع واحد فقط، ولم يكن الأمر كافياً أيضاً بظهور الأسماك لوحدها، وبالتالي ظهرت أنواع أخرى من الأحياء المائية، و هي تشكل هذا الوسط المائي الذي نراه وبالروعة التي نعرفها.

واستمر الأمر على هذا الشكل، أي إن المصادفة لا تكتفي بإيجاد الحياة في الماء فقط بل أوجدت هذه الحياة على اليابسة أيضاً، وبذلك كانت المصادفة العامل الرئيسي الذي ساعد سمكة ما في الخروج من الماء إلى اليابسة.

وعن طريق المصادفة أيضاً تحولت زعانف السمكة إلى أطراف أو أقدام، حتى إن هذه المصادفة أيضاً أكسبت السمكة الرئات التي تستطيع بواسطتها أن تتنفس الهواء على اليابسة، ولكن هذه المرحلة لم تكن كافية لظهور أنواع من الأحياء البرية. واستمرت المصادفة في تأثيراتها.

وكما سوف يتضح من الفصول القادمة لهذا الكتاب فإنّ الكائنات الحية لا تستطيع العيش إلا عندما تحتوي أجسامها على أعضاء حياتية تؤدي عملها بصورة تامة، و إنّ فشل بعض هذه الأعضاء في أداء عملها يؤدي إلى عجز الكائن الحي عن الاستمرار في الحياة، ولن يكون بإمكانه الصمود سوى لبضع دقائق أو لبضعة أيام في أحسن الأحوال، إلاّ أن دعاة التطور يقولون: إنّ المصادفة كانت وحدها “المبدع” الذي فكر وصمم وأبدع هذه الكائنات الحية بكل تفاصيلها و بكل دقة وكمال وجمال.

ويتضح لنا من هذه الأمثلة أنّ المصادفة بالنسبة إلى هؤلاء صنم يستطيع أن يفعل ما يشاء، وأن يعطي الشكل لأي جسم كيفما يريد أو أن يحول حيواناً ما إلى حيوان آخر. و عندما ينفذ هذه الأمور أو عندما يحول المواد غير الحية إلى كائنات حية يحدد صفات مهمة مثل الرائحة والشكل والمذاق، ويكسب هذه الصفات المرونة المناسبة تجاه أي تحول.

وكذلك تستطيع المصادفة حسب ادّعاءاتكم أن توجد الفيتامينات داخل الفواكه ووفقاً للمواسم التي تثمر فيها، وأن تكسب هذه الفواكه المرونة أو الصّلابة، وأن تضفي عليها الرائحة والنكهة نفسها أينما وجدت هذه الفواكه، كما أنّ المصادفة حسب هؤلاء لها القدرة على أن تودع داخل البذرة أسرار الشِّفْرة الوراثية المميّزة لكل نبتة.

إن ما ذكرناه يمثّل الخطوط الرئيسة التي تميّز تفكير أصحاب النظرية المادية ودعاة نظرية التطور.

والحقيقة التي تبرز أمامنا هي استحالة الاقتناع بهذه الأفكار من قبل كلّ ذي عقل منصف وتفكير موضوعي، كما أنه يستحيل قَبول الفكرة التي تقول بأنّ المصادفة وحدها سبب لإيجاد كل ما ذكرناه من قوانين في الطبيعة.

وتصور عزيزي القارئ: هل تستطيع المصادفات أن تنشئ طريقاً برياً سريعاً؟ أو هل تستطيع هذه المصادفات أن تنشئ شركات للنقل وتنظّم عملها بإتقان؟ والجواب مستحيل بالطبع. ومثلما كان من المستحيل أن تظهر شركة للنقل مصادفة فمن المستحيل أن يظهر جهاز الدوران في جسم الإنسان مصادفة. ومثلما كان هناك من قام بقطع الفولاذ قطعة فقطعة لتكون المواد اللازمة لإنشاء برج إيفل مثلاً فهناك من حدد لهذه القطع أطوالها، وهناك من صمم للبرج شكله، وثمّة من نفّذ هذا التصميم بتجميع هذه القطع ومن أكسب هذه القطع القوة و المتانة للحفاظ على بنية البرج سليمة.

فإذن: هناك من خلق عظام الإنسان بهذه الأطوال المختلفة ورتّبها في جسم الإنسان هذا التركيب المتناسق مع شكله، وبالتالي كان هذا ما نسميه الهيكل العظميّ. ولا بد أن الذي خلق العظام بهذا الشكل الرائع ذو قوة خارقة، ولا بد أن تكون هذه القوة أقوى من أية قوة معروفة في الطبيعة وهي بلا شكّ أكثر علماً ولا شبيه لها أبداً. إنّ الله عز و جل هو صاحب هذه القوة، وهو الذي خلق السموات و الأرض و ما بينهما.

إن المقارنة التي أجريناها إضافة إلى الأمثلة التي تضمّنها هذا الكتاب تعكس لنا شيئاً من قدرة الله تعالى على خلق الكائنات بهذه الأنواع المختلفة، وكلّ نوع من هذه الأنواع يحتوي على تفاصيل عميقة وكبيرة جداً.

وعلى سبيل المثال: فإنّ هذا الكتاب يحتوي على شرح متعلق ببعض الصفات العامة للفراشات، ولكن يوجد العديد من الكتب الأخرى تدور حول عين الفراشة بشكل خاص، إضافة إلى كون الفراشات توجد بأنواع مختلفة وكثيرة في الطبيعة، وكلّ نوع له مميزاته وخصائصه.

وقد تناول هذا الكتاب أيضاً بعض الخصائص المتميزة لجسم الإنسان بصورة عامة، ولكن هناك العديد من الأبحاث التي أجريت على عظام جسم الإنسان وتمخّضت عنها مجلدات ضخمة. و هناك كتب موسوعية حول عصب ما من أعصاب عين الإنسان، وألفت كتب مستقلة عن أجنحة الفراشات، حتّى إنّ ثمة كتباً قد ألفت عن المادة التي تتكون منها أجنحة هذه الفراشات.

وكل هذه الأمور تعتبر آيات صريحة على قدرة الله تعالى. ونستطيع أن نرى قدرة الله في كل مكان، ويستطيع كل ذي عقل أن يرى العظمة الإلهية في كلّ آنٍ ولحظة، ويستطيع كلّ إنسان أن يستوعب هذه العظمة بمقدار مستواه العقلي والوجداني، وما على الإنسان الذي يرى هذه القدرة الإلهية اللامتناهية والمعجزة الإلهية في التصوير الخارق إلا أن يعود بسرعة إلى الله ويعمل لمرضاته سبحانه وتعالى :

{ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } الأنعام: 102 .

الانفجار العظيم: الوجود من العدم

هل تعلم أنّ كل شيء تراه وتحسّه، مثل بدنك أو البيت الذي تعيش فيه والمقعد الذي تجلس عليه الآن، وحتى أمك و أبيك والطيور والتراب والفواكه والنباتات، وبإيجاز: كل شيء حي وغير حي من المواد قد ظهر إلى الوجود بعد الانفجار العظيم. فبعد الانفجار العظيم ظهرت الذرات إلى الوجود واتحدت لتكون الأشياء، وبعد هذا الانفجار العظيم تشكلت الأنظمة الخارقة في الكون. و لكن ما هو هذا الانفجار العظيم؟

لقد أثبتت الأبحاث خلال المئة سنة الأخيرة، وباستخدام التكنولوجيا المتقدمة والحسابات المختلفة بأن هناك تاريخاً لميلاد الكون. وقد أثبت العلماء من خلال هذه الأبحاث أن الكون في حالة تمدد و اتساع مستمرين. و بإجراء مراجعة منطقية لهذا التمدد توصلوا إلى أن الكون قد بدأ من نقطة و هي بداية لهذا الكون، فالعلم الحديث توصل إلى بداية الكون من هذا العدم”النقطة” بواسطة الانفجار، وقد سمي هذا الانفجار بـ “الانفجار العظيم” .(BIG BANG)

و بعد أن حظيت هذه النظرية بقَبول واسع في دنيا العلم، لم يكن عادياً إثبات أن جميع الأنظمة الخارقة التي تحكم الكون قد ظهرت إلى الوجود بفعل الانفجار العظيم؛ لأن آلاف الانفجارات تحدث في أي مكان من هذا الكوكب أو في أيّ مكان في الكون. فهناك انفجارات لقنابل نووية أو هيدروجينية أو انفجارات محورية “تحت سطح الأرض”، أو انفجارات بركانية، وحتى انفجارات تحدث نتيجة اشتعال الغاز الطبيعي، وتوجد كذلك انفجارات تحدث في الشمس.

وباختصار: فإنّ أي انفجار يحدث لا بد أن يتسم بطابع تدميري و تخريبـي، ولا يوجد أي انفجار يعقبه أثر بنّاء وإيجابي. ولكن العلم الحديث أثبت بوسائله المتقدمة أنّ هذا الانفجار العظيم قد كان سبباً للانتقال من العدم إلى الوجود وبكل توازن ودقة وإتقان.

ولنتفحص معاً المثال الآتي: لنفترض أن انفجاراً قد وقع تحت سطح الأرض، وكان من نتيجته أن ظهر إلى الوجود قصر من أفخم ما يكون و بجميع غرفه وأثاثه و نوافذه و أبهته. هل يمكن لنا أن نقول بأن المصادفة كانت سبباً في ظهور هذا القصر؟ هل يمكن لهذا الحدث أن يقع من تلقاء نفسه؟ بالطبع لا.

أما ولادة الكون نتيجة الانفجار العظيم فلا يمكن مقارنته بالمثال السابق لكونه ظهوراً خارقاً و رائعاً بكل المقاييس. فالدقة المتناهية موجودة في كل صغيرة وكبيرة من هذا الكون، ويحكمه نظام خارق أيضاً.

فإذن: إنّ التشبث بالادعاء القائل بأن “الكون ظهر من تلقاء نفسه” يُعَدُّ أمراً لا منطقياً، وإنّ هذا الحدث يثبت لنا وجود خالق للمادة من العدم، وإن هذا الخالق يسيطر على هذه المادة كل لحظة و يمنحها مميزاتها، وإنّ هذا الخالق لابد أن يكون ذا قوة وعلم لا حد لهما. إن هذا الخالق القويّ هو الله البارئ المصور جل جلاله.

مفهوم الاتساع في الفضاء

توجد أنظمة تتحكم في الكون لا يمكن عدها، ونحن في أدق تفاصيل حياتنا، عندما نقرأ كتاباً أو نمشي أو ننام، نكون تحت مراقبة الله عز وجل و دون أن نشعر بهذه المراقبة. ولقد خلق الله عز وجل الأنظمة التي تحكم الكون بهذه التفاصيل الرائعة كي يستطيع الإنسان من خلالها أن يستوعب عظمة قدرته. وكلام الله عز وجل في القرآن الكريم موجه لبني الإنسان مبيناً سبب خلق هذه الأنظمة الكونية، فقد ورد في سورة الطلاق ما يلي : { اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَ مِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً }الطلاق: ،12 و يحتوي الكون على أنظمة خارقة ورائعة وبديعة يعجز عقل الإنسان عن استيعابها.

وعلى سبيل المثال، كلنا يعلم مدى اتساع الكون وكبره، ولكن لو بدأنا بالتفكير حول حدود كبر الكون لبدت أمامنا مفاهيم لا يمكن أن نتخيلها، فقطر الشمس أكبر بـ 103 مرة من قطر الأرض، ولنبسّط هذا المثال بأن نفترض أن الأرض بحجم الدّعبل (الكرة الزجاجية الصغيرة التي يلعب بها الاطفال) عندئذ تكون الشمس بحجم كرة القدم.

والمثير هنا هو المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس، فلو رجعنا إلى المثال المبسط تكون الكرة الزّجاجية على بعد 280 متراً من كرة القدم اعتماداً على المقاييس الحقيقية ونسبة تصغيرها. أما الكواكب السّيارة الخارجية الموجودة في مجموعتنا الشمسية فتكون عندئذ على مسافة كيلومترات عديدة.

ومن خلال هذا المثال نستطيع أن نتخيل حجم مجموعتنا الشمسية الهائل. ولكن لو قارنا حجمها بحجم مجرة درب التبانة التي هي جزء منها، فالنتيجة تكون هائلة جداً؛ لأن هذه المجرة تحوي نجوماً غير شمسنا وأغلبها أكبر حجماً، ويربو عددها على 250 مليار نجمة.

و تستقر شمسنا على أحد أذرع مجرة درب التبانة ذات الشكل الحلزوني، والمحيّر هنا أنّ مجرتنا تغدو صغيرة جداً لو قارناها بالفضاء الشاسع المترامي الأطراف؛ لأن الفضاء يحتوي على مجرات أخرى يقدر العلماء عددها بـ 300 مليار مجرة.

إن هذه الأمثلة التي أوردناها عن حجم الأجرام السماوية وطريقة توزيعها في الكون والعظمة التي هي عليها تعكس لنا قدرة الله التي لا حد لها، وأنّه لا شريك له في هذه القدرة، وأنّ الله ذو القوة المتين سبحانه و تعالى.

ويدعونا القرآن الكريم إلى التفكّر و التأمل في ملكوت الله: { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ? رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} النازعات: 27 - .28

النظام المتقن في المجموعة الشمسية

عندما تخرج من البيت أو من المكان الذي توجد فيه تجد أشعة الشمس تغمر المكان، ولكن دون أن تسبّب أيّ أذى، ونحن مدينون في هذا للنظام المتقن في المجموعة الشمسية. وفي الحقيقة إنّ هذه الشمس التي يصلنا منها ضوء ينير حياتنا و يدفئنا بلطف هي عبارة عن بئر سحيقة تملؤها سحب غازية حمراء االلون. وتتكون الشمس من ألسنة اللهب التي تكون على شكل خراطيم عملاقة قادمة من أعماق سحيقة مندفعة نحو الخارج بملايين الكيلومترات. لا شك في أن هذه الخراطيم النارية العملاقة خطيرة على حياة الإنسان، و لكن جميع أنواع الأشعة الخطيرة القادمة من الشمس يتم امتصاصها من قبل الغلاف الجوي للأرض ومجالها المغناطيسي قبل أن تصل إلينا، وهذا هو النظام المتقن لمجموعتنا الشمسية.

و لو تأمّلنا في بناء مجموعتنا الشمسية لوجدنا أن هناك توازناً دقيقاً و متقناً للغاية، فالذي يحفظ الكواكب من ابتعادها عن الشمس، وبالتالي اندفاعها نحو الفضاء الخارجي الذي يتميز بالبرد القارس، هو التوازن الموجود بين قوة جذب الشمس والقوة الطاردة المركزية للكواكب، فالشّمس تملك قوة جذب هائلة تجذب بواسطتها الكواكب نحوها، والكواكب تستطيع أن تقلل أو تتخلص إلى حد ما من هذه الجاذبية بواسطة قوتها الطاردة المركزية المتولدة عن حركتها المدارية، ولو كانت سرعة دوران الكواكب أقل مما هي عليه لانجذبت نحو الشمس لتبتلع من قبلها مصحوبة بانفجار كبير، ولو افترضنا العكس أي لو كانت أسرع دوراناً لما كانت قوة جذب الشمس كافية لإبقائها ضمن المجموعة، وبالتالي تندفع هذه الكواكب نحو الفضاء الخارجي. بيد أنّ أياً من الافتراضَين لن يحدث أبداً. والمجموعة الشمسية تستمر في الوجود بفضل هذا التوازن الدقيق جداً.

إن هذه الظواهر تُعَدُّ دليلاً على وجود مثل هذا التوازن الخارق في المجموعة الشمسية، وهذه الظواهر تقود إلى حقيقة عظيمة؛ و هي أنّ هذا التوازن الذي يحفظ بنيان المجموعة الشمسية بشمسها و كواكبها، لم يتكوّن من تلقاء نفسه.

إن هذه حقيقة واضحة لكل ذي عقل وتفكير. فالواضح أمامنا أن هذا التوازن قد تم حسابه بدقة متناهية جداً، ويُعَدُّ هذا التوازن آية من آيات الله عز وجل وقدرته التي لا حدّ لها في الخلق و التصوير.

إن العلماء الفلكيين اكتشفوا هذا التوازن الدقيق في المجموعة الشمسية، و قد أوضح كبلر وغاليلو أن هذا التصميم المعجز والخارق ليس إلا دليلاً على قدرة الله تعالى في الخلق و تصرّفه في ملكوته كما يشاء، فهو الله الذي يخلق كلّ شيء بعلمه الذي وسع كل شيء، وهو القوي العزيز جلَّ جلاله.

    

    
 
1 / total 15
يمكنك قراءة كتاب هارون يحيى الروعة في كل مكان على الانترنت، ومشاركتها خلال شبكات الإنترنت الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر، وتحميله على جهاز الكمبيوتر الخاص بك، واستخدامها في مناقشاتك و أبحاثك وأطروحاتك، ونشر نسخ أو إعادة إنتاجها على مواقع الويب أو المدونة (Web Log/Blog) الخاصة بك دون دفع أي رسوم حقوق الطبع والنشر، طالما أنك تقر هذا الموقع كمرجع.
عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top