لقاءات شيَقة 4 حزيران / يونيو 2015

كوك آلب بارلان: أعزائي مشاهدي قناة A9 مرحبا بكم في برنامجنا "لقاءات شيّقة". السيّد عدنان مرحبًا بك أنت كذلك.

عدنان أوقطار: أهلاً وسلا بكم أنتم كذلك. 

بلنت سزكين: جاء في سورة الأنبياء، أعوذُ بالله من الشّيطان الرّجيم "وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ" ( سُورة الأنبياء، 11).

عدنان أوقطار :" قَصَمْنَا منْ قَريَةٍ كَانتْ ظَالِمَةً "،هل كان هناك ظلم في سوريا؟ هل كان هناك ظلم في العراق؟ هل كان هناك ظلم في أفغانستان؟ نعم هناك ظلم، أكبر ظلم.

من الظلم الكذب باسم الله تعالى، واعتبار كتاب الله غير كافٍ، وشقّ صُفوف المسلمين، واعتبار اختلاف المسلمين رحمةً، هناك حديث موضوع يقولُ في ما معناه "اختلاف أمّتي رحمةٌ". والحال أن الاختلاف كارثة، الصحيح أن الشّقاق كارثةٌ.

هناك من يعتبرُ الاختلاف رحمة، هؤلاء دمّروا العالم الإسلامي كله. كيف يُصبح الاختلاف رحمة؟ الاختلاف يعني الخصام، يعني الجدال، يعني عدم القدرة على اتخاذ قرار موحّد، يعني الاختلاف في الدّين، وعدم القدرة على عيش حياة صادقة وسليمة وإخفاء أحكام الله. من أين ينبثق الاختلاف إذا كان حكم الله واضحًا؟ فالله تعالى يقول إنّ حكمَه واضح بيّن. والشّيطان هو من يريد الاختلاف ولا يمكن أن يُوجد الاختلاف بين المسلمين.

كوك آلب بارلان: يقولُ ربّنا عزّ و جلّ في إحدى الآيات: "والذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ" (سورة الأنفال، 73).

عدنان أوقطار: لاحظ كيف يكون الكَافرون مُتماسكين حقيقةً. ما إن يمسّ أحدَهم شيءٌ حتّى تجد الكفار والطّغاة وأهل الظّلال والظالمين والظّالمات والمنافقين والمنافقات وقد كوّنوا حلقة متماسكة تثير الاستغراب. ما إن يحدث لهم شيء حتى تجدهُم يدًا واحدةً ويكثر صُراخهم.

هذا ما ينبغي أن يكون موجودًا لدى الخيّرين من النّاس، لدى الصّادقين منهم، يقول الله تعالى "وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوليَاءُ بَعْضٍ". فما معنى وليّ؟ يعني يكون لأخيه المسلم مثل والده، مثل والدته، مثل أخيه، يحميه ويذُود عنه.   

محمد يلدرم: ويقول الله تعالى في آية أخرى "وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُم البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ" (سورة الشورى، 39).

عدنان أوقطار: هؤلاء لا يُريدون الوحدة بل الاختلاف. يقُولون "الاختلافُ رحمةٌ"، لهذا السّبب فالعُلماء يتّفقون، بالطّبع ليسُوا عُلماء مُشركين، بل صادقُون، مُخلصون، ولذلك فالعلم وحده لا يكفِي، لابدّ من الإخلاص، لابُدّ من تقوى الله ومحبّته.

بلنت سزكين: يقول الله تعالى "وَاَصْبرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيّ" (سورة الكهف، 28).

عدنان أوقطار: يعني اِلزم جماعة المُؤمنين، ثم يقول تعالى "وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ"، "وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا" (سورة الكهف، 27). حسنًا، فماذا نصنعُ مع الغَافلين؟ نشرح لهم الإسلام بالمحبّة والشفقة. والحبّ هو غاية الحياة. هكذا خُلقت جميع الكائنات، تأمّل مثلاً في الفضاء؛ مليارات المليارات من النّجوم، مليارات المجرّات، ملايين الكتل النّجمية، يُوجد إبداع هنا، يوجد جمال خارقٌ.

وهكذا الأمر نفسه في الأرض. فالذّرة دقيقة جدّا، خُلقت بإبداع رهيب، وهكذا البُروتون كذلك، والخليّة والكروموزُومات، وكلّ شيء فيه إبداع وروعة. كذلك العين والفم والأنف. وكلّ شيء خُلق بدقّة متناهية. وما غاية الله تعالى بقوله " لَقدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ".

 ما الهدفُ؟ هو المحبّة؟ ماذا يقتضي الجمال؟ الجمال يقتضي الحبّ. الله تعالى يقول "لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم". ماهي الغاية الأولى من هذا الخلق؟ أن يكون هناك تبادل للحبّ في الأرض. ولكن ذلك لا يتحقّق بالتّزييف، بل بالصّدق، لذلك ترى الإنسان يبحث دومًا عن الحبّ الصّادق، يبحث عنه في كل مكان من الأرض.

يأتي أحدُهم فيقول "حبيبتي لقد اشتريت لك سيّارة، أنظري من النّافذة". السّيارة تقف أمام المنزل، وقد زُيّنت بأشرطة حمراء. لكن الغاية أن يخدع البنت، يخدع أسرتها، ينزلُ بلاءً عليها. يعتقد أنه قادر على شراء قلبها بهذه الطّريقة. هو لم يفعل ذلك متزيّنا بالإيمان والأخلاق والحب، والاجتهاد وباتباع منهج الله تعالى، لم يفعل ذلك بطاعة الله والتّسليم له. ولذلك فلا فائدة من جلب السّيارة.

 عند صيد السّمك يعمد المرء إلى وضع طُعم في الصّنّارة، وعندما تلتقطه السّمكة يجذبها، فيكون قد اصطادها. هكذا تمامًا يستعمل الطّعم لصيد بعض النّاس. أليس كذلك؟

 يُستخدم الطّعم لكسب ودّ تلك البنت مثلاً، تمامًا مثل السّمك. كلّ الأساليب اللاّأخلاقية تُستخدم؛ يغيبُ الضّمير، ويُمارس الظلم والتّحيل. تأمّل فوقك في جنيات الكون، عشرة ملايين كتلة نجمية ضخمة، و25 مليار مجموعة من المجرّات، الغاية منها جميعًا هي المحبّة. تأمّل مثلاً، فنحن ننجذبُ إلى القطط والكلاب والأرانب، ما السّرّ في أنّنا نميل إليها؟ إنه بسبب المحبّة.

لماذا يكون الكلب لطيفًا،هو كذلك حتّى يستميلَ الآخرين فيحبّوه. آنظرُوا لقد اشترينا خَرُوفًا؟ لأنّنا أحببناه، ونحن نحبّ كذلك الطّماطم والفلفل ونغرسهما لأنّنا نحبّهما أيضًا.

والأمر نفسه كذلك بالنسبة إلى البطّيخ والزّهور فنحن نحبّ كل هذه الأشياء. والمرأة تكون جميلة فنحبّها، يكونُ صوتُها جميلاً فنحبّها، والغاية من كل ذلك هي نشر المحبّة.

 لكن أسوأ شيء وأخطره أن تكون محبّة مغشوشةً. الله تعالى لا يحبّ أبدًا المنافقين والمنافقات، والكافرين والكافرات، والظالمين والظّالمات، هؤلاء هم محترفو الحبّ المغشُوش.

 هكذا يكون الحبّ المغشوش؛ يقول أحدهم "إنّني أحبك حقيقةً"، "صدّقني أحبّك كثيرًا". كيف سنعرف ذلك بالفعل؟ عندما يقول "حقيقةً "، فهذا يعني أنّ ما قاله كذب ويحتاج إلى إثبات ما يقوله. البعضُ تراه يقول "إنّني مجنون"، وربّما يبكي، يقول: "إنّني أموتُ، أفنى تمامًا". هذا هو الحبّ المغشوش.

مصائبُ المسلمين في العالم الإسلامي مصدرُها التعصّب، كلّ فريق يريد أن تكون له الغلبةُ، كلّ جماعة تسعى لأن تهزم الأخرى. وهؤلاء لا يقيمون اعتبارًا للدّين، فلو أقاموا قيمة للدّين فلا إشكال لأنّ الجميع مسلمين، يشهدون أن لا إله إلاَ الله محمد رسول الله. المهمّ أنه مُسلم، مسلمٌ حقيقيّ. لهذا الس   بب فمنهجنا في الدّعوة والعمل هو التّركيز بشكل أساس على المحبّة. يُوجد بعض الشّيوخ الذين يُعقدّون الأمور، يجعلون من الدّين شيئا مخيفًا.

 شيء يحبس الأنفاس، فلا محبّة ولا رحمة ولا شفقة، توجد خرافات قديمة رثّة لا قيمة لها. فمن أين لكم بها؟ " الطّلاق ثلاثًا؟" من أين أتيتم بهذه القوانين؟ من أين استخرجتموها؟ من أين خرجت " ثلاثة".

أردم أَرْتُوزون: ورد في القرآن الكريم على لسان سُليمان عليه السّلام: "إِنّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ". (سورة ص، 32).

عدنان أوقطار: سُليمان عليه السّلام كان لديه 300 زوجة و700 جارية. السّبب الوحيد لذلك هو حبّ الله تعالى، يحبّهم لأنّ فيهنّ تتجلّى محبّة الله فيهم. كان عنده الخيل والطّير، وكان مُتيّمًا بحبّ الله. كان يَعجب من الطير وهو ينظر إليها، كان يُحبّ النّمل حبًّا عجيبًا.

هو يحبّ النّمل، ويُحبّ جميع الحشرات، يُحبّ جميع المَخلوقات التي خلقها الله تعالى. لقد استولى الحبّ على فؤاده. في قصة يوسف عليه السّلام زوجَة فرعون هامت بحبّ يوسف عليه السّلام.

هي تقول:" أُحبّ يوسف، وأهيمُ به"، هي تقولُ : "لنْ أُعاشره جِنسيًّا". يا للعَجب، ما الّذي ستفعله يا تُرى؟ ثم تقول:" أَلقُوه في السّجن"، إلى متى؟  إلى الأبد. هُم لم يحدّدُوا مدَة له في السّجن، يُلقون به في السّجن ثمّ ينسَوْنه. ثم انظر ماذا كانت النّتيجة. يوسف يقول:"إنّي أخافُ الله، لن أرتكب حرامًا". ثم يَفرّ بنفسه فرارًا.

تقول المرأة: "ألقُوه في السّجن إلى الأبد". لماذا، ما الّذي فعله؟ هل قتل أحدًا؟ هل اِغتصبَ؟ ماذا فعل؟ لقد صان عِفّته. أنظر ما صنعتهُ المرأة، هذا ليس حبًّا، إنّه تصرّف بدافع الشّهوة. عاندت، ثم دعت بقية النّساء، كلّ ما يُحركها هو العناد، روح الانتقام. لا يُوجد حبّ هُنا. لقد ظلمت بقيّة النّسوة ، وعندما رأينه قلن :" مَا هَذا بَشرًا إنْ هذَا إلاّ ملَكٌ كَريمٌ".

تأثرت تأثرا بالغًا، لأنّ يوسف عليه السلام كان شديد الجاذبية، جاذبيّة مصدرها الإيمان؛ نظراته تخترقُ كلّ شيء، حادّة وقويّة جدّا؟ نظراتُه مليئةٌ بالحبّ، إيمان يفيض على جميع كِيانه؛ على جسمِه وعينِيه ووجهه، وملامِحِه كلِّها. كلّ شيء فيه ينطق بالجمال، جمال خلَب ألباب النّساء.

هنا ندرك مقدار تأثير فكره وعقله في النّساء، في القصر كان يُوجد رجالٌ يتمتّعون بأجسام فارِعةٍ طولاً وعرضًا، يوجد فلاّحون طولهم يفوق المِترين، رجال عظام ذوو طول فارع وقوة بدنيّة شديدة. لكن النّساء لم تلتفت إليهم، لم تهتم بأيّ واحدٍ منهم في القصر. فماهي ميزة يُوسف عليه السّلام؟ ميزتُه أنّه صاحب عقل ثاقب وإيمانٍ لا يتزحزحُ.

وعندما تقولُ إنّ لديك جاذبيّةً خارقةً وهيبةً كبيرة، وتأثيرًا كبيرًا وقوة كهربائية عالية بسبب عنصر الإيمان، فهذا يعني أنّ قوة التّأثير قد فاضت على الجسمِ كلّه.

هذه الجاذبيّة عجزت النّساء عن مقاومتها، لذلك قُلن: "حاشا لله ما هذا بشرًا إنْ هذا إلا ملكٌ كريمٌ". هناك رجال كثيرون يتميّزون بالوسامة، الفتيان كثيرُون، لكنّ عقُولهم ضعيفة، لا أثر للإيمان ولا للتّقوى فيهم، فعندما رأين ذلك الإيمان في يُوسف عليه السّلام تجلّت لهنّ الفطنة وتجلّى لهم عمق الإيمان.

هذه الجاذبيّة كانت كذلك عند النّبي محمد صلى الله عليه وسلم. حتى المتزوّجات من النّساء كنّ يَنْجذبْن إليه، بعضهنّ تطلقنّ من أزواجهنّ ليتزوّجنه عليه الصّلاة والسّلام. تأمل بديع الزّمان وهو يقول: "إن الذّات التي منحت الزّهور والوُرود حُسنَها هي التي منحت النّحل والبلابل عشقها وجمالها".

ويقول :" إنّ الذي خلَق البُلبل هو الّذي منحه عِشقه". وإلا فإن البُلبل بنفسه لا معنى له، فإذا كان هناك وردٌ فإنّ للورد عِشقًا. والنّاس يُغرمون بذلك العطر الرّائع، وكذلك يتعلّقون بالنّحل. ولكن الإنسان يعشق الورد أكثر، يظلّ يتأمّلها طويلاً طويلاً. ومن فرط حبّي لها أوَدّ لو قضمتُها بفمي.

ويقول بديع الزمان النوسي :" الذي خلقَ الجمالَ الموجود في الوجوه الجميلة ". تأمل، لا شكّ أنّ الذي خلق الجمال في الوجوه الجميلة هو الذي خلق الميل إليها".

يقول مثلا :" إنّ الله تعالى خلق الجَميلات، وخلق المشتاقين الذين يفهمون سرّ ذلك الجمال، ويفهمون قيمته وحقيقته".

وسليمان عليه السّلام كان من بين هؤلاء العَاشقين. وكذلك رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، ولذلك تزوّج كثيرًا.

البعض يريد أن يصوّر بيت رسول الله على أنّه عبارة عن مأوى للعجّز، و"كأنّه كان يجمعُ العجائز". هذا ليس صحيحًا، "كأنّما كان يجمعُ النّساء ذوات الإعاقات "، ما أكذَبَ هذا الحديث.

أمّنا عائشة رضي الله عنها تزوّجت وهي مازالت صغيرة. نساء رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم كنَ شابات، وقليلٌ منهنّ كنّ كبيرات في العمر. رجاءً لنكن أكثر إخلاصًا، عائشة تجوزت في وقت مبكّر، كانت ما تزال طفلةً. خطبت في سَنّ مبكّر، ثم تزوّجت وعمرها 17 أو 18 عامًا.

لاحظ الآن كثرة انتشار القطط والكلاب، هذا لم يكن موجودًا من قبل. لقد كنت أحبّ دومًا القطط والكِلاب. اِنتشَرَ هذا بكثرةٍ، في السّابق لم يكن هناك ميلٌ للقطط، كانت محبّتها ضعيفة. بل إنّ أناسًا كثيرين كانُوا ينفرُون منها. لا يتحمّلون القططَ، ثم في السنوات الأخيرة أصبحَت هناك محبّة فائقة للقطط.

جهاد كون دوغدو: لقد أجري أخيرًا بحثٌ- وأنت تعرف ذلك بلا شك– وخَلص إلى أن النظر إلى صور القطط يُريح النفس الإنسانية.

عدنان أوقطار: هذه المخلوقات رقيقة جدًّا، شكلُها رائعٌ. وفي الجنّة كلّ شيء رائع، الله تعالى يُدخل الجنّة أهل العِشق. النّاس رائعون والنّباتات رائعة، والزّهور رائعة، الهدفُ من الخلق المحبّة. غايتُه تعالى من الخلق المحبّة. لكنّ المتعصب تراه يتحدّث عن الدّين بشكل خُرافي، ولا أثر للحبّ عندَه أبدًا.

هؤلاء لا همَّ لهم سوى كيف يَقتلون وكيف يذبحون، وكيف يُهينون الآخرين، هذا هو الموضوع. فلسفتُهم هي كيف يعمّقون الخلاف فيما بينهم. لا مكان للحبّ في منطق هؤلاء المتعصّبين. كلّ اهتمام النّبيّ عليه الصلاة والسّلام كان مُنصبّا على ترسيخ المحبّة. كان ناجحًا جدًّا في ذلك ومؤثرًا جدًّا. قوّة تأثيره عليه الصّلاة والسّلام كانت في قدرته على زرع المحبّة.

يوسف عليه السّلام كان قلبه يفيض بالمحبّة، وكذلك سُليمان وإبراهيم عليهما السّلام. إبراهيم عليه السّلام مثلاً كان نموذجًا رائعًا للمحبّة، ما إن جاء الضّيوف حتّى اِستقبلهم بتِرحابٍ و محبّة كبيرين رغم أنّه لا يعرفهم. ذبح لهم عِجلاً وأحضرَ لهُم لبنًا و زَبادي. لم يَعرفهم لكنّ المحبّة كانت قويّة عِندَه. كان يفيض على جميع النّاس بالحُبّ والشّفقة.

تأمّل مثلاً نوحًا عليه السّلام، حمل في السفينة من جميع الحيوانات، لهذا السّبب ينبغِي "أنْ نكتب عن التّعصّب ونقرأ ونتكلّم عن هذا الموضوع". ماذا تفيدُ الكتابة والقراءة والكلام إذا غابت المحبّة.

نحن نتذكر الآية الكريمة "كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا"، تخيّل حمارًا مزوّدًا بالمعلومات، لا فائدة تُرجى منه. المحبّة هي روح الحياة، وهي أصل الحياة. تأمّل في السّياسة مثلا، كُلّها كراهية وتعصب وغضب. بينما الغاية من الحياة هي المحبّة. إذا لم تصبح المحبة في المقام الأول فعلى الدُّنيا السّلام، إذا لم يحصل ذلك فسوف تجتاح العالم مظاهر الكراهية والحقد والحروب والإرهاب.

أوقطار ربابونا: أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم "إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَنُ وُدًّا". (سورة مريم، 96).

عدنان أوقطار: ما شاء الله، أجل للّذين آمنوا. يقول تعالى عن موسى عليه السّلام " وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا". (سورة مريم، 13).

جِهاد كون دُوغدو: يُخبر النّبي عليه الصّلاة والسّلام في معنى أحد الأحاديث بأنّه لا يُريد من أصحابه غير المحبّة.

عدنان أوقطار: تأمّل، يُفصِح عن غَايته وهدفه، المحبّة قوّة لا شيء يُضاهيها. المتعصّبون يعتقدون أنَهم سوف ينشرون الإسلام بكثرة الحديث، الإسلام لا ينتشر بهذا الشّكل. النّاس يُريدون أن يَروا محبّتك الخالصة وصِدقك، يُريدون أن يروا حسن لباسك ونظافة مظهرك، وإقبالك على الحياة، وجمال الحياة فيك، يريدون أن يروا الإسلامَ مُطبّقًا في حياتك. عندما يَرون فيك الإسلام هكذا سوف يَقبلونه منك عندما تُحدثهم عنه.

لكن عندما يكون مَظهرك غير لائق وكلامُك لا روح فيه، وشكلُك منفّرًا، وكل شيء فيك سيّئًا، وجوهرك داكنًا، وأسنانك سوداء، فأنت بهذا تزرع بذُور النّفور من الإسلام، ثم تزعَمُ أنّك تفعل شيئا لخدمته. من يفعل هذا يشبّهه الله تعالى بالحِمار الذي يحملُ أسفارًا.

يُمكنك أن تملأ صفحات الانترنت بالكتابات، ويُمكنك أن تنشر الكتابات هنا وهناك، لكن الأمر لا يستقيم هكذا، والإسلام لايسُودُ بهذه الطّريقة، بهذه الطريقة لن تحصل أية نتيجة إيجابيّة.

أندر دابان: في إحدى الآيات يقول الله تعالى، أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم "وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَولِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنّدةٌ" (سورة المنافقون).

عدنان أوقطار :ما شاء الله، أجل كأنهم خُشب مسنّدة. أنظر يقول : "إنْ يَقُولُوا تَسْمَع لقولهم "، بمعنى يَشدّك كلامهم ويُعجبك، لكنّه كلامٌ فارغٌ، لذلك تجد بعض الدّعاة يتصوّرُون أنّ الدّعوة تكون بكثرة الحديث وكثرة الكتابة؛ تَراه في التّلفزيون يطيل في الحديث، ولو أنّه صدق في محبّته لمدّة 15 دقيقة مثلاً لكان تأثيره ملايين الأضعاف. لكن في كثرة كلامه لا تأثير له أبدًا، بل على العكس يُصبح كلامه ضررًا.

عندما رأتِ النّساء يُوسف عليه السّلام تأثّرن تأثرًا بالغًا، كان تأثير يُوسف عليه السّلام الطّاغي بسبب إيمانه. والبعضُ يرد على كلامي بالقول: أستاذي هل تريد منّا أن نكُون مثل يوسف عليه السّلام؟ أجل، ما أجمل أن نتشبّه بيوسف، بالطبع علينا أن نتّخذ الأنبياء لنا قدوةً، ونتشبّه بهم.

خلال سنوات التّسعينات لم نكن نرى في الصّحف ولو آيةً واحدةً، اِرجعوا إذا شئتم وتأكدّوا بأنفسكم. لم يكن يوجد موضوع عن آيات القُرآن الكريم. أنا من بادرت بذلك. أنظر، اليوم جميع الصّحف تتضمن آيات من القرآن الكريم. حتّى الصّحف التّابعة للإسلاميين لم تكن تفعل ذلك. اليوم جميع الصّحف تحتوي على آيات من القرآن، أصبح النّاس يقرأون ويَكتبون، حتّى القنوات التلفزيونية تفعل ذلك.

بلنت سزكين : حتى السّياسيون يفعلون ذلك.

 عدنان أوقطار : بالطبع حتّى السّياسيون أصبحوا يفعلون ذلك.

كارطال كوكتان: الله تعالى يُخبر النّبي عليه الصلاة والسلام بما يلي "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ".

عدنان أوقطار: للأسف البَعضُ لا يفهمُ ما المقصود بهذا. ما معنى أنّك عاملتهم بحِلْم؟ يعني عاملتهم بروح المحبّة، فالحِلمُ يُساوي الحبّ، الكثير لا يستطيعون فهم هذا المعنى واستخراجه من الآية. وكذلك مثلاً "رحمن ورحيم"، بمعنى المحبّة. فمقصد القرآن الكريم كلّه يدُور حول المحبّة، وخشية الله مقصدها المحبّة.

ومن يخشى الله يكون قد مهّد الطّريق لدخُول عالم المحبّة، ومن يتقي الله يحبّ بسُرعة ويُحبّ بسُهولة. لكن بعض النّاس ات يملكون هذه الخاصية لأن الصدق غير موجود، والإخلاص غير موجود، والصبر مفقود، والعفو غائب، لا يوجد شيء من هذا.

نُطق كلمة الحمد "الحمد لله" تَعني الحبّ، نقول "لك الشّكر يارب"، فما معنى الشّكر؟  إذا لم يُوجد داخل هذه الكلمة معنى المحبّة تفقد كل مَعانيها، وإذا كانت مُشبعة بالحبّ تكون مشحونة بكل معانيها.

ما معنى أن تقول: "يا ربّ لك الشّكر"، "نشكُرك يا رب"؟ يعني أُحبك حبًّا شديدا، يعني "أنني أُفضِي إليك بحبي"، يعني "أنّني سعيد". وماذا يعني "أنّني سعيد"؟ أنا سعيد لأنّني أشعر بالحبّ. أحدُهم يقول مثلا "مبروك لك" أو "أقرّ الله عَينَك". هذا معناه الحبّ. ماذا يعني السّلام؟ معناه الحُبّ لأن المقصود من ذلك هو "لنْ يَمسّك منّي سوء، ولن يمسّني منكَ سوء". هذا يعني الطمأنينة والسّعادة، يعني "كُن سعيدًا"، بمعنى تمتّع بالسّعادة، بمعنى لتَغمرك المحبّة.

هلْ يُمكن لمن يقف في نقطة واحدةٍ أن يعيش السّعادة؟ لو تأمّلت لوجدْتَ كلّ كلمة تغُوصُ بك لتصل إلى أعمق معنى وهو المحبّة. لو نظرت في القرآن لوجدت هذا المعنى في جميع الآيات، والأمر نفسه بالنّسبة إلى الإنجيل.

القُرآن الكريم يمهّد للمحبّة بخشية الله تعالى ومحبّته، وفي الإنجيل نجد حديثا مباشرًا عن المحبّة. أما التّوراة ففيها حديث عن المحبَة والخوف في الوقت نفسه.

أوقطار بابونا: أستاذي لقد قلت في موضوع خشية الله "إنه خوف من فقدان محبّة الله".

عدنان أوقطار: مَخافة الله تعالى هي التي تشكل البناء الأساس لكلّ محبّة؛ فبسبب مخافة الله تصبر وتكون شفوقًا، وتُساعد الآخرين وتكون كريمًا، وهذه الأشياء هي التي تشكلّ الأساس لكل محبّة. أنت تُعطي هديّةً مثلاً، تُكرم فقيرًا، فماذا يحدث؟ أول شيء يحبّك هذا الفقير. ماهو أوّل شُعور تُجاهك؟ إنّه الحبّ، والشّكر.

فماهو الشّكر؟ علامتُه أن تتلألأ العُيون من الفرح بسبب الحبّ الذي نشأ تُجاهك، في لحظات سريعة نشأ في قلبهِ حبٌّ تُجاهك.

رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول "تَهادُوا تَحَابُّوا". فماهي الغاية؟ إنها المحبّة.

كوك آلب بارلان: يقول الله تعالى في إحدى الآيات، أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم "والعَافِينَ عَنِ النّاسِ ".

عدنان أوقطار: ماهي الغاية؟ إنها المحبَة من جديد، تُسامح وتَعفُو، وبذلك ترفع الحواجز بينك وبين الحبّ، ترفع ذلك الجدار عندما تعفو وتُسامح.

يقول الله تعالى "خُذْ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْف وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ (سورة الأعراف، 199). ماذا يحدث عندما نعفو؟ تزول الحواجز أمام الحبّ، وتتوحّد مشاعر المحبّة. "وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ". الإنسان الشرير يَجتاحُ روحَه الظّلام، ويموت الحبُّ بداخله، وعندمَا تُعرض عنه تُحافظ على الحبّ، "وأْمُرْ بِالعُرْفِ".

ماذا يحدث عندما تأمر بالخير؟ يزيدُ الحبّ ويتوسّع. كل شيء مبنيّ على الحبَ، وعندما تَعرض أنت الحبّ بشكل مباشر تكون قد حقّقت الهدف سريعًا، تكون قد اقتحمت الجمال، لذلك يتعيّن اعتبارُ الحبّ هدفًا مباشرًا. كل آية تقرأها تجد أنّ المحبّة كامنَةٌ فيها.

كوك آلب بارلان: في إحدى الآيات يقول الله عزّ وجلّ، أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم، "اِدْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَن فَإذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ".

عدنان أوقطار: هل تعرف ما معنى صديق؟ يعني الشّخص المحبّ. الغاية الوحيدة هنا هي الحبّ، أن تتوطّدد الصّلة بغيرك، وإلاّ فما الذي يجعل صيدقك يتّخذك صديقًا غير المحبّة؟ فأنت بمحبّتك ترفع كلّ الحواجز، ليكون الحبّ بينكما خالصًا.

بلنت سزكين: أستاذي، أنت قدّمت نموذج أرْمينيا "نحنُ نقولُ لنتوحّد، لكن لا يُمكن المطالبة بأراضي قبل تحقيق الوِحدة". هذا ما قلتَه. "هذا يُعدّ إظهارًا  لسُوء النّية وغياب المحبّة.

عدنان أوقطار: هذا لا يُعدّ حبّا، البعضُ يقول "العلاقاتُ تكون مبنيّةً على المصالح". يا هذا، هذا يعني أنّها مبنيّة على الأنانيّة، وعندما تُبنى على الأنانيّة فلا وُجود لمحبّة.

بلنت سزكين: أعوذُ بالله من الشّيطان الرّجيم "... وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا" (سورة الفرقان،33).

عدنان أُوقطار: الكافرُ يتعنّت، إنّه اِمتحانٌ من اِمتحانات الحياة الدّنيا، من

الصّعب الحديث مع شخص مُتعنّت، هذا الأمر يتطلب صبرًا واِنتباهًا كَبيريْن. يتعيّن على المرء أن يعرف بالتّحديد كيف يفنّد كلامه، وهذا يتطلب بحثا وتعبًا. تفنيد كلامه لا يكون في نقطة بعينها، بل يكون تفنيدًا شاملاً للكلام كلّه بواسطة الدّليل. أحيانا لا تكفي الآية للإقناع فيتعيّن اِستدعاء المنطق واستخدامه استخدامًا جيّدًا "وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً".

هناك صنفٌ من هؤلاء المُسلمين عقُولهم ضعيفة، وطبيعيّ أن يكون وضعُهم مؤلمًا، فهم يتساءلون "لماذا هذا الشّيء على هذا النّحو؟". ونحن نبيّن ذلك بالدّليل من قرآن. لكن "حسنًا هل سيكون بمقدُورك فهم منطق كلّ الأشياء"؟ بالتأكيد ليس بإمكانك إدراك حقيقة كلّ ما خلقه الله تعالى. فمثلا مسألة اللاّزمان، هل يمكنك فهمُها؟ لا يمكنُك ذلك. هل بمقدورك حلّ مسألة "اللاّنهاية"؟ مهما تقدّمت لا تُوجد نهاية. لا يوجد أيّ شرح لذلك. هذا الأمرُ لا يمكنُ إدراكهُ بالعقل.

البعض يقول: يمكنُني أن أفهم ذلك، بما أوتيت من عقل ودماغ، دماغي الذي وزنه 400غ أو 500غ. بذكائك وعقلك هذا غيرُ ممكن، عمومًا نحنُ نشعر بذلك ونفهم لكن لا نستطيع أن نشرحه ونبيّنه.

يقول الله تعالى في الآية 74 من سورة مريم "وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ"، بمعنى هؤلاء تم إفناؤُهم، لكن من قَبلِهِم، من قَبْل مَنْ؟ قبْل فِرعون، قبل 5000عام و10 آلاف عام.

يقول الله عزّ وجلّ "هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا " (سورة مريم، 74). البَعضُ يقولُ إن البشر القُدامى كانوا على هيئة قِرْد. بينما الله تعالى يقول إنهم كَانُوا "أحْسن صُورةً" بمعنى في أحسن تقويم، ثمّ بعد ذلك فسّد النّسل.

النّاس أسَاؤوا العمل، وهذا ما ورد كذلك في معنى أحد الأحايث الذي يقول إنّه "في آخر الزّمان يفسُد العمل لدى النّاس". هذا صحيحٌ، فالعملُ لدى الأمريكيّين مثلاً تَراجعت قيمتُه، كان في الماضي جيّدًا، لكنّه فسد حسب ما نرى. تراجع بما نسبته 80 إلى 90 بالمائة.

الله تعالى يقول "وَإذَا رَأْيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ". يلبسُون جيّدًا، هيئاتهم حسنة. ليكن ذلك، لكن أين العقل؟ العمل ليس شيئا صعبا؟ خياطة القماش، نسج الزربية، صناعة الزينة، يمكن كذلك استخدام الجلد، فالجلد لباس أنيق جدا، يضفي على صاحبه جمالا رائعا.

بلنت سزكين: يقول تعالى "وَإذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً".  (سورة الفرقان، 41).

عدنان أوقطار: الكافر في هذه الدّنيا وسيلة لامتحان المسلمين. هؤلاء لا همّ لهم سِوى السّخرية من المسلمين، فمهما كنت غنيّا أو فقيرًا، عالمًا أو جاهلاً ما إن تلتزم بدينك حتّى تبدأ السّخرية؛ فهو يسخرُ إن قُلت مثلاً "إن شاء الله"، ويسخر إن قلت "بإذن الله"، ويسخرُ إن قلت "إنّك تقرأُ القُرآن"، ويسخر إن قلت "إنّني أُصلَي". ولكن إلى متى يسخرُ؟ فهو سوف يمُوت ويمضي إلى الآخرة، فالكارثة سوف تحلّ به هو، إنّها الفاجعة. يعني سوف تلحق به خسارةٌ عظمى. فما الدّاعي للسّخرية؟ لكن الله تعالى أخبرنا أنّ السّخرية كانت موجودة منذ أن ظهر الإنسان على وجه الأرض.

والآن ما إن تَذْكُر موضوع المَهديّ حتّى يَضحك  البعضُ ساخِرِين، ما إن تذكره حتى يتساءل ساخرًا، "متى موعد خُروجه؟"، لقد أعمى الله بصيرته، وأذهب نور عقله.

نحن نرى الإسلام ينتشر في أنحاء العالم كلّها، لكن كثيرُون لا يُدركون ذلك، أعمى الله أبصارهم وبَصائِرَهم. وقد جاء في الآية 24 من سورة فاطر قوله تعالى :"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ".

ما معنى بالحقِّ، يعنِي بالقُرآن، ومَا معنى بشيرًا؟ بمعنى بانتشار الإسلام وسيَادته على العالم، يعني بخُروج المهدي عليه السّلام. بنزول عيسى المسيح عليه السّلام، بالجنّة وبرضاء الله تعالى.

وما معنى "نذيرًا"، مُنذرًا فقط، هذه هي مهمّة المؤمن، لا يزيد عليها شيئًا، ولا ينقُص منها شيئا. "وَإِنْ مِنْ أُمّةٍ إِلاَّ خَلاَ فيهَا نَذِيرٌ". لم تبقَ للنّاس أيّة حجة، فالجميع وصلهم البَلاغ.

أذكر جيّدًا في فترة طفولتي كانوا يسخرُون من أهل الدّين، يسخرُون من الحجاب، ويسخرُون من اللّحية، أمرُهم غريبٌ كأنّهم مُجبرون على تلك ، كانوا مُصرين على الاستهزاء، لكن أنظر إلينا نحن، أبدًا لا نسخرُ من الشّيوعيّ، هذا لا يخطُرُ ببال المسلم. لكنّ الملحد ما إن يرَى المُسلم حتّى تتملّكه الرّغبة في السّخرية منه. أمرٌ غريبٌ فعلاً.

ما الّذي كان ينبغي للمُلحد أن يفعله؟ عليه أن يقول ببساطة "ماذا يهمّني، لأنشغلْ بعملِي وشؤوني" لأنّه لا شيء يخصّه، لكن من حكمة الله أن يحدُث الاستهزاء.

عندما نقول إنّ عيسى عليه السلام سوف ينزل يتّخذون ذلك هزوًا. وعندما نتحدث عن عيسى المسيح عليه السلام وأنّه سوف يظهر ترى كثيرًا من الناس ينفجرُون ضحكًا وقهقهة.

فما الذي يدعو للضحك؟ هل تَضحك على عجزك وضُعفك، ثم إنه لا يُوجد منطق للإنكار، ولا منطق للضّحك. لكنّ المؤمن يوقن بذلك لأن العلامات ظَهرت، تُوجد علامات، وتُوجد دلائل. الكافر يترُك كلّ شيء ليسخَر من المؤمنين. والمفروض أن يهتم بنفسه وشؤونه. همّه أن يُنغّص على الناس حياتهم، وأن ينفُث سمومه وأدرانه، هذا هو شأن الكافر.

في الآية 59 من سورة الزُّخرف يقول الله تعالى :"وَلَمَّا ضُرِبَ ابنُ مَرْيَم مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ". أنظر، الله تعالى لم يقل "يَبْتَسِمُون" بل قال "يَضحَكُون بصوت عالٍ". 

أندردابان: يقول الله تعالى في إحدى الآيات، أعوذُ بالله من الشّيطان الرّجيم:" وَلَتَسْعُنَّ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا".

عدنان أوقطار: الله تعالى يَقولُ ذلك، أكيدٌ، لا شكّ أنّ ذلك سوف يحدُث. ماذا يعني هذا؟ يعني أنّه قانون، لابدّ لِمن يُبلغ الدّعوة أن يتعرّض للسّخرية. كيف تكون داعيةً ولا علم لك بالقرآن. أنظر مثلاً، أنت تطأُ بقدمك فيخرُج صوتٌ بسبب ذلك، أليس كذلك؟ وأنت عندما تدعُو سوف يُصادِفُك من يسخَرُ منك، هذا قانون الله تعالى.

ماذا يحدث عندما نصبّ الماء على النار؟ تخمد النّار، أليس كذلك؟ هذا قانون الله تعالى. وعندما تدعو النّاس سوف تجد من يسخر منك بلا شكّ. فلماذا تعجبُ من هذا؟ ثم تقولُ :"إنّ مزاجي قد تعكّر". أنت هكذا لا علم لك بالقدر، ولا علم لك بالقرآن. عليك أن تحمد الله لأنّك ترى معجزةً. إنّ ثوابك هكذا يزيدُ، بينما يزيد إثم المُستهزئ. أليس غايتك كسب الثّواب؟ حسنًا ثوابُك سوف يزيد. فماذا تريد أكثر؟ تقول أصابني الغمّ. هل يغتم المرءُ وقد زاد ثوابه وأجرُه.

جان داغ تكين: يقول الله في إحدى الآيات: أعوذُ بالله من الشّيطان الرّجيم "وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُم الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (سورة آل عمران، 139). في هذه الآية يتبيّن أنّ الحُزن حَرام.

عدنان أوقطار: بالطّبع، المُسلم يَدعُو، يقول "أصَابني الغمّ". مالذي يُجبرك على ذلك؟ عليك أن تختار بين أن تحزن أو لا تحزن. أنت تختار ماهو صعب، ما يدعو للضّيق، ماهو حرَام. لماذا لم تختر ماهو سهل؟ اختر السّعادة، أليس هذا أجمل؟

كوك آلب بارلان: يقول الله تعالى في شأن المُتساقطين على طريق الدّعوة. أعوذُ بالله من الشّيطان الرّجيم "إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انقلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ" (سورة المطفّفين، 29- 36).

عدنان أوقطار: هنا يَرى المؤمنون اِنتقام الله من المُستهزئين، يُرِي المُؤمنين عدالته لكي يزيد حبّهم له. أنظر، الغاية مجدّدًا هي المحبّة. الله عادل، أنفذَ عدله. الحمد لله الذي أحلّ العدْلَ محلّه، هذا لكي يحبّ النّاس الله، ويرون عدالته في الأرض.

أندر دابان: لقد بيّن الله في إحدى آياته أنّ من خصائص المؤمنين عدم خوفهم من إساءات المُسيئين.

عدنان أوقطار: بالطّبع، لماذا تأسى لإساءة المُسيئين؟ لماذا تخاف؟ فأنت تؤدّي عبادةً. أُنظر، الله تعالى يقولُ في الآية الخمسين من سورة المائدة "وَإِذَا نَادَيْتُم إلَى الصَّلاَةِ اِتَّخَذُوهَا هُزوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأّنَّهُمْ قوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ".

هل يجوز أن نسخر من أحدهم عندما يذهبُ إلى الطّعام؟ بالطبع لا، أو عندما يخرُج إلى التّجوال أو اللّعب أو اللهو، أو عندما يقول سأذهبُ لمزاولة الرّياضة، ما الدّاعي للسّخرية؟ لماذا تصبح الصّلاة مَدعاةً للاستهزاء؟ لكن هذا ما يقرّره الله تعالى، هذا قانون خلَقهُ الله تعالى.

والمؤمنُ يصبرُ، نعم يصبر، والصّبرُ يختلفُ عن التّحمّل، والذي خلق، ذلك هو الله. ويتعيّن فهم ذلك وإدراكه لكي نستشعر قيمة هذه العِبادة.

أوقطار بابونا: يقول الله في أحدى الآيات، أعوذُ بالله من الشّيطان الرّجيم. "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ" (سورة البقرة، 13).

عدنان أوقطار: في الأيام الماضية أحدُهم كتبَ شيئًا حيّرني تمامًا، ورَد في الآية 14 و 15 من سورة البقرة "وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا" فهم يقُولون للمُسلمين إنّمَا نحن معكُم، ويقولُون للكَافرين "إنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ". ثمّ يأتي أحدُهم يقولُ: "الحمدُ لله أُستاذِي، نحنُ مُسلمُون".

تجد أحدَهم يزعم المُحافظة على الصّلاة ظاهرًا ثمّ هو في سرّه يضحكُ، أنظر، فالله تعالى يقولُ: "اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ" (سورة البقرة 15).

تأمل، "اللهُ يستهزئُ بهم"، يعتقدون أنّهم يسخرُون، لكنّ الحقيقة ليست كذلك، فالله هو الذي يستهزئ بهم, فالله هو الذي خلقهُم، وهو الذي يمدّهم في طغيانهم يعمَهون.

في الآية العاشرة من سورة الرّوم يقول الله تعالى "ثُمّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ". أنظر، يَسخرُون من آياتِه كذلك. مَا الّذي يُزعجك في الآيات حتّى تسخرَ منها.

يبين الله تعالى أنّ الّذين استهزؤوا بآيات الله كانت عاقبتهم وخيمةً، كانت عاقبتهم سيّئة جدًّا. وهم في جهنّم يسأل بعضهم بعضًا عن هذا المصير.

يقول الله تعالى في الآية 63 من سورة ص "اِتّخَذْنَاهُم سِخْرِيًّا"، ثم يقول سُبحانه "أمْ زَاغَتْ عَنْهُم الأَبْصَارُ" أين هؤلاء؟ هؤلاء في جهنّم يتساءلون.

"وقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَار" أيْن هؤلاء؟ فنحن كنا نسخرُ منهم. "اِتّخذنَاهم سِخريًّا أمْ زاغَت عَنهُم الأَبصَارُ". يقولون: هل أصاب عيُونَنا شيئٌ فلا نَراهُم؟ ثم يقول الله تعالى "إنَّ ذَلكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ". ثم ينظرون، فإذا المسلمُون على أرائك يَجلسُون، ويُراقبون ما يحدُث ضاحكين، فإذا بهم يَرون الّذين كانُوا عنهم يَبحثون، يُنبّههم الله تعالى أنّ ها هُنا من كنتم عنهم تبْحثون، فأنظروا إليهم وهم على الأرائك يَضحكُون.

بلنت سزكين: المُسلمون يسمعُون ما يدور بينهم من حديث وهم في الجنّة، أليس كذلك؟

عدنان أُوقطار: بالطّبع، ولكنّهم لا يَعرفون ذلك، هُناك يُحاول الكَافرون الفرار من النّار، هكذا ذكَرَت الآية حالهم في جهنّم، حالٌ يُثير الضّحك والشفقة، والمُسلمون يضحكُون منهم.

هناك سوف يتعثّر وينقلبُ في شيءٍ يشبه السّلالم، ويسقط أرضًا ويعثُر في حفرة فتُمسكه، ويمكث فيها، يُحاول الهُروب، هو يتصوّر أنّه قادر على الفرار من جهنم، يظنّ نفسه فَطِنًا. الله تعالى يجعُله عُرضةً للضّحك بأشياء لا يتخيلها.

أردم أرتوزُون: يقول تعالى في إحدى الآيات "إِنْ يَثْقَفُوكُم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ بِالسُّوءِ" (سورة الممتحنة،2).

عدنان أوقطار: إِقْرأ مرّة أخرى.

أردم أرتوزون: "إِنْ يَثْقَفُوكُم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ بِالسُّوءِ" (سورة الممتحنة،2).

عدنان أوقطار: بأيديهم وألسنتهم، يعنِي يَبطِشُون ويسُبّون، ويوقدون نيران الفتنة ويتلفظون بكلمات بذيئة، يعملُون على إغاضة الآخرين وجرح مشاعرهم.

كوك آلب بارلان: يقول تعالى "وَإذَا خَلَوْا عَظُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ"  (سورة آل عمران، 119).

عدنان أوقطار: بالطّبع، الله عزَ وجل يقول في الآية 212 من سورة البَقرة "زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا" (سورة البقرة، 212).

أنظر، يقول "لِلّذينَ كفَرُوا"، "ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا"، هذا بمثابة المرَض "والَّذينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْم القِيَامَةِ"، هؤلاء سوف يذُوقون عذاب جهنّم في ذلّ كَبيرٍ.

المؤمنون سوف يطّلعون عليهم وهم على أرائكهم. الآية تصرّح بذلك، جاء في الآية الخامسة من سورة الأنعام "فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقّ لَمَّا جَاءَهُمْ"، يمكن أن يُقال هذا عن المهدي عليه السّلام. "...فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون". هم سوف يسخرُون من المهدي عليه السّلام، وسوف يأتي، وسوف يسخرُون من عيسى عليه المسيح، وسوف يأتي، ويسخرُون من الإتّحاد الإسلامي وسوف يتحقّق. لم يبق إلاَ وقت قصير جدًّا على بزوغ نُوره.

وفي سورة يس الآية 30 يقول الله تعالى "مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ". يعني كلما أتاهم داعيةٌ، يعني مهديّ، لكن الله تعالى لهم بالمِرصاد "إنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ" (سورة الحجر، 95).

 المُسلمون هم المنتصرون في النهاية بعلْمهم وعِرفانهم وعَقلهم وفِكرهم.

كوك آلب بارلان: أُستاذي، التّهمة الأخرى هي الجُنون، كلّ رسول يأتي يُقال له "مجنُون".

عدنان أوقطار: شيء عجيب، يقولون مجنون، عن كلّ نبيّ بدون استثناء، يسخرون منهم جميعًا. لم يسلم أحدٌ منهم من هذه التّهمة. ما الحكمة من ذلك؟ وفي الآخرة سوف يعرفُون من المجنون ومن العاقل؟

أندر دابان: في إحدى الآيات يُخبر الله تعالى بما يلي "أَمْ حَسِبْتُم أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَثلُ الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ" (سورة البقرة، 214).

عدنان أوقطار: ما شاء الله.

مراد كايهان؛ المسلم قد يكون فقيرًا وقد يكون غنيّا، نبينا عليه الصّلاة والسّلام كان فقيرًا في البِداية "وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى" (سورة الضحى، 8).

والمسلمون يتجلّدون بالصّبر حتّى في الأوقات الصّعبة. وفي الغنى يتجمّلون بالأخلاق الفاضلة. نبينا عليه الصلاة والسّلام عاش لسنوات فقيرًا ويتيمًا، طفُولتُه كلّها في الفقر.

بلنت سزكين: يقول الله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوفِ الجُوعِ". (سورة البقرة، 155).

عدنان أوقطار: بالطبع، أجل، إلى هنَا ننهي حلقة اليوم من برنامجنا.

كوك آلب بارلان: وصلنا إلى نهاية برنامجنا "لقاءات شيّقة"، وإلى اللقاء مجدّدًا غدًا. أسعد الله مساءكم جميعًا.

2015-08-31 10:29:15

عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top