< <
1 / total: 6
العدل والتّسامح في القرآن - هارون يحيى (Harun Yahya)

العدل والتّسامح في القرآن


مــقدّمة

في اللحظة التي تقرأ فيها هذه السّطور لا تزال الحروب مستمرة في أنحاء متفرقة من العالم؛ أناس يمُوتون، وأناس يُصابون بالإعاقات البدنية، وآخرون يضطرون لترك أوطانهم. وفي أجواء الثلج والأمطار يسير اللاجؤون مئات الكيلومترات، وهم يصارعون الجوع والعطش والأمراض. أما المسؤولون عن هذا البؤس فهم يواصلون حياتهم بضمائر مرتاحة، وينعمون بنوم هادئ على أسرة دافئة، ويأكلون ويشربون. وإذا نظرت اليوم إلى بعض دول العالم بصفة عامة فسوف ترى أن العدل قد أصبح مجرد أداة تحركها فئة قليلة ممن يتمتعون بالغنى المادي كيفما تشاء. ولو أنهم "رجعوا إلى العدل" لما وسعهم إلا أن يمدوا يد العون إلى المحتاجين. وفي أنحاء متفرقة من العالم تجد بعض الناس ينعمون بالرفاهية بسبب إساءة استخدام السلطة والمكاسب غير المشروعة واستغلال الفقراء. وفي الوقت الذي يُعاقَب فيه الأبرياء ينال هؤلاء المجرمون كل التقدير والإعجاب.

وباختصار فإن الظلم هو الذي يسود في بلدان كثيرة من العالم .

ما تبرير ذلك ؟ ألا يشعر الناس بالحاجة إلى الحكم بالعدل؟
       حينما نتحدث عن العدل، فإنّ كل الناس يتفقون على المفاهيم الأساسية التي يعرفونها ويقبلونها. هذا العدل سوف يشمل جميع الناس في شتى مناحي الحياة دون تمييز بينهم، وسوف يتم توزيع الموارد بالعدل بينهم، دون أي اعتبار للجنس أو الدين أو اللغة. وسيهدف إلى خلق عالم يسود فيه صاحب الحق لا صاحب القوة.

إن رفض الناس للعدل هو السبب وراء بعده عنه، فهم قد يوافقون عليه من حيث المبدإ، ولكنهم يرفضونه حين يتعارض مع مصالحهم. فمثلا، كل شخص يرفض الرشوة ويقر نظريا بأن أخذ الرشوة أمر لا أخلاقي، ولكن حين يواجهه عرض مغر للرشوة فإنه يختلق التبريرات منتهكا بذلك المبدأ الذي كان قد أقره نظريا.

ومثال آخر شبيه بذلك، أنّ الكلّ يعلم ويقر بأنّ لأقوال الشاهد الصادقة دور بالغ في معرفة الحقيقة وإقرار العدل، ومع ذلك فبعض الناس لا يتردد في أن يكذب في دور القضاء وأن يُضلل هيئة المحلفين أثناء شهادته حينما تتعرض مصالحه أو مصالح من يحبّه للخطر. هؤلاء النّاس يقبلون العدل كمبدأ، ولكنهم لا يجدون مانعًا يمنعهم من انتهاكه حينما يتعارض مع مصالحهم الشخصية. وهناك أيضا مثال آخر، فالكلّ متفق على أنّ الموارد العامة يجب أن توزع بالتساوي، ومع ذلك فحينما تُقام حملة للمساعدة، يحاول المتلقّون الحصول على حصة أكبر، حتى إنهم  ليطئون الآخرين تحقيقا لذلك. وهنا أيضا، تحل المصالح الشخصية محل العدل.

        الأمثلة كثيرة، ولكننا في النهاية نواجه الحقيقة نفسها؛ إنّ الناس ينتهكون العدل، حينما تتعرض مصالحهم الشخصية للخطر مع إيمانهم بأهميته. وبما أن هؤلاء الناس، بوعيهم هذا يمثلون الأغلبية في بعض المجتمعات؛ فإنّ العدل يبقى مجرد فكرة وهمية.
ولكي يتم إقرار العدل في العالم، فإننا بحاجة إلى الأخلاق التي تمكن الناس من أن يطرحوا منافعهم الشخصية جانبا في سبيل ذلك العدل. وهذه الأخلاق هي القيم التي أمرنا الله تعالى بها في القرآن الكريم؛ لأنّ تلك القيم القرآنية تأمر بالعدل المطلق الذي لا يميز بين الناس، ولا ينحاز إلا إلى الحق والمساواة. وفي سورة النساء يأمر الله تعالى الناس أن يحكموا بالعدل ولو على أنفسهم:

[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّه وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِنْ تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] [ النساء - 135 ]

وكما تنص الآية، فإنّ العدل الذي يتم تطبيقه مصحوبا فقط بتقوى الله تعالى وطلب رضاه هو العدل الحقيقي. هذا النوع من العدل لا يميز بين الناس, وحين يكون هذا العدل غاية الإنسان فلن يكون للمصالح الشخصية أو القرابة أو العداوة  أو نظرته للحياة أو اللغة أو اللون أو الجنس أي تأثير على قراراته، وإنما يتّخذ القرارات على نحو مستقيم. ومن المؤكَّد أن المجتمعات التي يحيا الناس فيها وفق قيم القرآن الكريم ينعمون بالعدل الحقيقي والسلام والأمن. والإنسان الوحيد الذي يمكنه إقامة العدل الحقيقي هو الذي يخشى الله تعالى ويؤمن بأنه سيُسأل يوم الحساب.

وإن التاريخ ليثبت هذه الحقيقة، ويخبرنا بها الله تعالى أيضا في قوله:

[ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ]  [ الأعراف – 181 ].

وعلى مرّ التاريخ، كانت هناك أزمان ساد فيها العدل، فقد أسس الأنبياء  مجتمعات آمنة، وكذلك فعل بعض تابعيهم من القادة العادلين ممن هم على شاكلتهم، واضعين بذلك للعالم نموذجا يحتذى به. وقد احتضن الأتراك السلاجقة أهل الديانات الأخرى وكذلك فعلت الدولة العثمانية، وعاشوا في كنفهم آمنين مطمئنين تحت راية واحدة. كما اشتهر عن الأتراك المسلمين عدلهم في البلاد التي تولوا زمام الحكم فيها. ونظرا لتسامحهم ومواقفهم الرحيمة كان أهل البلاد المفتوحة يستقبلونهم بالترحاب والفرح.

إنّ الهدف من هذا الكتاب هو تصوير العدل في القرآن الكريم. ولكن ينبغي على كل فرد أن يقتنع بأنّه لكي تتحقق مثل هذه الحياة التي يملؤها الأمن والسلام، فلا بد أن يبذل سعيه وجهده الخاص. ولكي تتحقق الحياة الآمنة التي تسعد فيها المجتمعات والأجيال القادمة فعلى كل فرد أن يقيّم العدل في نفسه، ومن ثم يكون مثالا يقتدي به الآخرون. وهذه فرصتك لتكون في طليعة أولئك الذين ( يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ)  [ آل عمران:21 ] ولا تنسَ أنّ ( الله يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [ المائدة: 42 ].

      
1 / total 6
يمكنك قراءة كتاب هارون يحيى العدل والتّسامح في القرآن على الانترنت، ومشاركتها خلال شبكات الإنترنت الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر، وتحميله على جهاز الكمبيوتر الخاص بك، واستخدامها في مناقشاتك و أبحاثك وأطروحاتك، ونشر نسخ أو إعادة إنتاجها على مواقع الويب أو المدونة (Web Log/Blog) الخاصة بك دون دفع أي رسوم حقوق الطبع والنشر، طالما أنك تقر هذا الموقع كمرجع.
عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top