الغطرسة تؤدي إلى البؤس

مقتطفات من مقابلة في بث حي مع السيد عدنان أوكتار على قناة A9TV  بتاريخ 7 مايو 2016

 

عدنان أوكتار: آتي إلى هذا المكان كل يوم وأبذل جهدًا كبيرًا لإلقاء الخطب والدعوة للإسلام. إن قلوب المسلمين مفعمة بالفرح والإثارة بفضل ما تحمله من فيض الإيمان، وعند مخاطبة الله المنافقين عن حالهم "قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا". إذا كان الإنسان غير سعيد، انطوائيًا أو تغمره روح الغطرسة، فلا يمكن لمثل هذا الشخص أن يجد حلاوة السكينة والطمأنينة.

الشخص المتواضع هو فقط من يمكنه الشعور بالبهجة والسلام الداخلي، فمن المستحيل على النفس المتغطرسة أن تشعر بالسعادة والبهجة والاطمئنان، الجسد الذي يئوي مثل هذه النفس يأبى ابتداء ذلك، ويمنعها من الاستمتاع بمثل هذه المشاعر الهادئة، المتواضعون هم فقط من يمكنهم الشعور ببهجة النفس. هل سبق لأحدكم أن صادف شخصًا متعاليًا سعيدًا؟ نجدهم دائمًا في حالة بالغة من الغضب وعلى شفى الانهيار.

نجدهم دائمًا محاصرين بمشاعر الحزن والكآبة، يشعرون بالإهانة تلقائيًا، وفي نهاية المطاف تكون النتيجة الحتمية للغرور والافتنان بالنفس النفاق، الذي بدوره يقود لا سمح الله، إلى انعدام الإيمان والوقوع في شراك الكفر، بما يبعد المرء عن مجتمع المسلمين والشعور بالغربة وسطهم، والملاحظ عن هؤلاء الأشخاص، أنهم لا يرتاحون ويجدون سعادتهم إلا بين الكفار، وللوقوف على هذه الحقيقة، فما على المرء إلا أن يلقي نظرة فاحصة إلى المنافقين ليتأكد من ذلك بنفسه.

يريدون قطع كل صلة تربطهم بالمسلمين والانضمام بدل ذلك إلى مجتمع الكفار، الذي يجدون في حضنه الراحة والسعادة، لأنهم يشتركون مع هذا المجتمع في التناغم مع حبائل الشيطان، والارتداد عن عبادة الله الواحد الأحد. يفتقر المنافقون لحلاوة الإيمان ويحرمون أنفسهم من سعادة المؤمنين، وكلما بدت لهم قوة المؤمنين كبيرة، كلما زاد عذابهم وقلقهم وحنقهم، وكان أمرهم كذلك أيضًا في عهد نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام.

وقد كانت بهجة وحيوية وقوة وثقة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، في الله هي مصدر حنق ومعاناة المنافقين أكثر من أي شيء سواها، وكانوا ينظرون شزرًا لرسولنا الكريم محاولة منهم لإحباطه وإضعاف معنوياته. يقول الله تعالى في الآية 51 من سورة القلم: "وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ" ويرد عليهم الله سبحانه عز وجل في كتابه العزيز: "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور" الآية (19) من سورة غافر. وكانوا يحسدون الرسول عليه الصلاة والسلام، فيما ينعم به من قوة وسعادة، ويسعون إلى عرقلة دعوته بكل ما يملكون من كيد وحيل وبطريقتهم الخاصة، ولهذا السبب يجدر بالمسلمين تجنب التشبه بمثل هؤلاء الناس، لأن من شأن ذلك، أن يضفي عليهم، لا قدر الله، مظهرًا غير سار. يجب على المؤمنين العيش والشعور بفرحة إيمانهم التامة، والتمتع بذلك الإيمان، لأن الله لا يمنح الإيمان للجميع، ويتعين عليهم الانضمام إلى مجتمع المؤمنين.

قليلون هم المؤمنون وهم محظوظون جدًا، في حين اختار معظم الناس الكفر، والله هو الذي اصطفى بحكمة منه مجتمع المؤمنين ومنحهم حياة سعيدة وممتعة، ومن واجب المؤمنين تقدير هذه النعمة والتعبير عن امتنانهم لله والعرفان له وأن يبدو ذلك في وجوههم، أما عن المنافقين يقول الله سبحانه عز وجل في حقهم في الآية 106 من سورة المؤمنون: "قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ"، ويقول الله سبحانه عز وجل في الآيتين 9 و10 من سورة الأعلى، فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ".

وسبب ذلك أن روح الكفر تجلب التعاسة والبؤس، ويمكن للمؤمنين التخلص من هذا الشعور من خلال إبداء قدر من المقاومة لهذه النزعة، ولا يجب أن يستزلهم الشيطان والاستسلام لتحريضه على أفكار التعاسة، وهو يفعل ذلك بطبيعة الحال لأسباب مختلفة، من قبيل الهمس في آذانهم بأفكار على نحو: "أنت متحضر، شجاع، حسن التصرف ورجل عظيم، أنت لست شخصًا عاديًا"، فمثل هؤلاء الناس ينظرون باستعلاء إلى كل من تبدو عليه ملامح البهجة والصدق والفطرة، في حين يعتبرون أنفسهم متفوقين. ربما تكون قد صادفت في حياتك، مثل هذه النماذج من الناس في حفلات الزفاف، ترى بعض الفتيات يجلسن منعزلات في الزاوية وينظرن إلى الآخرين، وتبدو من أعينهن علامة الغضب، والاستعلاء، معتقدين أنهن أرقى من غيرهن.

بينما الواقع يكشف كم هم تعساء، لقد ولد هؤلاء، مثلهم مثل غيرهم من الناس من أم، ومن لحم وعظم. الإنسان الذي يشعر بالمرح والسعادة، يحق له ذلك وهو في الواقع يسير على الطريق السوي، إذا كنت في حفل زفاف، فما الداعي للضجر؟ ولماذا هذا الضجر أصلًا؟ ليس هناك ما يبرر هذا العبوس، لماذا تعود أدراجك عندما توجه لك دعوة للعشاء؟ لقد لبيت دعوة الحضور لحفل زفاف من أجل المتعة، ثم تبدو عليك علامات البؤس والتعاسة، هذا في الواقع خطأ. كل مكان حيث يُذكر فيه الله هو بمثابة مكان زفاف، تنعكس علامات الحماس والإثارة الناشئة عن الإيمان في وجوه المؤمنين، ترى بهجة المؤمنين في وجوههم كلما ذُكر الله، فتنزل عليهم السكينة. عندما يشعر شخص ما بالضيق والقلق، فمعنى ذلك أن الشيطان يزعجه، وفي هذا الموقف بالذات، يفر المؤمنون فورًا إلى الله للتخلص من همزات الشيطان، يقول الله في الآية 201 من سورة الأعراف: "إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ".

غولساه غويتميز: ما نلاحظه أنك دائمًا مصدر تنبعث منه هالة من الفرح والصفاء أينما حللت أو رحلت.

عدنان أوكتار: أجل، إذا كان الشيطان يسعى دائمًا إلى التسبب في الكآبة والحزن، فالرد عليه يكون بمقاومة المؤمنين له مسلحين بما حباهم الله من إيمان جميل، قَال الله تعالى في الآية الكريمة 120 من سورة طه: "قالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلا يَشْقَىٰ". إذا شعر الإنسان بالبؤس، فهذا يعني أنه لم يتذوق بعد حلاوة الإيمان والصراط السوي، لذا يتعين عليه التمسك على الفور بنفحات وأنوار سبيل الحق وبهجة الإيمان، ولهذا السبب، يحث الله سبحانه عز وجل عباده على ذكر ما أنعم به عليهم ليجدوا الاطمئنان والسكينة في قلوبهم، أما الذي لا يذكر نعمة الله فلا راحة له ولا اطمئنان.

إيبرو ألتان: قلت من قبل إن "الشيطان لديه القدرة على جعل الناس ينسون".

عدنان أوكتار: نعم، الشيطان له تلك القدرة، ويعمل على جعل الإنسان ينسى النعم والجمال اللذين حباه بهما الله.

ميرفي تيزيل: لقد ذكرت ذلك من قبل، فكل من تعلق قلبه بالسماء يكون راضيًا عن الله والله راضٍ عنه.

عدنان أوكتار: نعم. ولهذا يقول الله سبحانه عز وجل في كتابه العزيز في آخر سورة الفجر: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي".

شاهد على الهواء على HarunYahya.Tv

2017-10-10 14:52:55

عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top