لا يعرف الله الا بالعقل

تحميل الكتاب

تعليقات

فصول الكتاب

< <
1 / total: 2
الجـزء الثـانـي الذين لا يبصرون حقـيقـة الخـلق
الجـزء الثـانـي
الذين لا يبصرون
حقـيقـة الخـلق


 

الدار الآخر

الدار الموعود الحق

من الواضح بالنسبة لكل إنسان يمتلك الحكمة والإدراك أنه لم تخلق في هذا الكون أي مادة، أو حادث، أو قانون عبثا أو بدون هدف. تقوم بنية الكون واستمراريته على توازن جد دقيق. هذا التوازن حقيقة غير قابلة للنقاش تثبت أن الكون "مخلوق". فهل يمكن بعد ذلك أن يقال إن الكون خلق عبثا؟ بالطبع لا.

هناك هدف حتى في أصغر عمل يقوم به كائن موجود على وجه البسيطة، هذا الكائن الذي لا يشغل مكانا بالنسبة لبلايين المجرات الكونية أكثر مما تشغله حبة رمل. إذا كيف يُعقل القول بأن الكون برمته خلق عبثا؟

أخبر الله تعالى البشر أنه لم يخلقهم عبثا:

{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115].

وجدت الحياة على سطح الأرض من خلال سلسلة طويلة من الظواهر المعجزة تمتد من الإنفجار الكبير حتى الذرات ومن الذرات حتى المجرات، ومن المجرات حتى كوكبنا. وكل احتياجات الحياة على الأرض منظمة بدقة: شمس في السماء تقدم كل الطاقة المطلوبة، والاحتياطي المخزون في الأرض، وأرض زاخرة بملايين الأنواع النباتية والحيوانية . وبالرغم من كل الحوادث الخارقة، لا يزال بإمكان الناس إنكار وجود الله. ومع اعتبار أنه من الممكن نشوء الإنسان من نطفة، إلا أن هؤلاء الأشخاص لا يؤمنون بالبعث بعد الموت كما يعلِمنا القرآن. يشير القرآن إلى المنطق الاحمق لهؤلاء ويعطيهم الجواب :

{وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 78 ـ 79].

الله الذي خلق الموت والحياة - خلق كل شيء في الكون ولهدف معين ولذلك أوضح هو هذا السبب {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور} [الملك: 2]. وكما أشارت الآية فهذه الحياة دار امتحان وهي بذلك مؤقتة. هناك نهاية لكل الناس ولكل العالم في الزمن الذي قدره الله. والناس مسؤولون عن الحياة القصيرة التي يحيونها حسب الشرائع التي أنزلها الله لهم في القرآن . وفي الآخرة سينالون جزاءهم عما فعلوه في الدنيا .

القصاص الخالد

عرضنا في هذا الكتاب آيات الله المعجزة التي تدل على وجوده، وعرضنا لمؤيدي النظام الفكري القائم على إنكار الوجود الإلهي، ونوع الهيئات الاجتماعية التي يرغبون في تأسيسها. كل ما نوقش يتعلق "بالحياة الدنيا". إلا أن الحياة الآخرة، حياة ما بعد الموت، تستحق التأمل أيضا .

يقدم أولئك الذين يطورون الأنظمة الفكرية التي تعتمد بشدة على إنكار الذات الإلهية لأتباعهم حياة بائسة، ويسببون لهم جزاء أليما في الدار الآخرة. هناك يتبرأون مِمَن تبعهم في الحياة الدنيا. وفي المقابل يحاولون فقط إنقاذ أنفسهم كما جاء في الآية الكريمة :

{ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض جميعا لافتدت به وأسروا الندامة ..} [يونس: 54].

{قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون. وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون}. [الأعراف: 38 ـ 39].

وحسب ما فهمنا من الآية لا فرق هناك بين الأفراد الذين قالوا بالإلحاد وبين من اتبعوهم. النتيجة واحدة، ستلاقي كلا المجموعتين العذاب والخسران الذي تستحقانه في الآخرة عن أفعالهما . وصف الله عز وجل بالتفصيل الظروف التي سيكون عليها هؤلاء الناس، والجزاء الذي سيلاقونه في الآخرة يوم الحساب في جهنم .

يوم البعث

عندما ذكر الله عز وجل يوم البعث في القرآن أشار إليه { يوم يدعو الداع إلى شيء نكر..} [القمر: 6]. لا يمكن أن يعرف الإنسان الرعب الحقيقي لذلك اليوم لأنه لم يواجه شيئا يشبهه قبلا .

الله فقط من يعلم زمن هذا اليوم. وما يعرفه الناس عن هذا اليوم مرتبط بالصور القرآنية. يأتي يوم القيامة فجأة في زمن لا يتوقعه أحد من الناس .

في هذا اليوم تقبض ارواح الناس، ربما، في بيوتهم، في مكاتب عملهم، أثناء نومهم، وهم يتكلمون بالهاتف، يقرؤون كتابا، يضحكون، يبكون أو يصطحبون أطفالهم من المدرسة ، على أن هذا القبض سيكون مرعبا جدا، شديدا لم ير أحد ما يشبهه في كل العالم طوال حياته .

يبدأ يوم القيامة بنفخ الصور (المدثر 8-10). عند سماع هذا الصوت في كل أرجاء العالم، تقبض ارواح أولئك الذين لم يستغلوا وقتهم - الذي وهبهم الله في التقرب إليه - بخوف عظيم. يصف الله الأحداث الهائلة التي تحدث في ذلك اليوم :

{بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46].

الآيات لنا أن صوت الصور يُتبع بصوت مروع يصم الآذان وبزلزلة هائلة ] الزلزلة: 1-8 [

وتتفتت الجبال إلى ذرات وتصبح هباء منبثا (الواقعة 5). في هذه اللحظة يدرك الناس مدى تفاهة ما تعلقوا به في هذه الدنيا، وتتلاشى كل القيم المادية التي عاشوا عليها:

{فإذا جاءت الطامة الكبرى* يوم يتذكر الإنسان ما سعى*وبرزت الجحيم لمن يرى} [النازعات: 34 ـ 36].

في هذا اليوم تختفي كل الجبال بما فيها من صخر ورمال فتصبح كالصوف المنفوش ) الواقعة 5). يدرك الإنسان حينها أن هذه القوة ليست قوة الطبيعة. ويسود خوف عظيم كل أحداث ذلك اليوم. يصعق كل حيوان وإنسان وكل حي . وتنفجر البحار (الانفطار 3)، وتشتعل فيها النار "سجرت" (التكوير 6 (.

وتبدأ السماء بالاهتزاز كالأرض تماما وتأخذ بالزوال بطريقة لم يشهدها أحد، ويتحول لون السماء الأزرق الذي اعتاد الناس عليه إلى لون النحاس الذائب (سورة المعارج (. ويظلم كل ما كان في السماء مضيئا: وتكوَّر الشمس (التكوير 1)، ويُخسف القمر (القمر1). ويجمع الشمس والقمر (القيامة 9 (.

وتسقط النساء الحاملات حملهن ، وتشيب الولدان (المزمل17). ويهرب الأطفال من أمهاتهم ، والنساء من أزواجهن. وتتفرق العائلات عن بعضها. ويعرض القرآن سبب كل هذه الأمور :

{فإذا جاءت الصاخة. يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 33 ـ 34].

يوم الحساب

بعد أن تأخذ الأحداث مجراها في يوم البعث ينفخ في الصور ثانية. وعلى هذا الصوت يُنشَر الناس من جديد. وتمتلئ الأرض يومئذ بالناس الذين خرجوا من قبورهم التي أمضوا فيها مئات وربما آلاف السنين. ويعرض لنا القرآن البعث في هذا اليوم المزدحم:

{ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا يا ولينا مَن بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميعا لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} [يس: 51 ـ54].

ويظهر كل ما أشاح عنه أولئك الناس، ولم يرغبوا في فهمه، وهربوا منه واضحاُ و ماثلا أمامهم. لن يتمكنوا من الهروب أو الإنكار بعد الآن .

في اللحظة التي يخرج بها هؤلاء الناس وعلامات الخزي على وجوههم، مقنعي رؤوسهم من قبورهم تشرق الأرض بنور ربها ويؤتى كل إنسان صحيفته .

في هذا اليوم الذي تجتمع فيه البشرية بأعدادها التي لا يعلمها إلا الله، يختلف موقف المؤمن عن موقف الكافر. يروي لنا القرآن هذه الحقيقة:

{وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه. ما أغنى عني مالية. هلك عني سلطانيه} [الحاقة: 25 ـ 29].

في هذا اليوم لا يُجحف الإنسان ذرة من حقه. كل إنسان يجازى بما عمل في الأرض. ويصعب يوم الحساب على الكافرين، إنه يوم أصبح خلودهم في جهنم أمراً أكيداً.

الآيات الآتية تكشف بوضوح ما ينتظر الكافرين والذين اتبعوا دعاة العبث في الحياة الدنيا من جزاء يوم الحساب .

{ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يُظلمون. ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون. وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فُتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} [الزمر: 68 ـ72].

نار جهنم

أكبر إثم يمكن أن يقع فيه إنسان أن يثور على الله خالق الحياة وواهبها. إذا خالف الإنسان، الذي خُلق ليعبد الله، الهدف الذي خلق لأجله فهو بالطبع يستحق الجزاء على فعلته الخاطئة. وجهنم هي المكان الذي يُعرض له فيه هذا الجزاء. معظم الناس يمضون حياتهم في سُكر وغفلة دون التفكير بهذا مطلقا. ومن الأسباب الهامة لهذا الثَمَل هو عدم قدرتهم

حذر الله الناس من هذا الخطر:

{يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: 33].

الله مالك الصفات الحسنى، رحمن رحيم غفور، ولكن علينا أن نتذكر أيضا أن الله عادل دائما وقهار جبار؛ وأن الله قريب من المؤمنين بعيد عن الكافرين والوثنيين والمنافقين، وأنه رب الثواب والعقاب، وأن النار هي المكان الذي سيحشر فيه هؤلاء الأخيرين .

لسبب من الأسباب يؤمن الناس بمعتقدات وهمية في هذا الصدد. يزعمون أنهم سيذهبون إلى جهنم للتكفير عن أخطائهم في الحياة الدنيا، ولكنهم بعد ذلك سيدخلون الجنة ويعيشون فيها إلى الأبد. ولكن الله يخبرنا بأن المقام في الجنة أبدي وفي النار أبدي ولن يخرج أحد منهما إلا بمشيئته.

{وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [البقرة: 80 ـ 82].

هناك سيقاسي الناس ألوان العذاب من نار وحرارة وظلمة ودخان وضيق وعمى وظمأ وماء حميم وشجرة الزقوم. وبالإضافة إلى العذاب الجسدي يتعرضون إلى عذاب روحي عظيم (سورة الهمزة). يأتي وصف العذاب الذي يعانيه الناس في جهنم في القرآن بالتفصيل.وتوضح الآيات مدى أهمية هذا الموضوع بالنسبة للإنسان. عذاب جهنم هائل لا يمكن مقارنته مع أي عذاب من عذاب الدنيا. يصف القرآن ما ينتظر الكافرين :

{كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة} [الهمزة: 4 ـ 9].

{وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى نار حامية. تسقى من عين آنية. ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع} [الغاشية: 2 ـ 7].

{إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً} [الإنسان: 4].

{هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون. يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43 ـ 44].

{والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور. وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} [فاطر: 36 ـ 37].

{الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلاً} [الفرقان: 34].

{إذا رأتهم من بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا. وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا. لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيراً} [الفرقان: 12 ـ 14].

الجنة الدار الموعودة للمؤمنين

{فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17].

الجنة هي المستقر الذي وعد به المؤمنون جزاء على إيمانهم بالله وإخلاصهم له. والجنة كما تصفها الآيات الكريمة هي مكان محاط بكل أنواع النعم والهبات الإلهية وفيها يكون النعيم أبدياً. ويكافئ الله المؤمنين بالجنة على أعمالهم في الدنيا.

الجنة هي المكان الذي تظهر فيه "الرحمة الإلهية" (الرحمة التي يهبها الرحمن للمؤمنين خاصة، الرحمن الذي يكافئهم بنعيم يعيشون فيه أبدا). الجنة هي إذاً دار السعادة التي تجد فيها الروح كل ما تحبه وتشتهيه حتى أكثر من ما ذكر في الآيات.

يقتصر خيال البعض على أن الجنة مكان فيه جمال الطبيعة كما لو أنه مرج أخضر. بالطبع هناك فرق كبير بين هذا المفهوم وبين ما وصف في القرآن.

الجنة في القرآن فيها كل شيء يمكن أن يشتهيه إنسان:

{يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71].

وتخبرنا آية أخرى أن في الجنة أكثر مما يريد الإنسان:

{لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} [سورة ق: 35].

بتعبير آخر تحتوي الجنة على أكثر مما يمكن تخيله، فيها الكثير والكثير من النعم التي لا تراها أعين الناس في هذا العالم ولا يمكن أن تتخيلها. وسيحصل المؤمنون على هذه الجنة جزاء على طاعتهم لله في الحياة الدنيا ولتحقيق مشيئته في العيش فيها .

تناولت عدة آيات الجنة بالوصف:

{وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون} [البقرة: 25].

{إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين} [الحجر: 45 ـ 48].

{أولئك لهم جنات تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقاً} [الكهف: 31].

{إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون. هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون. لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون. سلام قولا من رب رحيم} [يس: 55 ـ 58].

{إن المتقين في مكان أمين. في جنات وعيون. يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين. كذلك وزوجناهم بحور عين. يدعون فيها بكل فاكهة آمنين. لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم. فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم} [الدخان: 51 ـ 57].

{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين} [العنكبوت: 58].

تحذير إلى أولئك الذين يمكن أن ينجوا من العذاب المقيم

من المؤكد أن كل إنسان له الحرية في العيش كما يحب، وأن يختار الطريق الذي يريد وليس لأحد أن يجبر غيره على شيء. إلا أنه من واجبنا الديني كأناس نؤمن بالله وعدله المطلق، أن نحذر أولئك الذين ينكرون الله ولا يدرون مع أي تيار ينجرفون، وأن نبين لهم مدى خطر الحال التي هم عليها:

{أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} [التوبة: 109].

إن الناس الذين يعرضون عن الله متعمدين ، أو ينكرون وجود الله على غير وعي لا مفر لهم من عذاب اليوم الآخر. وإذا لم يتوبوا ويهديهم الله الذي خلقهم فلا ملاذ لهم من أكبر عقاب يوقعه الله بهم. هذا العقاب الأبدي عرضه لنا القرآن:

{والذين كفروا بآياتنا أولئك أصحاب المشأمة. عليهم نار مؤصدة} [البلد: 19 ـ 20].

والطريق للخلاص من العذاب الخالد واستحقاق النعيم الخالد واضح:

أن تكون مؤمنا بالله مخلصا قبل فوات الوقت.

أن تمضي حياتك بحثا عن مرضاته.

تـحـذيـر

يكشف الفصل الذي أنت بصدد قراءته عن سر مذهل من أسرار حياتك.

عليك قراءته بتعمق وانتباه لأنه يتناول موضوعا سيكون مسؤولا عن إحداث

تغييرات أساسية في نظرتك إلى العالم الخارجي.

الموضوع القادم ليس وجهة نظر ولا طريقة في الفهم، أو فكرة فلسفية تقليدية:

إنه حقيقة يجب أن يعترف بها المؤمن والكافر على حد سواء،

حقيقة أثبتها العلم الحديث.


طريقة مختلفة جدا لفهم المادة

عندما يتأمل الناس المحيط الذي يعيشون فيه بحكمة وموضوعية، يعرفون أن كل ما في الكون مخلوق. والسؤال هو من يكون خالق كل هذه الأشياء؟

من الواضح أن "حقيقة الخلق" التي تعلن عن نفسها في كل وجه من وجوه الكون، لا يمكن أن تكون نتاجا عن الكون نفسه. لا يمكن أن تكون حشرة البق قد أوجدت نفسها، كما لا يمكن أن يكون النظام الشمسي قد خلق نفسه أو قام بتنظيم ذاته. ولم تقم النجوم ولا الإنسان، أو البكتريا أو الكريات الحمر أو الفراشات بإحضار ذاتها إلى الوجود. كذلك إمكانية كونها قد نُظمت عن طريق المصادفة أمر لا يمكن حتى تخيله .

وهكذا وصلنا إلى هذه النتيجة: إن كل شيء حولنا مخلوق ولكن لا شيء منه يمكن أن يكون خالقا. الخالق مختلف عن كل ما تراه أعيننا وأسمى منه إنه قوة عليّة غير مرئية ولكن يدل على وجودها وصفاتها كل موجود .

هذه النقطة يعترض عليها المنكرون لوجود الله. هؤلاء الناس يشترطون لإيمانهم رؤية الله أمام أعينهم. وهم ينكرون "الخلق" ويتجاهلون حقيقة براهين "الخلق" التي يحكيها الكون، ويحاولون إثبات أن الكون وكل ما هو موجود فيه لم يُخلق خلقا. ونظرية التطور هي أبلغ مثال على ما وصلوا إليه .

يشترك الذين ينكرون الله في هذا الخطأ الكبير مع العديد من الناس الذين لا ينكرون الله ولكن لديهم مفاهيم خاطئة حوله. فهم لا ينكرون الوجود الإلهي ولكن لديهم معتقدات وهمية حول "مكان" وجوده. إذ يعتقد غالبيتهم أن الله في السماء وأنه موجود أبعد من أبعد كوكب وأنه نادرا ما يتدخل في "الشؤون الدنيوية"، وقد لا يتدخل أبدا. يتخيلون أنه خلق الكون وتركه وشأنه وترك البشر يتدبرون أمورهم ويحددون مصائرهم بأنفسهم.

هناك آخرون سمعوا ما يقوله القرآن من أن الله في كل مكان، إلا أنهم لم يدركوا تماما معنى ذلك. يعتقدون أن الله في كل مكان مثل موجات الأثير أو الغاز الشفاف الذي لا يمكن رؤيته.

وفي جميع الأحوال تقوم هذه الاعتقادات وغيرها من التي لا تستطيع تحديد "مكان الله" على خطأ شائع. إنهم يقولون بحكم مسبق دون دليل أو أرضية صلبة يقفون عليها، وبهذا يشكلون مفهوما خاطئا عن الله. ولكن ما هو هذا الحكم المسبق؟

هذا الحكم المسبق هو حول الطبيعة وخصائص المادة. نحن محدودون جدا بظنوننا حول وجود المادة حتى إننا لا نتساءل ما إذا كانت موجودة أو غير موجودة أو أنها قد تكون خيالا. العلم الحديث يدحض هذا الحكم المسبق ويكشف عن حقيقة غاية في الأهمية. سنحاول في الصفحات القادمة، أن نشرح هذه الحقيقة العظيمة التي يشير إليها القرآن .

عالم الإشـارات الكهربـائيـة

تنتقل إلينا كافة المعلومات التي نستقيها من العالم الخارجي عن طريق الحواس الخمس. والعالم من حولنا،بدوره، يتكون مما تراه أعيننا وتحسه أيدينا ويشمه أنفنا وتسمعه آذاننا وتتذوقه ألسنتنا. لم يخطر في بالنا في وقت من الأوقات أن يكون هذا العالم الخارجي شيئاً آخر غير ما تنقله إلينا حواسنا التي اعتمدنا عليها منذ نعومة أظفارنا .

وضع العلم الحديث في حقوله المختلفة فهما مختلفا تماما وخلق شكا خطيرا حول حواسنا والعالم الذي ندركه بحواسنا.

نقطة البداية لهذه الطريقة الفكرة التي تقول أن "العالم الخارجي" المتشكل في دماغنا ما هو إلا استجابة تنشأ في الدماغ عن طريق الإشارات الكهربائية. إن لون التفاحة الأحمر، صلابة الخشب، وحتى والدتك، ووالدك، عائلتك، وكل ما يخصك، عملك، وأسطر هذا الكتاب التي تقرؤها، جميعها مركبة من إشارات كهربائية.

يشرح فريدريك فيستر Fredrick Veste النقطة التي توصل إليها العلم في هذا الموضوع:

"يبدو أن بعض التعابير العلمية التي وضعها بعض العلماء من أن "الإنسان خيال، وكل ما نتعامل معه مؤقت ومخادع، وأن هذا الكون هو خيال "قد أثبتها العلم الحديث."25

ويعلق الفيلسوف المشهور جورج بيركلي Gorge Berkeley على هذا الموضوع:

نحن نؤمن بوجود الأشياء فقط لأننا نراها ونحسها وأنها تنعكس إلينا عن طريق حواسنا. إلا أن حواسنا ما هي إلا أفكار في عقولنا. لهذا فإن الأشياء التي نلتقطها عن طريق حواسنا ما هي إلا أفكار، وهذه الأفكار غير موجودة في أي مكان عدا عقلنا...وبما أن كل هذا غير موجود إلا في عقلنا، فهذا يعني أننا نعيش في خداع عندما نفكر بأن الكون والأشياء من حولنا موجودة خارج عقولنا. وهكذا لا وجود لأي شيء في محيطنا خارج عقولنا.26

ومن أجل مزيد من التوضيح،لنتأمل حواس الرؤيا لدينا التي تزودنا بأكبر كمية من المعلومات عن العالم الخارجي .

كيف نرى ونسمع ونتذوق ؟

تتم عملية الرؤية بالتدريج. تقطع الحزم الضوئية (الفوتونات) المسافة من المادة إلى العين وتعبر العدسات العينية في مقدمة العين حيث تنعكس بصورة مقلوبة وتقع على الشبكية في الجزء الخلفي من العين. هنا يتحول الضوء الواصل إلى العين إلى إشارات كهربائية يتم نقلها بواسطة العصبونات إلى نقطة صغيرة جدا تدعى مركز الرؤيا في المنطقة الخلفية من الدماغ. يتم إدراك هذه الإشارة الكهربائية كصورة في مركز الدماغ بعد سلسلة من العمليات. تأخذ عملية الرؤيا مكانها الحقيقي في نقطة من الجزء الخلفي من الدماغ وهي البقعة المظلمة وهي معزولة تماما عن الضوء .

لنتأمل الآن هذه العملية التي تبدو اعتيادية .عندما نقول "إننا نرى" فنحن في الواقع نرى آثار النبضات التي تصل إلى أعيننا وتُستقرأ في دماغنا، بعد أن تتحول إلى إشارات كهربائية.، أي أننا عندما نقول "نحن نرى" فنحن في الواقع نشاهد الإشارات الكهربائية في دماغنا.

إن كل المشاهد التي نراها في حياتنا تتشكل في مركز الرؤية ، الذي يحتل بضعة سنتمترات مكعبة في دماغنا. إن الأسطر التي نقرأها في هذا الكتاب والمرج الذي يمتد أمامنا عندما ننظر إلى الأفق، كلاهما ينطبقان في هذه البقعة الصغيرة. النقطة الثانية التي علينا أخذها بعين الاعتبار هي، وكما أسلفنا، أن الدماغ معزول عن الضوء ؛وتسود الظلمة في داخله، أي أنه لا صلة مباشرة له بالضوء نفسه .

يمكن أن نشرح هذه الوضعية المثيرة بمثال. لنفترض أنه يوجد أمامنا شمعة مشتعلة. يمكننا أن نجلس في مواجهتها ونراقبها طويلا. خلال فترة المراقبة هذه لا يتشكل أي اتصال مباشر بين دماغنا وضوء الشمعة هذا. ففي الوقت الذي نرى فيه ضوء الشمعة، يلف دماغنا ظلام دامس. نحن نرى عالما مضيئا وزاخرا بالألوان داخل دماغنا المظلم.

يعطينا غريغوري Gregory R . L. تفسيرا لهذه النواحي المعجزة في آلية الرؤيا والذي نسلم به ونعتبره صحيحا:

" نحن متآلفون جدا مع عملية الرؤية ، لدرجة أننا بحاجة إلى قفزة في خيالنا كي ندرك أن هناك مشاكل يجب حلها، ولكن لنتأمل. تصل إلى عيننا صورة مشوهة مقلوبة، ونحن نرى أشياء صلبة أمامنا في الفضاء المحيط. من نماذج المحاكاة في الشبكية ندرك عالم الأشياء وهذا لا يتعدى كونه معجزة صغيرة.27

تنطبق نفس الوضعية على باقي الحواس. يُنقل، الصوت، اللمس، الشم، الذوق إلى الدماغ على شكل إشارات كهربائية ويتم إدراكها في المراكز ذات العلاقة.

وتتم آلية السمع بطريقة مشابهة للرؤيا. يتم تلقي الأصوات عن طريق الصوان ، وتُوجه إلى الأذن الوسطى. وتنقل الأذن الوسطى الاهتزازات الصوتية إلى الأذن الداخلية وتضخمها. وتترجم الأذن الداخلية الاهتزازات إلى إشارات كهربية وتنقلها إلى الدماغ. وتماما كما هو الحال مع العين، يأخذ السمع مكانه الأخير في مركز السمع في الدماغ. والدماغ معزول عن الصوت كما هو معزول عن الضوء. لذلك لا يهم كم تكون الضوضاء في الخارج، فالدماغ غارق في صمت مطبق.

يدرك الدماغ الأصوات المنخفضة، و أذن الإنسان السليمة تسمع كل شيء ودون تشويش أو تداخلات صوتية. وفي دماغك المعزول عن الصوت تسمع المقطوعات الموسيقية، وكل أصوات الجموع المحتشدة وتدركها جميعا ضمن مدى واسع من الترددات اعتبارا من حفيف الشجر وحتى صوت هدير الطائرة النفاثة. ومع ذلك إذا ما قيس مستوى الصوت في دماغك بواسطة مقياس حساس في هذه اللحظة، فستكون النتيجة صمت تام يسود المكان .

وبنفس الطريقة تتم عملية الشم. تصل الجزيئات الطيارة. التي تنبعث من الأشياء مثل الفانيليا أو الورد إلى الشعيرات الدقيقة في منطقة الظهارة في الأنف وتدخل ضمن تفاعلات الجزيئات الطيارة. هذه التفاعلات تنتقل إلى الدماغ ويتم إدراكها كرائحة. كل الروائح التي نشمها، الزكية منها والكريهة ليست إلا إدراكاً دماغياً لتفاعلات الجزيئات الطيارة التي تنتقل إلى الدماغ بعد أن تتم ترجمتها إلى إشارات كهربائية . أنت تدرك روائح العطر ،الزهور، الطعام و البحر، التي تحبها والتي لا تحبها في دماغك. لا تصل الجزيئات نفسها إلى الدماغ تماما كما في الرؤيا والصوت. الذي يصل إلى دماغك ببساطة هو الاشارات الكهربية. بتعبير آخر، إن كل الروائح التي شممتها مذ كنت طفلا وحتى الآن ما هي إلا شارات كهربائية تستشعرها من خلال أعضائك الحسية .

وبشكل مشابه توجد أربعة أنواع من المتلقيات الكيميائية في الجزء الأمامي من اللسان تمثل المذاقات الأربع: الحلو والمر والحامض والمالح. تحول هذه المتلقيات هذه المذاقات إلى إشارات كهربائية عبر سلسلة من العمليات الكيميائية ثم تنقلها إلى الدماغ؛ ويدرك الدماغ هذه الإشارات على أنها مذاقات. إن مذاق الشوكولاته أو الفاكهة التي تأكلها ما هو إلا تفسير لإشارات كهربائية تجري في الدماغ. لا يمكنك أن تصل إلى شيء في العالم الخارجي؛ لا يمكنك مطلقا أن ترى أو تشم أو تذوق الشوكولات ه نفسها . على سبيل المثال، إذا ما انقطعت أعصاب الذوق التي تصل إلى الدماغ فإن مذاق الأشياء التي تأكلها لن يصل إلى الدماغ؛ ستفقد حس الذوق تماما .

هنا نصل إلى حقيقة أخرى: لا يمكننا التأكد من أن المذاق الذي نجده نحن والمذاق الذي يجده غيرنا لنفس المادة واحد، أو ان ما يدركه سمعنا وما يدركه سمع غيرنا لنفس الصوت واحد. يقول لينكولن بارنت Lincoln Barnett لا يمكن أن نعرف أننا وغيرنا لدينا نفس الإدراك للون التفاحة الأحمر أو أننا نسمع المقطوعة الموسيقية س بنفس الطريقة.28

إحساسنا باللمس لا يختلف عن غيره من الأحاسيس. عندما نلمس شيئا من العالم الخارجي، فإن المعلومات التي تساعدنا على التعرف على هذا الشيء الخارجي تنتقل إلى الدماغ عن طريق أعصاب اللمس الموجودة في الجلد. ويتشكل الشعور باللمس في الدماغ. وعلى عكس المعتقد السائد، فإن مركز الشعور باللمس لا يوجد في أطراف الأصابع أو في الجلد، بل في مركز إدراك الحس في الدماغ. وبسبب التفسير الدماغي للاستثارة الحسية التي جاءت من العالم الخارجي، يمكننا أن ندرك أن هذا الشيء طري أو قاسٍ، بارد أو حار. نأخذ كل التفاصيل التي تساعدنا على إدراك الشيء من هذه الاستثارة. وباعتبار هذا، كانت أفكار كل من الفيلسوفين راسل و فيتغنشتاين L. Wittgenstein and B. Rusell كالتالي:

"سواء كانت الليمونة موجودة أم لا أو كيف جاءت إلى الوجود فهذا ليس موضوع بحث. تتضمن الليمونة من مذاق نستشعره بالفم ورائحة نشمها بالأنف وشكل نراه بالعين، هذه المواد فقط التي يمكن أن تكون محط بحث. لا يمكن للعلم أبدا أن يعرف العالم الظاهري."29

من المستحيل بالنسبة لنا الوصول إلى العالم الخارجي . كل الأشياء التي حولنا عبارة عن مجموعة من المدارك مثل الرؤية والسمع واللمس. فعن طريق معالجة المعلومات في مركز الرؤية وأخرى في مركز الحس، فإن دماغنا، وخلال حياتنا، لا يقابل " أصل " المادة الموجودة في المحيط في الخارجي ولكنه يقابل صورة متشكلة في داخله. وهنا نخطأ عندما نعتقد أن هذه الصور هي أمثلة عن المادة الحقيقية الموجودة خارجنا .

"العالم الخارجي" داخل دماغنا

يمكننا الاستنتاج من المعلومات الفيزيائية التي استعرضناها حتى الآن، أن كل شيء نراه، أو نلمسه أو نسمعه أو ندركه "كالمادة" "العالم" "الكون" ما هو إلا شارات كهربائية تحدث في أدمغتنا.

عندما يأكل أحدنا فاكهة فهو لا يقابل التفاحة الحقيقية ولكن يقابل إدراكها في الدماغ. المادة التي يظنها الإنسان تفاحة هي في الحقيقة مكونة من مجموعة من الانطباعات الكهربائية عن الشكل، والمذاق، والرائحة وتركيب الفاكهة في الدماغ. وإذا ما تمزقت أعصاب الرؤيا الواصلة إلى الدماغ فجأة ، فإن صورة التفاحة ستختفي.كما أن انقطاع الأعصاب التي تصل الحساسات الأنفية مع الدماغ سيسبب في تعطل حاسة الشم تماما. وهكذا تكون التفاحة لا أكثر من تفسير دماغي للإشارات الكهربائية.

نقطة ثانية للتأمل هي الشعور بالمسافة. المسافة، مثل المسافة بينك وبين الكتاب، ما هي إلا إحساس بالفراغ يتشكل ضمن الدماغ. الأشياء التي تبدو على مسافة من وجهة نظر أحدنا، موجودة أيضا في الدماغ. مثلا، الإنسان الذي يرى النجوم في السماء يعتقد أنها تبعد ملايين من السنين الضوئية عنه ، إلا أن ما يراه في الحقيقة هو النجوم الموجودة في داخله في مركز الرؤيا. وبينما تقوم أنت بقراءة هذا الكتاب فأنت لست داخل المكان الذي تعتقد أنك ضمنه بل على العكس المكان هو الذي في داخلك. إن رؤيتك لجسمك تجعلك تعتقد أنك في داخله، إلا أنه عليك أن تتذكر أن جسمك أيضا ما هو إلا صورة تشكلت داخل دماغك.

وينطبق هذا على كل مداركك الأخرى. مثلا، عندما تسمع صوت التلفاز في الغرفة المجاورة فأنت في الواقع تسمع صوتا في داخل دماغك. لا يمكنك أن تثبت أن هناك غرفة موجودة بالقرب منك ولا أن الصوت آت من التلفاز. يتم إدراك الصوت القادم من بعد عدة أمتار وصوت الشخص الذي يجلس بجوارك في مركز السمع الذي يشغل بضعة سنتمترات مكعبة في دماغك. وبعيدا عن مركز الإدراك، لا يكون هناك مفهوم للأمام والوراء واليمين واليسار، أي أن الصوت لا يـأتيك من الأمام أو الوراء أو من الهواء؛ ليست هناك جهات يأتي منها الصوت .

كذلك الروائح التي تشمها، ليس منها ما يأتيك من مسافة بعيدة. أنت تعتقد أن الأثر النهائي الذي يتشكل في مركز الشم عندك هو رائحة هذه الأشياء الموجودة في العالم الخارجي. إلا أنه وكما أن صورة الوردة موجودة في مركز الرؤيا، كذلك رائحتها موجودة في مركز الشم؛ لا يوجد هناك لا وردة ولا رائحة ورد في العالم الخارجي.

ما يقدمه لنا العالم الخارجي عن طريق حواسنا ما هو إلا مجموعة من الإشارات الكهربائية تصل إلى دماغنا.تقوم أدمغتنا بمعالجة هذه الإشارات أثناء حياتنا دون علم منا بأننا نخطئ عندما نعتقد أن هذه الأشياء التي نراها هي نسخ أصلية للأشياء التي نراها في "العالم الخارجي" . نحن مخطئون لأننا لا يمكن أن نصل إلى المادة عن طريق حواسنا.

مرة أخرى نقول بأن أدمغتنا تترجم وتعزو المعاني إلى إشارات نعتقد أنها العالم الخارجي.على سبيل المثال لنتأمل حاسة السمع. تترجم أدمغتنا الموجات الصوتية الموجودة في العالم الخارجي إلى مقطوعة موسيقية. أي أن الموسيقى أيضا إدراك يولده دماغنا. بنفس الطريقة، عندما نرى الألوان، فإن ما يصل إلى عيوننا ما هو إلا إشارات كهربائية مختلفة في أطوال الموجة. مرة أخرى يترجم الدماغ الموجات إلى ألوان. لا توجد ألوان في العالم الخارجي. فلا التفاحة حمراء ولا السماء زرقاء ولا الأشجار خضراء . هي على ما هي عليه فقط لأننا ندركها بهذا الشكل. يعتمد العالم الخارجي تماما على المُدرِك .

إصابة بسيطة في الشبكية تسبب عمى الألوان. بعض الناس يرون الأزرق أخضر وآخرون يرون الأزرق أحمر، ومنهم من يرى كل شيء أخضر. وهنا لا يهم ما إذا كان الشيء الخارجي ملونا أم لا. قال المفكر بيركلي أيضا هذه الحقيقة :

في البداية كان يُعتقد أن الألوان والروائح وما إلى هنالك "موجودة فعلا" إلا أنه ثبت بالنتيجة أن هذا الاعتقاد مرفوض، وأنها موجودة فقط اعتمادا على شعورنا.30

النتيجة هي أن السبب وراء رؤيتنا للأشياء ليس كونها ملونة أو أن لها وجوداً مستقلاً. الحقيقة هي أن كل الخصائص التي نعزوها للأشياء هي داخلنا وليست في العالم الخارجي.

إذا ماذا بقي من العالم الخارجي؟

هل وجود العالم الخارجي أمر لازم؟

تكلمنا حتى الآن عن " العالم الخارجي" وعالم المدارك التي تتشكل داخل أدمغتنا، وهذه الأخيرة هي التي نراها. وإذا كنا لا نستطيع أن نصل إلى العالم الخارجي، فكيف يمكننا أن نتأكد من أنه موجود فعلا؟

في الحقيقة لا نستطيع، حيث أن كل شيء عبارة عن مجموعة من المدارك فقط، وهذه المدارك فقط موجودة في الدماغ، ونكون أكثر دقة لو قلنا العالم الوحيد الموجود هو عالم المدارك الحسية. العالم الوحيد الذي نعرفه هو الموجود في عقولنا: العالم المنظم والمسجل والواضح هناك هو العالم، باختصار، المخلوق في داخل عقولنا. وهذا هو العالم الوحيد الذي يمكن أن نكون متأكدين من وجوده.

لا يمكننا أن نبرهن على أن المدارك التي نراها في أدمغتنا لها تلازمات مادية .هذه المدارك آتية من مصادر "زائفة".

من الممكن مشاهدة ذلك. استثارة كاذبة يمكن أن ينتج عنها في الدماغ "عالم مادي" خيالي. لنتخيل، على سبيل المثال، آلة تسجيل متطورة جدا يمكن تسجيل كل أنواع الإشارات كهربائية فيها. في البداية سننقل كل المعلومات المتعلقة بالمحيط (بما فيها صورة الجسم) إلى هذه الآلة عن طريق تحويلها إلى إشارات كهربائية. ثانيا، لنتخيل أن الدماغ يمكن أن يبقى حيا بعيدا عن الجسم. وأخيرا، نصل الآلة بالدماغ عن طريق إلكترودات تعمل عمل الأعصاب، وترسل المعلومات المسجلة مسبقا إلى الدماغ . في هذه الحالة ستفترض أنك تعيش ضمن هذا الوضع المصطنع. على سبيل المثال يمكنك أن تتخيل بسهولة أنك تقود سيارة بسرعة على الخط السريع. لا يمكنك أن تعي أنك مركب من دماغ فقط. ذلك لأن المطلوب من أجل إنشاء عالم داخل دماغك ليس وجود عالم حقيقي بل وجود مثير. من الممكن تماما أن تكون هذه الاستثارة آتية من مصدر اصطناعي ،كآلة التسجيل مثلا.

يكتب برتنارد راسل Bertrand Russell في هذا:

يكون الشعور باللمس عند الضغط على الطاولة بأصابعنا بسبب حدوث اضطراب كهربائي في البروتونات والإلكترونات عند أطراف أصابعنا، حسب الفيزياء الحديثة، عند التقارب مع إلكترونات وبروتونات الطاولة. ولو حصل نفس الاضطراب عند رؤوس أصابعنا بسبب أي منشأ آخر، فسيحصل لدينا الشعور نفسه ، بالرغم من عدم وجود طاولة.31

من السهل جدا أن نُخدع بتصديق المدارك، دون أي تلازمات مادية، على أنه حقيقة. نحن دائما نمارس هذا الشعور في أحلامنا، حيث تجري فيها أحداث ونرى أشخاصاً وأشياء وأوضاعاً تبدو حقيقية. إلا أنها كلها مدارك. ليس هناك فرق أساسي بين الحلم و "العالم الحقيقي"؛ كلاهما يمارس في الدماغ.

من هو المُدرِك

كما قلنا فإن العالم الذي نظن أننا نعيش فيه ونقول عنه "العالم الخارجي" يتم إدراكه داخل الدماغ. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، وهو على جانب من الأهمية، ماذا عن أدمغتنا؟ بما أن دماغنا جزء من عالمنا الفيزيائي تماما مثل اليد والساق والأمور الأخرى، فيجب أن يكون هو أيضا مدرك حسي تماما ككل الأشياء الأخرى.

قد يثير مثال عن الأحلام الفكرة لدينا. لنفترض أننا نرى حلما في دماغنا بالتوافق مع ما تكلمنا عنه حتى الآن. في الحلم سنرى جسما خياليا وعينا خيالية وذراعا خيالية ودماغا خياليا. وإذا سُئلنا في الحلم "أين ترى؟" لأجبنا "أرى في دماغي". في الحقيقة لا يوجد أي دماغ نتحدث عنه، ولكن دماغ خيالي ورأس خيالي أيضا. من يرى الصور في الحلم ليس الدماغ الخيالي، ولكن "وجود" أسمى منه بكثير.

نعرف أنه ليس هناك فرق ظاهري بين أرضية الحلم وأرضية الحقيقة. فإذا سُئلنا على أرضية ما نسميه "بالواقع" السؤال السابق نفسه "أين ترى؟" فسيكون جوابا لا معنى له أن نقول "في دماغي" كما في المثال السابق. في كلا الحالتين "الوجود" الذي يرى ويدرك ليس الدماغ الذي لا يتعدى أن يكون قطعة لحم.

إذا حللنا الدماغ فلن نجد فيه أكثر من جزيئات بروتين ودهون كما هو حال أي عضو من الأعضاء. وهكذا لا يوجد داخل قطعة اللحم هذه التي ندعوها دماغا ما يمكن أن يرى الصور وأن يركب الشعور أو أن يخلق كائنا اسمه "نفسي".

يشير غريغوري إلى الخطأ الذي يرتكبه الناس حول إدراك الصور في الدماغ:

هناك خداع تجب إزالته وهو أن نقول إن العيون تُنتج الصور في الدماغ. تحتاج الصورة في الدماغ إلى نوع من العين الداخلية لتراها- ولكن هذه ستحتاج إلى عين أخرى لترى صورتها...وهكذا في تسلسل لا ينتهي من العيون والصور.هذا شيء مناف للعقل.32

وهنا وجد التطوريون ( الذين يقولون بالمادة فقط كحقيقة ) أنفسهم في موقع حرج: إلى من تعود "العين الداخلية" التي ترى وتدرك ما تراه وتتفاعل معه؟

ركز كارل بريبرام Karl Pribram على هذا السؤال الهام، من هو المدرك، في عالم الفلسفة والعلم ؟ :

منذ زمن الإغريق، والفلاسفة يفكرون "بالشبح في الآلة"، "الرجل الصغير داخل الرجل الصغير وهكذا. أين "الأنا" الشخص الذي يستخدم دماغه؟ من الذي يدرك عملية العلم؟ يقول القديس فرانسيس : مانبحث عنه هو الذي يرى."33

ولنفكر الآن: هل الذرات هي التي ترى الكتاب الذي بين يديك أو الغرفة التي أنت فيها أو أي صورة تتشكل داخل دماغك؟ ذرات عمياء صماء مجردة من الشعور؟ ولماذا يكون هناك ذرات لها هذه الخصائص وذرات مجردة منها؟ وهل أفعالنا من تفكير وفهم وضحك وسرور تحصل بسبب التفاعلات الكيميائية بين هذه الذرات؟

عندما نطرح هذه الأسئلة نجد من غير المجدي أن ننسب المشيئة للذرات. إن الكينونة التي ترى وتسمع وتشعر هي كائن أسمى . هذا "الكائن" حي وهو ليس بالمادة ولا صورة عن المادة هذه الكينونة تتصل بالمدركات التي حولها عن طريق صورة أجسادنا.

هذا الكائن هو الروح

إن مجموعة المدركات التي نقول عنها "العالم المادي" هي حلم تشاهده هذه الروح. وكما أن الأشياء التي نراها والأجساد التي نشغلها في الحلم لا حقيقة لها ، كذلك الكون الذي نشغله والأجسام التي نملكها ليس لها حقيقة مادية.

الكائن الحقيقي هو الروح والمادة تتألف من مدارك تراها الروح. المفكرون الذين يكتبون ويقرؤون ليسوا مجموعة من الذرات والجزيئات والتفاعلات الكيميائية، وإنما هم "الروح".

الكائن الحقيقي المطلق

تضعنا كل هذه الحقائق أمام سؤال هام وهو إذا كان الشيء الذي يقال عنه العالم المادي يتكون من مدارك تراها روحنا، فما هو مصدر هذه المدارك؟

للإجابة عن هذا السؤال علينا تأمل التالي: لا تملك المادة وجودا ذاتيا من تلقاء نفسها. وبما أن المادة مدرك من المدارك، فهي شيء "صنعي" أي أن هذا المدرك يجب أن يكون من صنع قوة أخرى، أي أنه مخلوق دون شك. علاوة على ذلك يجب أن يكون هذا الخلق مستمراً، ولو لم يكن مستمرا فستختفي ما نقول عنها مادة وتضيع. يمكن تشبيه ذلك بالتلفاز الذي تظهر عليه الصورة طالما استمر إرسال الإشارات. إذا من صنع روحنا التي ترى النجوم والأرض والكواكب والأشخاص وأجسامنا وكل ما نراه؟

من الواضح أن هناك خالقا خلق كل مادة الكون أي مجموعة المدركات ويستمر في خلقه دون انقطاع . والخالق الذي يخلق هذا الخلق العظيم لا بد وأنه عظيم وذو قوة أبدية.

ويقدم الخالق لنا نفسه. لقد أوحى كتابا إلى كون من المدركات، هذا الكتاب فيه وصفه، وصف الكون وسبب وجودنا فيه.

الخالق هو الله والكتاب هو القرآن.

في آية كريمة نجد حقيقة السماوات والأرض، الكون وحركته، وأن وجوده ممكن فقط بخلق الله له وأن كل ذلك سيزول عند نهاية هذا الخلق:

{إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفوراً} [فاطر: 41].

كما أشرنا هناك أشخاص ليس لديهم فهم صحيح لله ولذلك يتخيلون أنه كينونة موجودة في مكان ما من السماء ولا يتدخل حقيقة في أمور الخلق. أصل هذا المنطق يكمن في التفكير بأن العالم عبارة عن نظام من المادة وأن الله خارج العالم المادي. في مكان بعيد.

في بعض الأديان المزيفة مفهوم الله محدود بهذا القول.

كما قلنا إن المادة مجموعة من المدارك، وإن الشيء الحقيقي المطلق هو الله. هذا يعني أن كل شيء ما عدا الله أشياء خيالية.نتيجة لذلك من غير الممكن التفكير بالله على أنه خارج هذه الكتلة من المادة. لا شك أن الله في كل مكان و يشمل كل شيء. هذه الحقيقة مشروحة في القرآن الكريم:

{الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم} [البقرة: 255].

وفي آية أخرى، الله ليس محدوداً بمكان ويشمل كل شيء :

} ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} البقرة :[115].

وبما أن الأشياء المادية كلها مدركات فلا يمكن أن ترى الله؛ ولكن الله يرى المادة التي خلقها في كل أشكالها {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام : [103.

لا يمكننا أن نرى الله بأعيننا ولكن الله يرانا ويرى كل شيء داخلنا وخارجنا وأفكارنا. ليس بمقدورنا أن نتكلم أو نتنفس إلا بأمره .

وبينما نراقب هذه المدارك الحسية في مسيرة حياتنا فإن أقرب شيء إلينا ليس أحد هذه المدارك، بل الله نفسه. السر في الآية التالية من القرآن : {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [سورة ق: 16]. عندما يفكر الإنسان أن جسمه مصنوع من المادة فقط، لا يمكنه أن يفهم حقيقته الهامة. فإذا أخذ دماغه على أنه "نفسه"، تكون المنطقة التي هي الخارج بالنسبة له لا تبعد أكثر من 20-30 سم عنه. ولكن عندما يفهم أنه لا توجد مادة، وأن كل شيء محض خيال، تفقد مفاهيم مثل القرب ، البعد، الخارج، الداخل معناها. الله محيط به قريب منه بشكل لا محدود . وقد أخبر الله الناس أنه قريب إليهم جدا بالآية الكريمة: {إني قريب} [ البقرة: 186]. وفي آية أخرى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس}. [الإسراء: 60 [ يخطئ الإنسان عندما يعتقد أن أقرب شيء إليه هي نفسه. فالله هو الأقرب، أقرب إلينا من أنفسنا. ويلفت نظرنا إلى هذه الحقيقة في الآية الكريمة: {فلولا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذ تنظرون. ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}[الواقعة: 83 ـ [ 85 وكما تقول لنا الآية إن الناس يعيشون جاهلين بهذه الحقيقة لأنهم لا يرونها بأم أعينهم .

من جهة أخرى يستحيل على الإنسان، وهو ليس إلا خيالا، أن يمتلك قوة وإرادة مستقلة عن الله*. وتشير الآية {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96]. إلى أن كل شيء نمارسه يكون بمراقبة من الله. هذه الحقيقة يقرها القرآن في الآية {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] حيث التأكيد على أنه لا يوجد عمل مستقل عن الله. وبما أن الإنسان نفسه ليس إلا ظلا فهو لا يستطيع أن ينفذ فعل الرمي (هذا الكلام مرفوض طبعا لأن الآية تتضمن معنى المشيئة الربانية في عملية الرمي وإصابة الهدف وأنه لو لم يشأ الله لما أصيب الهدف، وليست بمعنى أن الله بنفسه هو الذي رمى. والله أعلم . المترجمة). ولكن الله أعطى هذا الكائن الخيال الشعور بالذات. في الواقع الله ينجز كل الأعمال، وإذا ظن أحدنا أن العمل الذي يقوم به أنه عمله فمن المؤكد أنه يخدع نفسه. ربما لا يريد الإنسان أن يسلم بهذا وقد يفكر بنفسه على أنه مستقل عن الله؛ إلا أن هذا لا يغير من الأمر شيئاً. بالطبع فإن إنكاره هذا يكون بمشيئة الله ورغبته .

كل شيء تملكه هو خداع حقيقي

إن الحقيقة العلمية المنطقية هي أن "العالم الخارجي" لا وجود له وأنه مجموعة من الصور يقدمها الله بشكل دائم إلى روحنا. مع ذلك فالناس عادة لا يضعون كل شيء في مفهوم "العالم الخارجي".

تأمل في هذا الموضوع بإخلاص ووضوح. ستدرك أن منزلك وسيارتك وفرش منزلك - أشياء قد تكون اشتريتها حديثا، المكتب، المجوهرات، حسابك في المصرف، الملابس، الزوجة، الأطفال، الزملاء، وكل ما تملكه هو في الواقع يقع ضمن هذا "العالم الخيالي" الذي نُظم من أجلك. كل ما ترى أو تسمع أو تشم باختصار كل ما تدركه حواسك من حولك هو جزء من هذا العالم الخيالي: صوت المغني المفضل لديك، صلابة الكرسي الذي تجلس عليه، العطر الذي تحب رائحته، الشمس التي تعطيك الدفء، الوردة برائحتها الذكية، الطائر يطير خلف النافذة، الزورق ينطلق مسرعا في الماء، حديقتك الخصبة، الحاسوب الذي تراه في عملك...

هذه هي الحقيقة (حسب رأي الكاتب)، لأن العالم ما هو إلا مجموعة من الصور خلقت لامتحان الإنسان. وعرض هذه المدارك بطريقة مغرية وجذابة أمر مقصود، وهذا ما ورد في القرآن الكريم: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14].

معظم الناس يعرضون عن الدين أمام إغراء الممتلكات وقناطير الذهب والفضة والدولارات والمجوهرات والحسابات المصرفية والملابس والسيارات الحديثة وكل أنواع الترف سواء التي يملكونها أو التي يناضلون من أجل الحصول عليها. إنهم يركزون اهتمامهم فقط على هذا العالم وينسون الآخرة. إنهم مخدوعون بالوجه البراق للحياة ويفشلون في أداء الصلاة وإيتاء الزكاة للفقراء وأداء العبادات التي تضمن لهم السعادة في الدار الآخرة. عوضا عن ذلك يقولون: "لدي ما أفعله" "لدي مسؤوليات"، "ليس لدي مزيد من الوقت" "لدي ما يجب إتمامه" "سأفعل ذلك مستقبلا". يعتقدون أنهم يجب أن يحققوا النجاح فقط في هذه الحياة. تقول الآية الكريمة: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم: 7].

الحقيقة التي عرضناها في هذا الفصل، وهي أن كل شيء صورة، هامة جدا لما تتضمنه من أن كل الشهوات والحدود أشياء لا معنى لها. توضح هذه الحقيقة أن كل ما يملك الإنسان من ثروة جمعها بجشع، أو أولاد يتفاخر بهم، أو زوجة يعتبرها من أقرب الناس إليه، أو أصدقاء أو حتى جسمه العزيز عليه، المنزلة الاجتماعية التي يعتقد أنها رفيعة، المدارس والعطل، كل هذه الأشياء ليست إلا خداعاً. لذلك تكون الجهود والوقت الذي يستهلك والجشع، أمورا لا طائل من ورائها. ولهذا السبب يتصرف بعض الأشخاص بحمق عندما يتفاخرون بثروتهم وممتلكاتهم وسفنهم والطائرات المروحية والمصانع والأراضي "وكأنها أشياء موجودة". كيف سيكون موقف أولئك الناس الذين يتفاخرون بسفنهم الترفيهية الضخمة، وبسياراتهم ويقضون أوقاتهم بالحديث عن الثروة، ويعتقدون أن منزلتهم الاجتماعية تضعهم في مكانة أعلى من غيرهم وأنهم ناجحون بسبب اكتسابهم لكل هذا، إذا أدركوا أن كل هذا النجاح وهم وخداع.

هذه الأشياء تُرى في الحلم مرات ومرات . فهم يرون في أحلامهم أنهم يمتلكون بيوتا وسيارات سريعة، مجوهرات ثمينة ودولارات وقناطير من الذهب والفضة . وفي أحلامهم أيضا يجدون أنفسهم في منزلة رفيعة، يمتلكون القوة والمصانع وآلافا من العمال وملابس يُعجب بها الجميع. وكما أن من يتفاخر بما رآه في حلمه سيكون محط سخرية، كذلك الأمر بالنسبة لمن يتفاخر بالصور التي يراها أمامه. إن الأشياء التي يراها في حلمه والأشياء التي يراها أمامه كلها صور في عقله.

كذلك الأمر بالنسبة للطريقة التي يتفاعل بها الناس مع الأحداث, سيشعرون بالخجل عندما يعرفون الحقيقة. أولئك الذين يتقاتلون ويغزون ويسرقون ويخدعون ويكذبون ويسيئون للناس تملؤهم نشوة المكانة الاجتماعية والمتكبرون كل أولئك سيشعرون بالخزي عندما يعرفون أن كل هذا ما هو إلا حلم.

بما أن الله هو الذي خلق كل هذه الصور، فإن المالك المطلق لكل شيء هو الله وحده ورد في الآية الكريمة: {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا} [النساء: 126].

من الحمق الابتعاد عن الدين من أجل ممتلكات خيالية وخسران الحياة الخالدة في الآخرة.

هنا يجب توضيح نقطة هامة وهي أننا لا نقول إن كل الممتلكات والثروة والأولاد وكل شيء سيزول عاجلا أم آجلا، وإنما نقول إن كل هذه الأشياء هي حلم محض يتألف من صور يريها الله لنا ليمتحننا. وكما ترى هناك فرق كبير بين المفهومين.

وبالرغم من أن الإنسان لا يريد أن يعي هذه الحقيقة ويفضل أن يخدع نفسه بادعائه أن كل ما يراه أمامه موجود فعلا، فسيموت الإنسان في النهاية وتتضح له الأمور في الآخرة . ورد في الآية الكريمة: {فبصرك اليوم حديد} [سورة ق: 22]. ففي ذلك اليوم ستكون الأمور أكثر وضوحا. ولو أننا أمضينا حياتنا نسعى وراء هذه الأشياء الخيالية، فسنتمنى لو أننا لم نعش هذه الحياة ونقول: {يا ليتها كانت القاضية. ما أغنى عني ما ليه. هلك عني سلطانيه} [الحاقة: 27 ـ 29].

والإنسان العاقل هو الذي يحاول أن يفهم الكون والحياة التي يعيشها مادام أمامه متسع من الوقت، وإلا فسيمضي حياته وهو يجري وراء الأحلام ويلاقي جزاء عسيرا في نهاية المطاف. يقول الله تعالى واصفا الذين يمشون وراء الأحلام وينسون خالقهم:

{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39].

العيوب المنطقية للتطور

منذ بداية هذا الفصل تم إيضاح مسألة المادة وأنها ليست وجوداً مطلقاً، كما يدعي الماديون، بل هي مجموعة انطباعات خلقها الله. يعارض الماديون هذه الحقيقة الواضحة التي تدمر فلسفتهم، بطريقة مذهبية بحتة ويسعون لإيجاد أفكار معارضة جديدة.

على سبيل المثال، يعطي أحد مناصري المادية المتحمسين في القرن العشرين جورج بوليتزار "مثال الحافلة" كدليل قاطع" على وجود المادة. وحسب وجهة نظر بوليتزار فإن الفلاسفة الذين يعتقدون أن المادة ليست إلا مدرَكاً، يهربون من الحافلة عندما يشعرون أنها ستدوسهم وهذا دليل على الوجود الفيزيائي للمادة.34

وعندما قيل لمادي آخر ،جونسون، إن المادة مجموعة مدركات حاول البرهان على الوجود الفيزيائي للمادة بركله حجراً 35

مثالا مشابها يعطيه إنجلز، أستاذ بوليتزار والمؤسس المساعد لماركس عندما كتب: "إذا كانت الكعكة التي نأكلها مدركاً حسياً فحسب ، فيجب أن لا تُشعرنا بالشبع.36

وهناك أمثلة أخرى في الكتب التي ألفها الماديون مثل ماركس وإنجلز ولينين وآخرين مثل قولهم: "ستفهم وجود المادة عندما تُصفع على وجهك".

منشأ هذه الفوضى التي فسحت المجال أمام هذه الأمثلة هي تفسير الماديين لعبارة " المادة هي مدرك حسي" على أنها تعني "المادة هي خدعة الضوء". هم يظنون أن المدرك مقتصر على الرؤية وأن المهارات الأخرى مثل اللمس لها تلازمات فيزيائية مادية . يقولون إذا صدمت حافلة إنسانا: "انظروا لقد تحطم" ما يعني أنه ليس مدركا. إنهم لا يعرفون أن كل المدارك التي استخدمت خلال اصطدام الحافلة، مثل الصلابة، الاصطدام والألم هي كذلك متشكلة في الدماغ .

مثال الأحلام

أفضل مثال يمكن تقديمه هو الحلم. يمكن أن يمارس الإنسان أحداثا حقيقية تماما في حلمه. يمكنه أن يتدحرج من فوق الدرج ويعاني من كسر في ساقه. ممكن أن يتعرض لحادث سيارة، أو أن تصدمه حافلة أو أن يأكل قطعة من الكعك ويشبع بها. نفس الأحداث يمكن أن تمر عليه في حياته اليومية مع نفس المشاعر .

يمكن للإنسان الذي يحلم بأن حافلة صدمته أن يفتح عينيه أيضا في الحلم ليجد نفسه في المستشفى ويعرف أنه أصبح عاجزا. إلا أن هذا كله حلم. يمكنه أيضا أن يحلم بأنه مات وأن ملائكة الموت جاءت لتقبض روحه وأن حياته الآخرة قد بدأت. (هذه الحادثة الأخيرة تحدث بنفس الطريقة في الحياة التي هي مدرَك تماما كالحلم). هذا الإنسان يدرك تماما الصور، الأصوات، الأحاسيس، الصلابة، الضوء، الألوان وكل الأحداث التي يراها في حلمه. المدارك التي يدركها في حلمه هي طبيعية تماما كالتي يراها في "حياته الحقيقية". الكعكة التي يأكلها في حلمه يشبع بها بالرغم من أنه مجرد إدراك حسي في حلم، لأن الإحساس بالشبع هو أيضا إدراك حسي في حلم. في الواقع هذا الإنسان يتمدد على سريره في هذه اللحظة. ليس هناك درج ولا حافلة الحالم يرى ويمارس المدارك غير الموجودة في العالم الخارجي. في الحقيقة نحن نرى ونمارس في أحلامنا مدارك ليست لها تلازمات مادية في العالم الخارجي، وهذا يدل على أن "العالم الخارجي" أيضا، في حياة اليقظة، يتألف من مدارك وحسب .

لقد صُدم المصدقون بالفلسفة المادية عند هذه الحقيقة وخاصة الماركسيين منهم وبدأوا يخرجون بأمثلة من مقولات ماركس وإنجلز ولينين. على هؤلاء أن يعلموا أنه بإمكانهم أن يدلوا بتصريحاتهم ويقرأوا كتاب " رأس المال " ويشاركوا في الاجتماعات ، ويتشاجروا مع الشرطة، وأن يتم ضربهم ويعانوا من الجروح والألم في الحلم أيضا . وعندما يُسألون في أحلامهم، سيعتقدون أيضا أنهم يتعاملون في أحلامهم مع "مادة مطلقة" تماما كما يزعمون في اليقظة. إلا أن ما يتعاملون معه سواء في أحلامهم أو في يقظتهم ما هو إلا مجموعة مدارك .

مثال ارتباط الأعصاب المتوازي

لنأخذ مثال حادث السيارة الذي قال به بوليتزار، وتكلم فيه عن شخص صدمته سيارة. فإذا كانت أعصاب الشخص المصدوم التي تصل بين حواسه الخمس ودماغه موصولة إلى شخص آخر، وليكن بوليتزار نفسه، باتصال متوازٍ، فإن بوليتزار الذي يجلس في غرفته سيشعر في اللحظة التي تصدم فيها الحافلة، أو السيارة، ذلك الإنسان أنها صدمته هو أيضا. نفس المشاعر التي سيعانيها ذلك الشخص سيشعر فيها بوليتزار أيضا، تماما كما هو الحال بالنسبة إلى أغنية تتردد عبر مكبرات صوت متصلة إلى نفس المسجلة. سيسمع بوليتزار ويشعر ويرى ويتعامل مع الحافلة المحطمة، وتلامس الحافلة جسمه، ويرى صورة الساق المكسورة والدماء والكسور ودخول غرفة العمليات ووهن الذراع.

سيشعر كل إنسان متصل بهذا الشخص اتصالا متوازيا بهذا الحادث من بدايته وحتى نهايته. ولو غاب هذا الشخص عن الوعي في الحادث لغاب وعي المتصل به أيضا. علاوة على ذلك، لو تم تسجيل كل المدارك التي اشتركت بالحادث على آلة وتم إرسال هذه المدركات إلى شخص بشكل متكرر فسيعاني هذا الشخص من الحادث بنفس التكرار.

والآن أي حافلة من الحافلات التي تصدم هؤلاء الناس هي الحقيقية؟ لا يوجد عند الماديين جواب عن هذا. الجواب الصحيح هو أن كل من عانى الحادث بكل تفاصيله تعامل معه في دماغه.

نفس المبدأ يمكن تطبيقه على الكعكة والحجر. فلو أن أعصاب الأعضاء الحسية عند إنجلز الذي شعر بالامتلاء عندما تناول الكعكة كانت مرتبطة بإنسان أخر عبر اتصال متوازٍ، لشعر أيضا بالامتلاء بنفس الوقت الذي يشعر به إنجلز هذا الشعور. وإذا كانت أعصاب جونسون الذي شعر بالألم عندما ركل الحجر متصلة أيضا بشخص آخر اتصالا متوازيا لشعر هذا الآخر بنفس الألم.

أي الكعكات أو أي الأحجار إذا هي الحقيقية؟ مرة أخرى شعر الماديون بالعجز حيال هذا السؤال. والجواب الصحيح هو: إن كلاً من إنجلز والشخص الآخر قد أكلا الكعكة في دماغيهما وشبعا؛ وكذلك جونسون والشخص المرتبط به قاما بعملية الركل في دماغيهما.

لنجرِ بعض التعديل على مثال بوليتزار: نقوم بوصل أعصاب الإنسان الذي صدمته الحافلة بدماغ بوليتزار وأعصاب بوليتزار الجالس في المنزل بدماغ الشخص الذي صدمته الحافلة. في هذه الحالة سيظن بوليتزار أن الحافلة صدمته هو بينما هو جالس في منزله، بينما لا يشعر الشخص الذي تعرض فعلا للصدمة بأي أثر لها بل يشعر بأنه جالس في منزل بوليتزار. نفس المنطق يمكن تطبيقه على مثالي الكعكة والحجر.

وهكذا رأينا أنه ليس بإمكان الإنسان أن يعلو على أحاسيسه أو ينفصل عنها. وفي هذا الصدد يمكن لروح الإنسان أن تتعرض لكافة الصور والحوادث المادية بالرغم من أنها تفتقد المظهر المادي والوجود المادي والوزن المادي. يصعب على الإنسان أن يدرك هذا لأنه يعتقد أن هذه الأشياء الثلاثية الأبعاد حقيقية، وهو متأكد من وجودها لأنه كغيره يعتمد على أعضائه الحسية .

يقول الفيلسوف البريطاني المشهور دافيد هيوم شارحا وجهة نظره :

بصراحة عندما أضع نفسي داخل ما أسميه "نفسي" فإنني ألتقي دائما بمدرك حسي خاص يتعلق بالسخونة والبرودة والظل والضوء والحب والكراهية والحلو والحامض، ومفاهيم أخرى. دون وجود مُدرك حسي لا يمكنني أن أجد نفسي في وقت محدد ولا يمكنني أن أرى شيئا سوى المدرك الحسي.37

تشكل المدركات الحسية في الدماغ

ليست فلسفة ولكن حقيقة علمية

يدعي الماديون أن ما نقوله هنا هو نظرة فلسفية. إلا أن اعتبار ما نسميه "العالم الخارجي" مكانا للمدركات ليس مسألة فلسفية، بل هو حقيقة علمية بسيطة، ويتم تدريس الكيفية التي تتشكل فيها الصورة والإحساس في الدماغ في المدراس العلمية بالتفصيل . هذه الحقائق التي أثبتها العلم في القرن العشرين، وخاصة علم الفيزياء، تبرهن أن المادة ليست لها حقيقة مطلقة، وأن كل إنسان إنما يشاهد "مرقابا في دماغه ".

على كل إنسان يؤمن بالعلم، سواء كان ماديا أو بوذيا أو مهما يكن، أن يؤمن بهذه الحقيقة. يمكن للمادي أن ينكر وجود خالق، ولكن لا يمكنه أن ينكر حقيقة علمية. يبدو محيرا عجز ماركس وانجلز وبوليتزار عن فهم هذه الحقيقة الواضحة. ربما يكون مستوى الفهم في تلك الأيام لم يكن كافيا. في يومنا هذا أصبحت العلوم والتقنيات متطورة جدا ومن السهل فهم هذه الحقيقة. من جهة أخرى يمتلئ الماديون بالخوف من فهم هذه الحقيقة حتى جزئيا ويدركون ما مدى تأثيرها في دحض نظريتهم.

خوف الماديين الكبير

لم يصدر عن الدوائر المادية التركية أي جواب على المادة التي أوردها هذا الكتاب: حقيقة المادة على أنها مدرك حسي. شعرنا من خلال هذا أن مادتنا لم تكن واضحة بما يكفي وأنها بحاجة إلى المزيد من الإيضاح. ثم تبين بعد ذلك أن الماديين يعانون من قلق بشأن انتشار هذا الموضوع وأنهم خائفون منه.

ظل الماديون لبعض الوقت يتذمرون ويعبرون عن خوفهم في مؤتمراتهم واجتماعاتهم العامة بصوت مرتفع، ودل هذا على أنهم يعانون من أزمة فكرية. لقد سبب لهم الانهيار العلمي لنظرية التطور التي يعتبرونها أساس المادية صدمة كبيرة وبدأوا يفكرون بأنهم قد يفقدون المادة التي يعتبرونها دعامتهم الأساسية حتى أكثر من الداروينية نفسها. قالوا بأن هذا الموضوع "أكبر خطر" بالنسبة لهم وأنه "يدحض نسيجهم الفكري من أساسه ".

أحد هؤلاء الذين عبروا عن قلقهم ضمن الدوائر المادية الأكاديمي وكاتب الدورية ) العلم واليوتوبيا) التي تدعي مهمة الدفاع عن المادية، رينان بيكانلو.عرض رينان كتاب خدعة التطور لهارون يحيى من خلال كتاباته في العلم واليوتوبيا وفي خطاباته على أنه الخطر رقم واحد في وجه المادية. والذي أقلق رينان في هذا الكتاب، أكثر مما ذكر فيه عن بطلان الداروينية، جزء مما تقرأه الآن. قدم لقرائه والمستمعين له، وهؤلاء الأخيرين كانوا قلة، رسالة: "لا تدعوا لأنفسكم فرصة الانجراف في تيار المثالية، وليبق إيمانكم بالمادية". كان يأخذ مقتطفات من لينين قائد الثورة الدموية الشيوعية في روسيا، كمرجع. نصح كل إنسان أن يقرأ كتاب لينين، كتاب القرن. ويردد رينان نصائح لينين: "لا تفكروا في هذه المسألة وإلا ستفقدون أثر المادية وتأخذون بتيار الدين " . كتب في إحدى مقالات الدورية التي أتينا على ذكرها بضعة أسطر من لينين :

عندما تنكرون الحقيقة الموضوعية التي تعطينا إياها حواسنا فأنتم قد فقدتم كل سلاح في وجه الدين ، لأنكم تكونون قد انزلقتم إلى اللاإرادية والذاتانية وهذا كل ما تحتاجه الدين . دليل واحد يوقِع في الشرك ويضيع العصفور. والذين وقعوا في شرك المثالية وبالتالي في الدين وقعوا فيها من اللحظة التي اعتبروا فيها "الإحساس " كعنصر خاص وليس كصورة في العالم الخارجي. إنها ليست إحساس أحد ولا إرادة أحد ولا عقل أحد ولا روح أحد."38

توضح لنا هذه الكلمات أن الحقيقة التي أقلقت لينين والتي أدركها وأراد أن يبعدها عن ذهنه وأذهان "الرفاق" هي نفسها التي تقلق الماديين المعاصرين بنفس الطريقة. مع ذلك يبقى رينان وأمثاله أكثر قلقا لأنهم عرفوا أن هذه الحقيقة أصبحت الآن أكثر وضوحاً وانتشاراً مما كانت عليه قبل 100 عام. هذه هي المرة الوحيدة التي تُعرض فيها هذه الحقيقة دون مقاومة.

إلا أن الصورة العامة هي أن علماء ماديين كباراً لا يزالون يقفون ضد هذه الحقيقة "المادة مجرد خيال". الموضوع الذي تم شرحه في هذا الفصل هو واحد من أهم وأمتع المواضيع لم يأت أحد عليه في حياته من قبل. لم تتسن لهم فرصة ليقابلوا موضوعا هاما كهذا قبل الآن. ومع ذلك تبين ردود أفعال ومقولات هؤلاء العلماء ومقالاتهم مدى ضحالة تفكيرهم وسطحية إدراكهم.

ومن خلال ردود أفعال بعض الماديين على هذا الموضوع المطروح هنا يتبين كيف تسبب اتباعهم الأعمى للمادية بتعطيل المنطق لديهم. من أجل هذا ابتعدوا عن فهم هذا الموضوع. مثال على ذلك آلاتين سينيل وهو كاتب في دورية العلم واليوتوبيا أيضا وأكاديمي، يقول ما يشبه ما جاء به رينان "انسوا انهيار الداروينية، الموضوع الذي يشكل خطرا حقيقيا الآن هو هذا الموضوع." عندما رأى هذا الأكاديمي أن فلسفته لا تقوم على أساس تقدم بطلب "أثبت ما تقول". والممتع في الموضوع هو أنه نفسه كتب سطورا تكشف عن عدم إدراكه لهذه الحقيقة التي يعتبرها تهديداً خطيراً.

مثلا، يقبل سينيل في إحدى كتاباته التي يناقش فيها هذا الموضوع حصرا أن إدراك العالم الخارجي يتم في الدماغ كصورة، ثم يعود للادعاء بأن الصور تنقسم إلى قسمين: قسم له تلازمات مادية وقسم ليس له هذه التلازمات، وأن الصور التي تتعلق بالعالم الخارجي لها تلازمات مادية. ومن أجل دعم مقولته جاء بالهاتف كمثال. باختصار كتب: "لا أعرف ما إذا كانت للصور التي في دماغي تلازمات في العالم الخارجي أم لا إلا أن نفس الشيء يُطبق عندما أتحدث على الهاتف. عندما أتكلم بالهاتف لا يمكنني رؤية الشخص الذي أتكلم معه، ولكنني أستطيع التثبت من هذه المكالمة عندما ألتقي معه وجها لوجه."39

بقوله هذا هو يعني التالي: "إذا كنا نشك في مداركنا فعلينا الرجوع إلى المادة نفسها لنتحقق من وجودها". إلا أن هذا اعتقاد خاطئ، لأنه من المستحيل بالنسبة لنا أن نصل إلى المادة نفسها. لا يمكننا الخروج من عقلنا ومعرفة ماذا يوجد في الخارج . وسواء أكانت هناك تلازمات للصوت خارجا أم لا فلا يمكن ثبوتها من خلال الشخص الموجود على الطرف الآخر. على كل حال هذا التثبت خيالي أيضا، يتم التعامل معه في العقل .

يمارس الناس نفس الأحداث في أحلامهم. سينيل على سبيل المثال يرى في حلمه أيضا أنه يتكلم في الهاتف ثم يتثبت من هذه المكالمة من الشخص الذي تكلم معه . ويمكن أن يرى رينان في حلمه "خطراً حقيقياً" وينصح الناس بقراءة كتاب العصر كتاب لينين. إلا أنه مهما فعل هؤلاء الماديون لا يمكنهم أن ينكروا أن كل الأحداث التي يمارسونها والأشخاص الذين يتعاملون معهم في أحلامهم ما هم إلا مدارك.

من الذي سيُثبت إذا ما إذا كانت للصور الموجودة في الدماغ تلازمات أم لا؟ هل هو الخيال الموجود في الدماغ؟ لا شك أنه من المستحيل على المادي أن يجد مصدر معلومات يمكن أن يقدم البيانات التي تخص الأشياء خارج الدماغ ويثبتها.

إن التسليم بأن كل المدارك يتم تشكلها داخل الدماغ ، ثم الادعاء بأنه يمكن لأحدنا أن يخطو خارجه ويتثبت من المدارك في العالم الخارجي يظهر أن القدرة العقلية لهذا الإنسان محدودة ومشوشة.

إلا أنه بإمكان كل إنسان يمتلك مستوى تفكير عادي أن يدرك هذه الحقيقة بسهولة. يعرف كل إنسان سوي، فيما يخص كل ما قلناه، أنه من غير الممكن أن يتذوق طعم العالم الخارجي بأحاسيسه. كما يظهر أن الاتباع الأعمى للمادية يشوش القدرة العقلية للناس.لهذا السبب تظهر عند الماديين المعاصرين عيوب منطقية خطيرة أثناء محاكماتهم تماما كمعلمهم الذي أراد أن يثبت وجود المادة بركله حجرا أو تناوله كعكة.

يمكن القول أيضا إن هذا ليس بالأمر الغريب لأن تدني قدرة الفهم صفة شائعة في الكافرين. قال عنهم الله في القرآن أنهم {قوم لا يعقلون} [المائدة: 58].

وقع الماديون في أكبر فخ في التاريخ

يتبين من جو الرعب الذي أخذ يزحف عبر دوائر المادية التركية، التي ذكرنا منها هنا بضعة أمثلة أن الماديين يواجهون هزيمة نكراء، لم يواجهوا مثلها في التاريخ. هذه القضية هي ببساطة الإدراك الذي أثبته العلم الحديث وتكلم عنه بطريقة واضحة ومباشرة . لم يبق للماديين إلا أن يروا ويعرفوا إنهيار العالم المادي برمته الذي يتبعون خطاه على عمى منهم ويعتمدون عليه .

الفكر المادي موجود دائما عبر تاريخ البشرية وهم واثقون دائما من أنفسهم ومن الفلسفة التي يؤمنون بها، لقد ثار الماديون على الله الذي خلقهم. المخططات التي قاموا عليها أن المادة لا بداية لها ولا نهاية وأن كل هذا لا يمكن أن يكون له خالق . وبسبب عنجهيتهم، أنكروا الله ووجدوا ملاذهم في المادة التي قالوا بأن لها وجوداً حقيقياً. كانت ثقتهم كبيرة في هذه الحقيقة حتى أنهم لم يتخيلوا أنه من الممكن أن يثبت عكسها .

لذلك جاءت الحقائق في هذا الكتاب فيما يخص الطبيعة الحقيقية للمادة صدمة لهم . وما قيل هنا أتى على فلسفتهم من القواعد فلم تعد هناك أرضية لنقاش أكثر. لقد تلاشت المادة التي قامت عليها كل أفكارهم وحياتهم وكبريائهم وإنكارهم. كيف يمكن أن توجد المادية إذا انعدمت المادة؟

من صفات الله مكره ضد الكفار. جاء في الآية الكريمة: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30]. لقد أوقع الله الماديين في الفخ عندما جعلهم يعتقدون أن المادة موجودة، لقد أذلهم بطريقة خفية. يعتقد الماديون أن متاعهم ومنزلتهم الاجتماعية والمجتمع الذي ينتمون إليه وكل العالم الذي حولهم موجود في الحقيقة وتكبروا على الله اعتمادا على هذا. ثاروا على الله بتفاخرهم وأضافوا إلى ذلك كفرهم. وهم بهذا اعتمدوا على المادة. مع ذلك فهم يفتقرون إلى الفهم وإلى القدرة على التفكير بأن الله محيط بهم. يقول الله عن الحالة التي وصل إليها الكفار بسبب ظلمة عقولهم:

{أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون} [الطور: 42].

هذه أكبر هزيمة لهم في التاريخ ، فبينما هم متمادون في تكبرهم، كانوا يخدعون ويعانون من هزيمة نكراء في حربهم التي أعلنوها على الله بوضعهم أتفه الأشياء ندا له.. وتبين الآية مدى غفلة أولئك الذين يثورون على خالقهم وكيف سينتهون:

{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} [الأنعام 123].

وفي آية أخرى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9].

فبينما يحاول الكافرون المكر، يغيب عن إدراكهم شيءٌ هامٌ وهو أنهم {إنما يمكرون بأنفسهم}. هذه الحقيقة في أن كل ما يفعلونه هو تنظيم خيالي يدركونه، وأن كل خطط المكر التي يحيكونها إنما هي صور تشكلت في أدمغتهم تماما كأي عمل ينجزونه. لقد جعلهم حمقهم ينسون أنهم وحدهم مع الله وبذلك وقعوا في الشرك الذي نصبوه بأنفسهم.

وليس كفار اليوم بأقل من كفار الماضي في خططهم الماكرة. في الآية يقول تعالى أن مصير هذه المخططات في النهاية الفشل يوم تنكشف.

وفي سورة آل عمران:

} لا يضركم كيدهم شيئا} [120]. وفي آية أخرى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39]. وتصبح المادية سرابا أمام السائرين كما ورد في الآية؛ عندما جاءوا لينهلوا منها وجدوها سرابا. لقد خدعهم الله بهذا السراب، وخدعهم بإدراكهم أن كل هذه المجموعة من الصور حقيقية. إن كل هؤلاء الأشخاص البارزين والأساتذة والفلكيين وعلماء الأحياء والفيزيائيين والآخرين، بغض النظر عن مكانتهم ووظيفتهم مخدوعون كالأطفال. وأذلاء لأنهم اتخذوا من المادة ربا لهم. لقد اعتمدوا في فلسفتهم ومذهبهم على أساس أن مجموعة الصور هي حقيقة واستغرقوا في مناقشات ومحاضرات حول ذلك . لقد ظنوا أنفسهم من الحكمة بمكان يسمح لهم بالكلام حول حقيقة الخلق والمناقشة حول الذات الإلهية بذكائهم المحدود. وتشرح الآية التالية هذا الوضع: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين { .

قد يكون ممكنا الهروب من الحيل والخداع، أما الهروب من خطة الله التي أحكمها في وجه الكافرين فلا مناص منها، ولن يجدوا ناصرا لهم من دون الله. {ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} [النساء: 173].

لم يتوقع الماديون في حياتهم أن يقعوا في فخ كهذا. فقد تمكنوا من كل إمكانيات القرن العشرين واعتقدوا انهم سيمضون في عنادهم وإنكارهم ويسحبون الناس معهم إلى الإلحاد. وصف الله عقلية الكافرين الأبدية هذه ونهايتهم في الآية التالية: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين} [النمل: 50 ـ 51].

وعلى صعيد آخر يكون معنى الآيات:

سيعرف الماديون أن كل ما يملكونه مجرد خيال وسيُدّمر كل ما امتلكوا . وعندما يرون كل ما يملكون، سياراتهم وممتلكاتهم ومصانعهم وذهبهم ودولارا تهم وأزواجهم وأولادهم وأصدقاءهم وحتى أجسامهم التي يعتقدون أنها موجودة، يتسرب من بين أيديهم يكونون قد واجهوا هلاكهم. وهم هنا لا يعود لوجودهم المادي أي معنى هم فقط أرواح.

لا شك أن إدراك هذه الحقيقة هي أسوأ ما يمكن أن يواجهه الماديون . إن حقيقة كون كل ما يملكونه مجرد خيال يساوي بالنسبة لهم "الموت قبل الموت" حسب تعبيرهم .

تتركهم هذه الحقيقة وحيدين مع الله تقول الآية: {ذرني ومن خلقت وحيدا}، يلفت الله انتباهنا إلى الحقيقة بأن كل إنسان إنما هو في الحقيقة موجود وحده. (المدثر: 11). هذه الحقيقة تتكرر في العديد من الآيات:

{ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم..} [الأنعام: 94].

{وكل آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: 95].

وعلى صعيد آخر تحمل الآية هذا المعنى: إن الذين يتخذون من المادة إلها إنما هم جاءوا من عند الله وإليه يعودون. إنهم تحت مشيئة الله شاءوا أم أبوا. والآن هم ينتظرون يوم البعث يوم يلقى كل إنسان حسابه، سواء أحب أن يفهم ذلك أم لم يحب .

النتيجة

االحقيقة التي عرضناها هي إحدى اعظم الحقائق التي عرفتها في حياتك. إن إثبات أن العالم الخارجي برمته ليس في الحقيقة إلا "وجود خيال" ما هو إلا مفتاح لإدراك الوجود الإلهي وخلقه وفهم أنه الوجود المطلق الوحيد. الإنسان الذي يدرك هذه الحقيقة يعرف أن هذا العالم ليس المكان الذي يعتقد الناس بوجوده. العالم ليس مكانا مطلقا بوجود حقيقي كما يظنه أولئك الذين يطوفون في الشوارع دون هدف ويتشاجرون في الحانات ويظهرون في المقاهي الفاخرة أو الذين يبنون حياتهم على آمال فارغة. العالم مجموعة من المدارك، كما أن الأشخاص الذين أتينا على ذكرهم ليسوا إلا صورا زائفة ترى هذه المدارك في عقولها ، ومع ذلك هم يجهلون هذا .

هذا المفهوم ضروري لتقويض دعائم الفلسفة المادية التي تنكر وجود الله وتؤدي إلى انهيارها. هذا السبب الذي دفع الماديين مثل ماركس وإنجلز ولينين، الذين شعروا بالرعب، إلى تحذير أتباعهم "لا تفكروا بهذا" المفهوم عندما أُخبروا به. هؤلاء الأشخاص يعانون من ضعف في عقولهم لا يمكنهم فهم أن المدارك تتشكل داخل الدماغ. هم يعتقدون أن العالم الذي يشاهدونه في عقلهم هو "العالم الخارجي" ولا يمكنهم فهم البرهان الواضح الذي يقول عكس ذلك.

هذا الجهل ناتج عن الحكمة المحدودة التي أعطاها الله للكافرين. وكما يقول الله لنا في القرآن أن الكفار {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف : [179. يمكنك أن تصل إلى أبعد من هذه النقطة باستخدامك قوة الانعكاس الشخصية وتكرس انتباهك وتتأمل الطريقة التي ترى فيها الأشياء أمامك وتستشعرها. وإذا فكرت بعمق ستجد أن الوجود الذي يرى ويسمع ويتكلم ويقرأ هذا الكتاب في هذه اللحظة هو روح فقط تشاهد المدركات التي نسميها المادة على المعروضة على مرقاب. الإنسان الذي يفهم هذا يعتبر منعتقا من هيمنة العالم المادي الذي خدع جزء كبير من البشرية، ويكون قد دخل مجال الوجود الحقيقي .

هذه الحقيقة فهمها عدد من المفكرين والفلاسفة الذين عرفهم التاريخ. وقد أدركت العقول الإسلامية مثل الإمام رباني ومحي الدين بن عربي هذه الحقيقة من الإشارات القرآنية وباستخدام عقولهم. بعض الفلاسفة الغربيين وصل أيضا إلى هذه الحقيقة عن طريق العقل مثل جورج بيركلي. كتب الإمام رباني في مكتوباته (رسائله) أن كل مادة الكون خيال وتخمين (إدراك) وأن الوجود الحقيقي المطلق هو الله:

"الله...مادة الموجودات التي خلقها هي العدم...خلق كل شيء في جو من الأحاسيس والخيالات...وجود الكون في جو من الأحاسيس والخيالات وهو ليس مادة...في الحقيقة لا يوجد في الخارج سوى الوجود العظيم, (وهو الله)".40

يقول الإمام رباني إن الصور الموجودة في الخارج والتي تظهر للإنسان هي فقط خيالات وليس لها أصل في "الخارج".

"يتم رسم الدورة التخيلية في الخيال. تستمر رؤيتها إلى أن يتم رسمها في عين العقل. وتبدو في الخارج وكأنها تُرى في العين الموجودة في الرأس. إلا أن الوضع ليس كذلك فهي ليس لها دلالة في الخارج ولا أثر. ليس هناك واقعة حتى تُرى. حتى وجه الإنسان الذي ينعكس على المرآة ينطبق هذا عليه. ليس لها استمرارية في الخارج. لاشك أن استمراريتها وصورها موجودة في الخيال. والله أعلم."41

يضع مولانا " جامي " نفس الحقيقة، التي اكتشفها باتباعه الإشارات القرآنية باستخدام عقله: "كل ما في هذا الكون هو أحاسيس وخيالات. وهي تشبه إما انعكاسات المرآة أو الظلال ".

إلا أن عدد الذين عرفوا هذه الحقيقة عبر التاريخ محدود. يكتب المفكر الكبير الإمام رباني أنه من الحكمة عدم إخبار العامة بهذه الحقيقة لأنهم قد لا يدركونها .

وفي العصر الذي نعيش فيه وضعت هذه الحقيقة كحقيقة تجريبية قدمها العلم بالبرهان . ولأول مرة في التاريخ تم وصف حقيقة الكون على أنه خيال بطريقة جلية وواضحة .

لذلك سيكون القرن الواحد والعشرون نقطة تحول تاريخية عندما يفهم الجميع الحقائق السماوية ويتوجهون جماعات إلى الله الوجود المطلق الوحيد. ستطرح المعتقدات المادية التي سادت القرن التاسع عشر مع نفايات التاريخ، وستدرك البشرية الخلق وتفهم الوجود الإلهي غير المحدد بزمان أو مكان، وتتحرر البشرية من الخداع والشك والاضطراب الذي عاشته في التاريخ .

لا يمكن أن يعترض على هذا المنهج المُلزِم أي وجود خيالي.

نسـبيـة الوقـت وحقيقـة القـدر

كل ما تكلمنا عنه حتى الآن يبين لنا عدم وجود الفضاء الثلاثي الأبعاد في الواقع. ولإثبات العكس يجب القول باعتقاد وهمي بعيد عن العقل والحقيقة العلمية ، لأنه لا يوجد دليل صالح على وجود عالم مادي ثلاثي الأبعاد.

دحض الموضوع الذي تناولناه الادعاء الأولي للفلسفة المادية التي تختفي تحت نظرية التطور، وهو الزعم بأن المادة مطلقة وأبدية. الادعاء الثاني الذي تقوم عليه المادية هو الاعتقاد بأن الزمن مطلق وأبدي. وهذا أيضا خرافة كالمفهوم الأول.

الإدراك الحسي للوقت

ما ندركه على أنه الزمن هو في الحقيقة طريقة نقارن فيها دقيقة مع أخرى. يمكننا أن نشرح هذا بمثال. عندما يقوم إنسان ما بتسجيل شيء، يسمع صوتا معينا، وعندما يسجل نفس هذا الشيء بعد خمسة دقائق، فإنه يسمع صوتا آخر. يدرك الإنسان أن هناك فاصلا بين الصوت الأول والصوت الثاني ويسمي هذه الفواصل "الزمن". عندما يسمع الصوت الثاني لا يبقى الصوت الأول في مخيلته. إنه جزء من معلومة في مخيلته. يقوم الإنسان بتشكيل مفهوم الزمن عن طريق مقارنة الدقيقة التي يعيش فيها بتلك التي يملكها في ذاكرته . وإذا لم تحدث هذه المقارنة، فلا يمكن أن يتشكل مفهوم الزمن .

وبشكل مشابه، يقوم الإنسان بمقارنة عندما يرى أحدهم يدخل غرفة عبر الباب ويجلس على كرسي في منتصف الغرفة. في الوقت الذي يجلس فيه هذا الشخص على الكرسي ، تتراكم الصور الخاصة بفتحه الباب ودخوله إلى الغرفة وتوجهه نحو الكرسي كأجزاء من المعلومات في دماغه. ويحدث إدراك الزمن عندما يقوم أحدنا بمقارنة الرجل الجالس على الكرسي بأجزاء المعلومات تلك.

باختصار يوجد الزمان كنتيجة عن مقارنة تتم بين بعض الخيالات المختزنة في الدماغ. فإذا كان الإنسان دون ذاكرة فإن دماغه يعجز عن إيجاد هذه التفسيرات وبالتالي لا يمكنه الوصول إلى مفهوم الزمن. السبب الوحيد الذي يجعل الإنسان يقرر أنه في الثلاثين هو أنه قام بمراكمة معلومات تعود إلى هذه السنين الثلاثين في دماغه فإذا كانت ذاكرته غائبة، لم يتمكن من التفكير بفترة سابقة كهذه وسوف يتعامل فقط مع اللحظة التي يعيشها.

التفسير العلمي للسرمدية

لنشرح هذا الموضوع بالرجوع إلى تفسيرات بعض المفكرين والعلماء حول الموضوع. يقول المفكر المشهور والحائز على جائزة نوبل فرانسوا جاكوب Francois Jacob فيما يتعلق بالرجوع بالزمن إلى الوراء:

" تسمح لنا الأفلام التي يتم إرجاعها إلى الخلف بأن نتخيل عالما يسير فيه الزمن إلى الوراء. عالما ينفصل فيه الحليب من تلقاء نفسه عن القهوة ويقفز من الوعاء ليعود إلى آنية الحليب؛ زمن تصدر فيه الأشعة من الجدران لتجتمع في مركز ضوئي عوضا عن تدفقها من منبع ضوئي؛ عالم يقفز فيه الحجر إلى راحة اليد بفعل اتحاد قطرات من الماء لا حصر لها تدفع بالحجر خارج الماء. في عالم كهذا يكون للزمن خصائص معاكسة، تجري العمليات في دماغنا وطريقة جمع المعلومات في ذاكرتنا بنفس الطريقة المعكوسة. الشيء نفسه ينطبق على الماضي والمستقبل وسيبدو لنا العالم تماما كما هو الآن42

دماغنا معتاد على سلسلة معينة من الأحداث، من هذا المنطلق لا يتحرك الكون كما ذكرنا سابقا، ونزعم أن الزمن يسير دائما إلى الأمام . مع ذلك هذا قرار يأخذه الدماغ وهو قرار نسبي. في الحقيقة نحن لا نعرف كيف يسير الزمن وما إذا كان الزمن يسير أم لا. هذا يعني حقيقة: أن الزمن ليس حقيقة مطلقة، بل نوع من الإدراك.

أثبت فيزيائيو القرن العشرين مثل "ألبرت أينشتاين"، ولينكولن بارنت اLincoln Barnet الذي كتب كتاب "الكون والدكتور اينشتاين" نسبية الزمن. يقول هذا الأخير في كتابه:

مع الفضاء المطلق يطرح أينشتاين مفهوم الزمن المطلق - الزمن الكوني الثابت الصلب اللامتغير المتدفق من الماضي اللامحدود إلى المستقبل اللامحدود. الجزء الأكبر من الغموض الذي يحيط بالنظرية النسبية ينشأ عن ممانعة الإنسان لإدراك الشعور بأن الزمن مثل الشعور باللون نوع من الإدراك. تماما كما أن الكون يمكن أن يكون نظاماً من أشياء مادية، كذلك فإن الوقت نظام من الأحداث. من الأفضل شرح ذاتية الزمن بكلمات أينشتاين نفسه، "تظهر لنا تجربة أحد الأشخاص مرتبة في سلسلة من الأحداث. في هذه السلسلة يتم ترتيب الأحداث المفردة التي نتذكرها حسب مقاييس المبكر والمتأخر. لذلك يتواجد للفرد الوقت الذاتي. هذا بحد ذاته غير قابل للقياس. يمكنني أن أربط أرقاما مع الأحداث بهذه الطريقة يرتبط الرقم الأكبر مع الحدث الأخير وليس بالحدث المبكر.43

أشار أينشتاين نفسه، كما جاء في كتاب بارنت، إلى أن: "الزمن والمكان نوعان من الحدس الذي لا يمكن أن ينفصل عن الشعور كما هو إدراكنا للّون والشكل والحجم. وحسب النظرية النسبية فإن "ليس للزمن وجود مستقل بعيدا عن ترتيب الأحداث التي نقيسه بها".44

وبما أن الزمن يتكون من إدراك فهو يعتمد على مدرك وهو لذلك نسبي .

تختلف سرعة الزمن حسب المرجع الذي نستخدمه للقياس لأنه ليس هناك ساعة طبيعية في الجسم الإنساني تحدد بدقة السرعة التي يمر بها الزمن. كتب لينكولن بارنت: "كما أنه لا يمكن رؤية اللون بدون عين، كذلك لا يمكن أن يكون هناك ساعة أو دقيقة أو نهار دون حدث".45

في الأحلام تبدو نسبية الوقت واضحة. فبالرغم من أن ما نراه في أحلامنا يبدو وكأنه استغرق ساعات، فهو حقيقة لم َيطُلْ أكثر من دقائق أو حتى ثوان.

لنأخذ مثالا يوضح الموضوع أكثر. لنفترض أننا وُضعنا في غرفة فيها نافذة واحدة وبقينا فيها وقتا من الزمن. وليكن هناك ساعة يمكن من خلالها أن نقيس الوقت الذي يمضى. وفي نفس الوقت يمكن أن نرى شروق الشمس وغروبها في فواصل معينة. بعد عدة أيام يمكننا أن نعطي جوابا عن سؤال يطرح علينا نحدد فيه كمية الزمن الذي أمضيناه في الغرفة معتمدين على كل من عدد المرات التي أشرقت فيها الشمس، والساعة التي نأخذ منها الوقت بين الحين والآخر. على سبيل المثال كانت مدة جلستنا في الغرفة حسب تقديرنا ثلاثة أيام. ولكن إذا جاء الذي وضعنا في هذه الغرفة وقال لنا إن الشمس التي كنا نراها من خلال النافذة كانت من مصدر اصطناعي، آلة استثارة مثلا، وأن الساعة تم ضبطها بشكل متسارع، عندها يكون التقييم الذي أجريناه خاطئا.

هذا المثال يبين لنا أن المعلومات التي نحصل منها على نسبة الزمن تعتمد على مراجع نسبية. نسبية الزمن حقيقة علمية تمت برهنتها بواسطة مذهب علمي.. تقول نظرية أينشتاين للنسبية العامة: تتغير سرعة الزمن اعتمادا على سرعة الشيء وحالته في حقل الجاذبية. وعندما تزداد السرعة ينقص الزمن وينضغط : ويتباطأ وكأنه سيتوقف.

لنشرح هذا من خلال مثال طرحه أينشتاين، قال: لنفترض وجود توأمين أحدهما موجود على الأرض والآخر في الفضاء يسافر بسرعة قريبة من سرعة الضوء. عندما يعود المسافر سيجد أن أخاه قد أصبح أكبر منه بكثير. السبب أن الزمن يسير ببطء أكثر بالنسبة للمسافر بسرعة قريبة من سرعة الضوء. لنتأمل والدا مسافرا في الفضاء وابنه موجود على الأرض. إذا كان عمر الأب عندما سافر 27 سنة والابن ثلاث سنوات، فعندما يعود الأب إلى الأرض بعد ثلاثين سنة (من زمن الأرض)، سيكون عمر الابن قد أصبح 33 سنة بينما عمر الأب 30 سنة فقط.46 هذه النسبية في الزمن ليست بسبب تسارع أو تباطؤ الساعات أو نابض الآلة، بل هي نتيجة لفترات العمل المتمايزة لكامل نظام وجود المادة، التي تسير بسرعة تعادل سرعة جزيئات أصغر من الذرة. بتعبير آخر، إن قصر الزمن بالنسبة للشخص الذي يتعامل معه لا يشبه صورة العمل بالحركة البطيئة. في وضع يتباطأ فيه الزمن، تتم العمليات الحيوية مثل نبضات القلب، انقسام الخلايا، الوظائف الدماغية بصورة أبطأ من أبطأ إنسان يتحرك على وجه الأرض. مع ذلك يستمر الإنسان في حياته دون أن يلاحظ قصر الزمن. في الحقيقة لا يمكن أن يظهر تناقص الزمن إلا بالمقارنة.

النسبية في القرآن

النتيجة التي أوصلنا إليها العلم الحديث هي أن الزمن ليس حقيقة مطلقة كما يظن الماديون، وإنما هو إدراك نسبي فحسب. المثير في الأمر أن هذه النتيجة التي لم يصل إليها العلم قبل القرن العشرين، قد كشفها القرآن الكريم منذ قرون خلت. هناك عدة شواهد في القرآن على نسبية الزمن.

ومن الممكن أن نجد العديد من الآيات القرآنية التي تبرهن علميا على أن الوقت إدراك نفسي يقوم على الأحداث، والمحيط والظروف. على سبيل المثال حياة الإنسان قصيرة جدا كما يقول لنا القرآن:

{ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ..} [يونس: 45].

{يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52].

تعطينا بعض الآيات أمثلة عن اختلاف إدراك البشر للوقت، ففي بعض الأحيان يشعر الناس بالوقت القصير أنه طويل جدا. مثال على هذا محاورة الناس أثناء حسابهم في اليوم الآخر:

{قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين. قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين. قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون} [المؤمنون: 112 ـ 114].

وفي آيات أخرى يبين الله أن الوقت يمكن أن يسير بخطوات مختلفة في محيطات مختلفة:

{ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} [الحج: 47].

{تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ألف سنة..} [المعارج: 4].

{يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة: 5].

هذه الآيات برهان واضح على نسبية الزمن التي قال بها العلم الحديث والتي كشف عنها الله منذ 14 قرنا مما يدل على أنه تنزيل من الله مالك الزمان والمكان.

في آيات أخرى يكشف لنا الله على أن الزمان إدراك وخاصة في القصص. في قصة الكهف مثلا تنام مجموعة المؤمنين في الكهف ثلاثمائة سنة، وعندما يستيقظون يحسبون أنهم لم يلبثوا إلا قليلا، ولا يتمكنون من تحديد الوقت الذي أمضوا:

{فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} [الكهف: 11 ـ 12].

{وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم...} [الكهف: 19].

الحقيقة التي تطرحها الآية التالية تبين أن الوقت إدراك نفسي:

{أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259].

تدل هذه الآية على أن الله الذي خلق الزمن غير مقيد به.من جهة أخرى الإنسان مقيد بالزمن الذي قدره الله. الإنسان غير قادر حتى على معرفة المدة التي نام فيها. وهنا اعتبار أن الزمن مطلق (كما يدعي الماديون) أمر غير عقلاني.

القــدر

توضح نسبية الوقت أمرا هاما . النسبية أمر متغير جدا، فما يمكن أن يبدو أنه بلايين السنين بالنسبة لنا قد يكون ثانية واحدة في إدراك آخر. أكثر من ذلك، يمكن أن تكون فترة طويلة، كالتي تمتد بين بداية الخلق ونهايته، ليست إلا دقيقة بل لحظة في بُعد آخر.

وهذا هو جوهر مفهوم القدر. القدر الذي لا يفهمه الكثير من الخلق وخاصة الماديون الذين ينكرونه أصلا. القدر هو علم الله المطلق للماضي والمستقبل

يتساءل السواد الأعظم من الناس، كيف يعلم الله ماذا سيقع قبل أن يقع، وهذا بدوره يؤدي بهم إلى الفشل في فهم موثوقية القدر. إلا أن "الأحداث التي لم تحدث بعد" هي كذلك في منظورنا. الله غير محدود بزمان أو مكان هو نفسه خالقهما. لذلك فإن الماضي والمستقبل والحاضر كلها واحدة بالنسبة لله؛ فالأمور كلها قد أخذت مجراها وانتهى الأمر.

يشرح لينكولن بارنت في كتابه الكون وأينشتاين كيف أن نظرية أينشتاين توصل إلى هذه النتيجة. فبالنسبة له "الكون بكل عظمته محاط بعقل كوني".47 العقل الكوني الذي يتحدث عنه بارنت هو حكمة الله وعلمه الذي يحكم الكون بكامله. وكما نرى نحن بداية المسطرة ومنتصفها ونهايتها والوحدات الموجودة فيها ككل، يعلم الله الزمن الذي نقع فيه وكأنه دقيقة واحدة منذ بدايته وحتى نهايته. يتعامل الناس مع الأحداث فقط عندما يحين وقتها الذي قدره الله.

من الهام أيضا لفت الانتباه إلى الفهم السطحي السائد في يومنا هذا للقدر. هذا الفهم الخيالي يقول إن الله قد قدر القدر إلا أنه بإمكان الناس أن يغيروا من الأقدار. على سبيل المثال يشتد إعجاب الناس بإنسان يعود من باب الموت ويعتبرون أنه "هزم قدره". ليس هناك من إنسان يستطيع أن يغير قدره. فالإنسان الذي "عاد من باب الموت" لم يمت لأنه ليس مقدراً له أن يموت في هذه اللحظة. من المفارقة أن الذين يقولون لقد "هزمت قدري" قدّر لهم أن يقولوا ذلك ويحتفظوا بهذه الفكرة. القدر علم الله الأبدي هو الذي يعلم الزمن كلحظة واحدة وهو الذي يحكم كلا من الزمان والمكان؛ لقد تقرر كل شيء وانتهى بالقدر. تبين لنا الآيات في القرآن أن الوقت واحد بالنسبة إلى الله، فالأحداث التي تظهر لنا أنها ستحدث مستقبلا يخبرنا عنها القرآن وكأنها حدثت منذ زمن، مثلا الآيات التي تخبرنا عن الحساب الذي سيسدده الخلق لله عز وجل في اليوم الآخر تسرد لنا الوقائع وكأنها حدثت منذ زمن طويل:

{ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون. ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون. وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين. وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 68 ـ 73].

آيات أخرى حول هذا الموضوع:

{وانشقت السماء فهي يومئذ واهية} [الحاقة: 16].

{وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا. متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} [الإنسان: 12 ـ 13].

{وبرزت الجحيم لمن يرى} [النازعات: 36].

{فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} [المطففين: 34].

{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 53].

كما نرى، فإن الأحداث التي سنواجهها بعد موتنا (من منظارنا) هي أحداث، حسب القرآن، وقعت منذ زمن . شاء الله هذه الأشياء في الأزل: الناس قد قاموا بهذه الأعمال وكل هذه الأحداث قد وقعت وعاشها الناس وانتهت. توضح الآيات كل صغيرة وكبيرة وهي في علم الله ومسجلة في كتاب:

{وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [يونس: 61].

قلق الماديين

المواضيع التي تم شرحها في هذا الفصل واضحة وخاصة التي تتناول حقيقة المادة والسرمدية والأزل وكما أسلفنا، فهذه كلها ليست نوعاً من الفلسفة أو طريقةً في التفكير، بل نتائج علمية لا يمكن إنكارها. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الحقيقة لا تقبل أي بدائل منطقية أو عقلية في هذا الموضوع: الكون وجود خيالي بكل ما فيه من مادة وكل المخلوقات الموجودة فيه. إنه مجموعة من المدارك.

أمضى الماديون وقتا صعبا في فهم هذا الموضوع . فلو عدنا إلى مثال بوليتزار : حادث الحافلة لرأينا أنه بالرغم من معرفته بعدم إمكانية الخروج من الإدراك، إلا أنه يقبل ذلك في حالات معينة. فالأحداث، بالنسبة له تأخذ مجراها في الدماغ إلى حين وقوع الحادث ولكن حالما يصطدم بالحافلة، تأخذ الأحداث مجراها خارج الدماغ في حقيقة ملموسة. الخلل المنطقي هنا واضح تماما. نفس الخطأ المنطقي وقع فيه المادي جونسون عندما قال: "أنا ركلت الحجر وآلمتني قدمي، إذا قدمي موجودة". لا يفهم بوليتزار أن الصدمة التي شعر بها بعد تأثير الحافلة ما هي إلا إدراك.

السبب وراء عجز الماديين عن فهم هذا الموضوع هو خوفهم من الذي سيواجهونه بعد أن يفهموه. يقول لنا لينكولن بارنت إن بعض العلماء يدركون هذا الموضوع:

"مع تقليص الفلاسفة للحقيقة المحسوسة إلى عالم خيالي من المدركات، أصبح العلماء على علم بالتحديد الخطِر للأحاسيس الإنسانية.48

يسبب أي مرجع يقول بأن المادة والزمن من المدركات خوفا عند المادي لأن معتقده يقوم على الوجود المطلق. لقد اتخذهم أوثانا يعبدهم، لأنه يعتقد، من خلال التطور أن المادة والزمن هما خالقاه.

عندما يعرف أن الكون الذي يظن أنه يعيش فيه، العالم، جسمه، الناس من حوله، الفلاسفة الذين اتبعهم وتأثر بأفكارهم، باختصار كل شيء إنما هو إدراك، فسيمتلئ رعبا من هذا كله. كل ما يعتمد عليه ويؤمن به قد تلاشى فجأة، فشعر باليأس الذي سينتابه في يوم الحساب كما تصف الآية:

{وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون} [النحل: 87].

من الآن فصاعدا سيحاول المادي أن يقنع نفسه بالمادة كحقيقة ويضع "البراهين" على هذه النهاية. سيضرب الجدار بقبضته ويركل الأحجار ويصرخ، ولكنه لن يستطيع الهروب من الحقيقة.

وكما تبدو هذه الحقيقة بعيدة عن أذهانهم، كذلك يريدون من الآخرين أن يطرحوها جانبا. هم يعرفون أيضا أنه إذا ما علم الناس طبيعة المادة الحقيقية، فإن الطبيعة البدائية لفلسفتهم الخاصة ولجهلهم في رؤية العالم ستتكشف أمام الجميع، ولن يبقى هناك أرضية تقوم عليها نظرياتهم. هذه المخاوف هي السبب في اضطرابهم أمام الحقائق التي سردت هنا. يقول الله أن مخاوف الكفار تتضاعف يوم القيامة، وسيخاطبون يوم الحساب:

{ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} [الأنعام: 22].

بعد ذلك يشاهد الكفار ممتلكاتهم وأطفالهم وتصريحاتهم التي كانوا يدعون أنها حقيقية واعتبروها شريكا لله، وهي تغادرهم وتتلاشى:

{انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24].

فوز المؤمنين

في الوقت الذي تهدد فيه الحقيقة القائلة بان المادة والزمن مدركان حسيان الماديين، فإن العكس صحيح بالنسبة للمؤمنين، سيفرح المؤمنون عندما يعرفون السر وراء المادة لأن هذه الحقيقة هي مفتاح لكل الأسئلة. ومع هذا المفتاح تنكشف كل الأسرار، ويتمكن الإنسان من فهم المواضيع التي كانت مستعصية عليه.

وكما أسلفنا، فإن الأسئلة التي كانت تطرح حول الموت والجنة والنار واليوم الآخر وتغير الأبعاد، وأسئلة أخرى مثل "من خلق الله؟" "كم ستستمر حياة القبر؟" "أين الجنة والنار؟" "وأين توجد الجنة والنار الآن؟" يمكن الإجابة عنها بسهولة . سيُفهم النظام الذي خلق الله فيه كل الكون من العدم من خلال هذا السر، وتصبح أسئلة "متى ؟" و"كيف؟" لا معنى لها لأنه لم يبق مكان ولا زمان. وعندما يتم إدراك اللامكان، سيصبح مفهوما أن النار والجنة والأرض هي في الحقيقة جميعها مكان واحد. وإذا ما تم إدراك الأبدية، أو السرمدية، فسيفهم أن كل شيء يحدث في دقيقة واحدة: لا شيء يُنتظر، لأن كل شيء قد حدث وانتهى.

وبالكشف عن هذا السر يصبح العالم مثل الجنة بالنسبة للمؤمنين. سيتلاشى كل القلق المادي المؤلم. يدرك الإنسان أن للكون سيدا واحدا، يغير العالم المادي كله كما يشاء وكل ما على الإنسان فعله أن يقبل عليه. عندها يقدم نفسه إلى الله "أن ينذر نفسه لخدمته" (آل عمران 35). إدراك هذا السر هو أعظم هبة في العالم.

ومع هذا السر تتكشف حقيقة أخرى هامة مذكورة في القرآن وهي: أن "الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد". وكما يعرف الجميع حبل الوريد داخل جسم الإنسان. فماذا يكون أقرب إلى الإنسان من داخله؟ هذه الوضعية يمكن شرحها بسهولة من خلال حقيقة اللامحدود. يمكن فهم هذه الآية بطريقة أفضل من خلال فهم هذا السر.

هذه هي الحقيقة البسيطة. لا يوجد سند للإنسان ولا نصير له إلا الله. لا شيء هناك سوى الله؛ هو الوجود المطلق الوحيد الذي يمكن أن يتخذه الإنسان ملجأً، به يستغيث ، ومنه ينتظر الجزاء.

أين ما توجهنا وجدنا الله.

الخـاتمـة

لا شك أن لا شيء أهم من خلق الإنسان وتعرفه على خالقه. وما قمنا به من خلال هذا الكتاب هو محاولة فهم موضوع من أكثر المواضيع أهمية بالنسبة لكل إنسان.

نرى من الضروري أن نذكر القارئ أنه ليس هناك حاجة إلى سيل من المعلومات لمعرفة أن هذا الكون، وكل شيء، فيه بما فيه أنفسنا، مخلوق. يدرك عقل ووعي الطفل الصغير كما يدرك الكبير أنه مخلوق. كلمات النبي إبراهيم في القرآن دليل على ما نقول:

{فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قومي إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 76 ـ 79].

وكما نرى في مثال النبي إبراهيم عليه السلام، فإن كل إنسان لديه عقل ووعي و "لا يعارض تكبرا وتجبرا" يمكنه إدراك أن الكون مخلوق وأنه مخلوق بنظام عظيم.

لا بد أن موقف المعارضين لوجود الله بالرغم من كل الآيات التي يراها كل إنسان هو موقف غريب بالنسبة لمن يملك عقلا وضميرا. ذكر هؤلاء الذين لا يؤمنون بقدرة الله على الخلق:

{وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كن ترابا أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [الرعد: 5].

الأشياء التي ذكرت في هذا الكتاب هي أهم من أي شيء في حياتك . ربما تكون قد فشلت في تأمل هذا الموضوع الهام، أو أنك لم تفكر فيه من قبل مطلقا. في جميع الأحوال كن أكيدا أن معرفة الله الذي خلقك أهم من أي شيء يمكن أن تفعله.

فكر بما وهبه لك: أنت تعيش في عالم منظم بإتقان حتى أدق تفاصيله، خلق خصيصا من أجلك. ليس لك دور في هذه العملية. لقد فتحت عينيك في يوم من الأيام فوجدت نفسك ترفل في نعيم لا حدود له، يمكنك أن تسمع، أن ترى أن تشعر...

وقد تم ذلك لأنه يريد هذا الخلق:

{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78].

وكما تشير الآية فالله وحده هو الذي أعطاك كل شيء وخلق الكون الذي تعيش فيه. لذلك تعال وقدم نفسك لله وكن ممتنا له على كل النعم التي وهبها لك . وإذا فعلت عكس ذلك فإنك جاحد وتعرض نفسك إلى عذاب سيستمر إلى الأبد بمشيئة من الله.

كن على يقين: أنه موجود وأنه قريب جدا منك...

إنه يرى كل ما تفعل ويسمع كل ما تقول...

وكن متيقنا أن كل البشر وأنت معهم سيدفعون حسابا إليه...


 
    
1 / total 2
يمكنك قراءة كتاب هارون يحيى لا يعرف الله الا بالعقل على الانترنت، ومشاركتها خلال شبكات الإنترنت الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر، وتحميله على جهاز الكمبيوتر الخاص بك، واستخدامها في مناقشاتك و أبحاثك وأطروحاتك، ونشر نسخ أو إعادة إنتاجها على مواقع الويب أو المدونة (Web Log/Blog) الخاصة بك دون دفع أي رسوم حقوق الطبع والنشر، طالما أنك تقر هذا الموقع كمرجع.
عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top