لقاءات شيقة مع عدنان أوقطار، 16 يونيو 2015م

لقاءات شيقة مع عدنان أوقطار، 16 يونيو 2015م

أندر دابان: السّادة المشاهدون مساء الخير، نبدأ برنامجنا لقاءات شيقة، أهلا ومرحبًا بكم سيّد عدنان.

عدنان أوقطار:  أهلاً وسهلاً بكم، عمّ تحدثنا بالأمس ؟

بولنت سزكين : السّحرة وفرعون.

كرطال كوكطان: لقد تحدثتم عن نظام فرعون، وكيف يسير ويجري في عصرنا هذا، وكيف ظهرت في الشّخصيّة المساعدة المؤيّدة والإعجاب بالدولة.

أندر دابان: تحدّثتم عن الإعجاب الذي يكنّه البعض لقوة الكُفر.

أوقطار بابونا: هذا نابع من اعتبارهم الدّولة  مثل الإله.

عدنان أوقطار: إنّ الأصنام في هذا العصر تمثل وحدة الدّولة، أي أنّ شعب الدّولة يجتمع حول هذه الأصنام، أي أنّ الأصنام  مثل الملهى مثل دار النّدوة، ويحترمون  هذا الصّنم ليس لأنّهم يعبدونه بل لأنه بالنّسبة إليهم مثل دار النّدوة. وعلى سبيل المثل ففي عصر رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يوجد أربعة أصنام، وصنم مشهور. وهي أصنام الدولة الرّسمية، أي الأصنام التي تقرّها وتدعمها الدّولة، فمن يدافعون عن هذا الصنم يكونون مدافعين عن الدّولة. فالدولة تساوي الصنم، والصنم يساوي الدّولة، فهو مرتبط بالدولة متداخل معها. والدّول الحديثة في حاجة إلى صنم بين حين وآخر. ولهذا  شكّلوا وعملوا أصناما عدة في بعض البلدان ليجتمع الشعب حول هذه الأصنام، أي أنّ هذا الأمر  يعطى الشّعور بالوحدة في هذه الدّولة، ويؤكد على الشعور بالوحدة. أي أنّ الأصنام شيء يجب أن يجتمع حوله النّاس، أي أنه مجتمع بلا دين. ولكن المجتمع المشرك يجب أن يكون له معتقد، يجب أن يكون له فلسفة، يجتمع حوله مثل النادي أو دار النّدوة، فيقول أحدهم للآخر "أي صنم تعبد؟"، ويقول آخر: "أيّ صنم تتّبع؟" فيقول "إنّه يعبد الصّنم نفسه الذي يعبده". في تلك اللحظة تتكون بينهما رابطة مثل رابطة الأخوّة، أي يكون بينهم صداقة وأمان وثقة، أي مثل كلمة السّر. وعلى هذا من لا يعبد هذا الصّنم يكون متمردًا على الدّولة، ويعدّ من الذين لا يعترفون بالدولة. وعندما يكون الصّنم وحيدًا يكون بلا قيمة بالنسبة إليهم، أي أنّه لو كان صنما من الحجر لا يرضون به، لكن عندما تمثله الدولة فيصبح مهمّا ومقبولا. ولهذا يقفون له احترامًا، وينظفون المكان الذي يوجد فيه الصّنم ويعطرونه بالعطور ومنهم من يجلب له الطعام ويضعه أمامه في الأطباق، وبعضهم يذبح له القرابين  ويقدمها للصّنم. ولكن هذا يتم إعلانه بالطبع فيقول " فلان جاء، وفلان ذبح ناقة للصّنم"، وهذا الأمر يزيد من احترامه عند الدّولة وعند الشعب بصورة كبيرة، فيصير من المحترمين. أي أنّه يكون قد خدم النّادي أو دار الندوة، وهو يعلم ما هو الصّنم وما يكون، وما يفعله هذا الشّخص ليس لإيمانه بالصنم. نعم أسمعك.

أندر دابان: فالرّسل القادمة تحطم أصنام عبدة الأصنام، ودائما ما يعارض أكابر عبدة الأصنام الرسل القادمين المرسلين إليهم لأنّهم جاؤوا ضدّ الأنظمة الموجودة السائدة، فيقولون للرّسل دائما "أتريدون أن تغيرّوا ديننا؟" .

عدنان أوقطار : لأنّه عندما تتحطم الأصنام،  تسقط رموز الدّولة، أي أنّ أصنام الدولة تكون مثل أعلامها، فإذا سقط العلم واستولى العدو عليه تكون الدّولة قد سقطت وانتهت.

أوقطار بابونا: سيدنا إبراهيم عليه السّلام يكسر الأصنام كلها، ولا يدع إلا كبيرهم بإذن الله.

عدنان أوقطار: ولكنه يفعل هذا الأمر لمناورة وخطة في نفسه، أي أنّه فعل هذا الأمر ليستهزئ بهم. وهذا لأن روح أهل هذا النادي تتطور بصورة عجيبة لدرجة أنّهم يقفون احتراما لأشياء غير منطقية، فاستخدمه للاستهزاء بعقلية أهل هذا النادي الغريبة، فهم بالطبع لا يؤمنون بالصّنم، أي أنّه ليس شيئا يؤمنون به، فهو يفعل هذا الأمر للاستهزاء بهم فحسب، فيضحك منهم. وبمجرد ما يقول هذا يهجمون عليه. فالرجال هناك يرون أنّ سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يقل الحقيقة، فيقولون "من فعل هذا بآلهتنا"  فيقول "بل فعله كبيرهم"، فيفعل هذا الأمر ليُظهر لهم مقدار بؤسهم وضلالهم. فهكذا تكون قد حقّرت الدولة، وما فعله هو هجوم على الدّولة، أي أنّه قد استهزأ وحقّر  نظام الدولة من أساسه. وفي ذلك الوقت تقوم الدّولة بحماية نفسها من الذين يحقّرونها وحماية النظام. وفي هذا الوقت قالوا "لنحرّق إبراهيم" لأنه لو حرقنا إبراهيم نكون قد حمينا هيبة الدولة، نكون قد كسبنا القوة من جديد. ولقد حُقّرت الدّولة أكثر لأنّهم لم يستطيعوا حرقه عليه السلام، ولهذا صار سيدنا إبراهيم عليه السّلام حاكما هناك، بمعنى أنّ النّظام قد وُضع وصُنع بهذا الشكل في أغلب الأحيان، اقرأ الآية ولنتحدث بعدها.

بولنت سزكين: أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرجيم "أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا "(سورة الفرقان،44).

عدنان أوقطار : يقول هذا عن الشّعب بصورة عامة "هل تحسب أنّهم يسمعون أو يستخدمون عقولهم، أي أنّهم تعلقوا بالأصنام لدرجة أن عقول أهل النادي وأرواحهم وحواسهم أصبحت  عديمة الشّعور، حتّى إن أحاديثهم تكون من بروجهم العاجيّة. ولأنّهم يشعرون أن قواعدهم هذه غير منطقية بالمرة، ومع هذا فهم يقدّسونها إلى أقصى درجة، فقد جعلوا من هذه المبادئ والقواعد أصناما فيمكنهم عمل ضجة كبرى لأبسط شيء قد يكون مضحكًا مسلّيًا، وعلى سبيل المثال العبادات المضحكة ، والحركات المضحكة يكون لها تقدير كبير واحترام كبير، أي أنّ النظام يستمر لأن أحدًا لم يخرج ولم يقل الحقيقة. ولكن النّبي قد عرّى النظام من جذوره لأنه حقّر الأصنام، فالأنبياء يملكون شجاعة كبيرة غير عاديّة.

يقول جاهد أصلان: "شيخ عدنان أنت إنسان لطيف وطيب، ولكن  لماذا لا تحب ولو قليلاً حزب الاتحاد الدّيمقراطي"؟ فهذا الحزب لا شيء عليه، المشكلة في حزب العمّال الكردستاني". وأقول: لا يوجد شيء يسمّى حزب الاتحاد الدّيمقراطي، ما يوجد هو حزب العمال الكردستاني.  وقد جعلوا منه صنمًا، وجعلوا من حزب الاتحاد الدّيمقراطي وحزب العمال الكردستاني أصنامًا، فقد جعلوا من عَلَمهم صنمًا ومن عبد الله أوجلان صنمًا. ويسأل بعضهم بعضا "من الشّخص الذي تتبعه؟"، فيرد قائلاً: "بالطبع إنّه  عبد الله أوجلان". حسنا، وما الحزب الذي تتّبعه ؟"، فيقول: "اتبع وأؤيد الحزب الفلاني". لقد صار هذا الأمر عبارة عن صنم. فيردّ عليه: "أنت تحبّ هذا الصّنم، ولهذا فأنا أيضا أحبّك"، فتتكوّن علاقة بينهم مثل علاقة الأخوة، وفي هذا الوقت يجتمعون حول الصّنم، فكلّهم يعلمون ما هو الصّنم. والأصنام مكروهة في كل مراحل تاريخ العالم، ولكن يتم إظهار الاحترام المزيف لها لأنّها تكون جامعة وموحدة لمن حولها.  والشّعب كله  يكره حزب العمال الكردستاني، أي أنّه من المستحيل أن يشعر المستخدم للعنف بالاحترام والتقدير للمُجتمع والبشر.

عندما تستخدم الدّولة العنف يكرهها النّاس، وعندما تستخدم الدّولة القوّة تجاه شعبها يثور عليها الشّعب، هذا هو الحال في جميع أنحاء العالم. ولو أن الدولة تتصرّف بمودة مع الشّعب فستكون صديقة له. وعلى سبيل المثال  فحزب العمال الكردستاني يستخدم العنف، فتظهر الكراهية الموجودة في طبيعة الإنسان، فيكرهه النّاس على الفور، فمن المستحيل أن يبقى له حب في قلوبهم. من أراد الدّموع والدماء تنشأ ضده كراهية بشكل طبيعي؟ وعلى سبيل المثال فقد قالوا لسيدنا هود عليه السّلام "يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" (سورة هود، 53) فما هو الإله؟ هو رمز النظام الذي يحقق الوحدة بين  كل مكونات الأمة. وعلى سبيل المثال يوجد في إنجلترا مثل هذه الأصنام، ويجتمع حولها الشّعب، ويصنعون لها أصناما صغيرة، هم يصنعون أصناما من البشر. وعلى سبيل المثال يرى الرّجل الصنم فتعتريه جنّة، فيصيح ويصرخ ويُلقي بنفسه على الأرض. ولا يحدث ذلك لأن الصّنم شديد الأهمية، ولكن يتمّ الاعتقاد في الصنم عند عبادته، وتصير مثل هذه الأفعال نوعًا من العبادة.

وعلى سبيل المثال يخرج أحدُهم فيُلقي النّاس بأنفسهم على الأرض ويصرخون بكل قوتهم. ولأنّ الصنم قد خرج  جعلوا منه إلها، فلا يوجد هناك شيء، فإنهم بؤساء مساكين ليس لديهم أيّة خاصّية من خصائص البشر. ولكن حفلات استقبال الصّنم قد صُمّمت بطريقة تثيرهم وتدهشهم، فيجتمعون حول هذا الصنم، ويسأل بعضهم بعضا:"هل تحبّ هذا الصّنم؟ فأنا أحبّه كثيرا"، وأنت؟ فيقول: "وأنا أيضا أحبّه كثيرًا"،  فيقول: "يُوجد لدينا غدًا اجتماع عند الصّنم فلنذهب إلى هناك". وعند رؤيتهم للصّنم تعتريهم جِنّة، فمنهم من يصرخ ومنهم من يبكي، ومنهم من يُلقي بنفسه على الأرض. ولو لم يعرفه باعتباره صنمًا وذهب مثلا إلى منزله لزيارته لشُدّد عليه النّكير وطُرد وقيل له: "ماذا تريد هل، أنت متسوّل؟"، ولكن عندما يتعامل معه باعتباره صنمًا فإنّما يعتريه الجنون.

وعلى سبيل المثال فإنهم يكوّنون العديد من الأنظمة، أنظمة الأصنام؛ فأنظمة الأصنام يكون لها ملابسها الخاصة وحلاقة الشّعر الخّاصة بها وموسيقاها الخاصّة  بها. وعندما يجتمعون حول هذا الصنم يحدث اتّحاد ما. إنّ أجواء هذا الاتّحاد تزيد من حماستهم. وعلى سبيل المثال يقول أحدهم: "فلنعبد الشّيطان"، طبعًا ليس هذا لإيمانهم به، فعبدة الشّيطان يعبدونه ليس لإيمانهم به بل لصناعة شيء يجتمعون حوله. فالشّيطان لا يُقنع أيّا منهم، ولا يرضى بالاعتقاد به، ولكنهم في حاجة إلى شيء يجتمعون حوله فيفعلون هذا، فيخرج عليهم أحدُهم فيضع قواعد ومبادئ يُظهرون جميعًا لها التّقدير والاحترام.

وعلى سبيل المثال يقول أحدهم: "يجب عليك قتل قطّة؟"، فينفذون كلامه، ثم يقول: "اقتلوا كتكوتًا" فينفّذون جميعًا ويتبعون جميعا التعليمات نفسها. جميعُهم يعرف أنّ هذا أمر كريه، ويعلمُون أنّه أمرٌ مخيف وعبثيّ، ولكن التعليمات قد صدرت واَنتهى الأمر. هكذا يكون الحال في نظام الصّنم، فلن تكون هناك عودة أو مراجعة أو خطوة إلى الوراء، وهكذا يكون حال  المشركين في مفهوم الإسلام، فهم أيضًا يتّبعون تقاليدهم. وعلى سبيل المثال يصنعون صنمًا من أحدهم، فيقول أخبارًا كاذبةً لم يأت بها الأنبياء، وعندما تسأله :"هل ما قاله هذا الصّنم من القرآن ؟ أليس هذا من قول هذا الصّنم ؟".فيقولون: "نعم هو  ما قاله الصّنم". وهذا لأنّ احترام الصّنم عندهم أقدس وأهمّ من احترام القرآن، فيُظهرون لهذا الصّنم  تقديرًا واحترامًا لا يصدّقهما عقل. وقد يكون الصّنم يفتري على الله الكذب، فالصّنم عادة ما يكون ماهرًا في هذا الأمر. هذا الصنم يكون مُكلّفا بإقناعهم بالأسلوب المناسب والكلام المناسب. وعند إقناعهم يكونون قد ابتعدوا عن القرآن واَتّبعوا الشيطان. وعندما تسألهم يردّ أحدُهم: "نحن نفضّل الصّنم"، فيقول الصّنم: "القُرآن في حاجة إلى الحَديث"، ويقول أيضًا: "إنّ الحَديث لا يحتاج إلى القرآن".

ففي  إظهار نظام عبادة الأصنام ونظام الشّرك أمر إلهيّ عظيم، فقد طبقوا هذا الأمر بذكاء شيطانيّ  كبير. بعضهم يفعل هذا الأمر عالما بما يفعله، وأغلبهم يفعل هذا الأمر دون علم، فيتّبعون الشّيطان دون فهم. فالشّيطان يؤثر على وعيهم ويديرهم ويوجههم. وهؤلاء أيضا يفعلون هذا الأمر.  وعلى سبيل المثال فإنّهم يفسدون في الأرض بطريقة لا تصدق. عندما يسمع أحدُهم الموسيقى، يُصاب البعض بدهشة وحيرة فينكرُون عليه بالقول: "كيف تسمع الموسيقى؟ ينكرون سماع الموسيقى بشدة وهي حقّ طبيعي، وهي نعمة حلال.  تسألهم: "هل قال اللّه تعالى هذا ؟" فيجيبون:"بالطّبع لا يوجد هذا في كلام الله تعالى، ولكنّ الصنم الذي نتبعه يقول هذا". يعني إذا نطق الصنم بشيء قُضي الأمر. ولهذا السّبب جعل المولى عزّ وجل من المصائب والبلايا والجوُع والحُروب والإرهاب وسيلةً لإصلاح من يجعلون لله شريكًا، الله تعالى يبتلي النّاس بشيء عظيم حتّى ينتهوا عما يفعلون. وبالرغم من ذلك تجد من يتمسّكون أكثر بصنمهم قائلين:"النّجاة في التّمسك بما قاله الصّنم". وعندما تواجهه بالقول إنك وصلت إلى هذه الحالة المزرية بسبب تمسكك بالصّنم تجده يصرّ أكثر على التمسك بصنمه. لقد كان العثمانيّون هكذا،  فقد تمسكوا بالنّظم المشركة فغرقوا أكثر، وكلّما غرقوا تمسّكوا بالنّظم المشركة أكثر وأكثر.

والآن انظر إلى أنقاض الدّولة العثمانية المتهدمة ستجدهم متمسّكين بالأصنام مرّة أخرى معتقدين أنّهم سينجُون بتمسّكهم بها، فيغرقون مرة أخرى. انظر قد غرقوا مرة أخرى وقد شاهدتم، فهم يسعون للتمسك بالصّنم مرة أخرى، فهم دوما يبحثون عن صنم. لاحظوا، فهم على سبيل المثال جعلوا من بعض البشر أصنامًا، وما كنّا نتوقع منهم هذا الأمر. فتجد الواحد منهم متمسّكًا تمسكا أعمى بمن يتّبعه، ولو كان لهم وجهة نظر معقولة مستندة إلى القرآن الكريم لما فعلوا هذا.

يقولون "سيروا إلى ألهتكم وتمسّكوا بها"، يعنى تمسُّك الدّولة بهذا النظام. فمثلا ما الذي يمثّل أمريكا في أمريكا نفسها ؟ العلم الأمريكي؛ تلك النّجوم والخطوط المتوازية، ها هو اللّون الأحمر والأزرق الأبيض. وكذلك الأمر في الدّول الأخرى، فلكل دولة علمها، وأهلها يستخدمون ألوانا متنوّعة ويجتمعون حولها، هي تماما فلسفة. وعلى سبيل المثال تكون قمصان الشّباب هكذا، وسراويلهم هكذا. في المطعم الذي يذهبون إليه تجتمع فيه الثقافة والمنطق. وعلى سبيل المثال أسلوب الضّحك، وقبعة رُعاة البقر تكون رمزا لمن هم هُناك. ومن هذا الرّمز ومن أسلوب الضّحك هذا ومن  أسلوب المشي هذا ومن اللامبالاة هذه ومنطق العقاب والرغبة في السيطرة يتكوّن نظام الصنم. فما الذي تفعله أمريكا في كلّ زمان؟ إنها تقوم بتخريب ما لا يعجبها وقتما تشاء، وليس ضروريّا بالنسبة إليها أن تعتمد الشّرح والإقناع والاقتراب من روح المحبة الموجودة في الإنجيل. ما يهمّها هو إزالة ما لا يعجبها من أصنام. 

ولقد التصقوا بهم مثل الرّقعة، فهم لا يستطيعون التخلص من هذه البنية، وهذه  رقعة عمرها على الأقل مائة وخمسين عاما، ولم يتخلصوا منها بعد، ففي انجلترا أيضا يوجد الأمر نفسه؛ فالرّاية الإنجليزية، والألوان الموجودة فيها تعكس فلسفة  الدولة وقوّتها، تعكس الرغبة في السيطرة على العالم وتقسيمه إلى قطع. في وقت ما كان البعض يَنظر إلى انجلترا على أنها أكبر من الله (حاشا)، لماذا؟ لأنه ينظر إلى قوّتها المادية. فالله هو الحقيقة الوحيدة الموجودة ولكن لا تُرى بالعين. أما المخلوقات التي جَعلوا منها أصنامًا فتستطيع أن تقتل أناسًا وتُحيي آخرين.

وعلى سبيل المثال فالمرء الذي يذهب إلى أمريكا لاجئا فكأنّما أُحيي، ودخل الجنّة وأخذ البطاقة الخضراء (جرين كارت)، انتقل من نار آسيا إلى جنّة أمريكا. بعضهم ينظر إلى آسيا كما لو أنّها جهنم، ولهذا تراهم يسعون جهدهم من أجل الوصول إلى هناك مثل المجانين يهزّهم الطّمع إلى هذه الجنّة. الواحد منهم يعتقد أنّه سوف يعيش هناك إلى الأبد، وأنّه سيجد السّعادة والمتعة. عندما يذهبُ أحدهم من تركيا إلى أمريكا، يقال: "اُنظر لقد ذهب إلى أمريكا"، وينظرون إليه بإعجاب وغبطة. بعضهم يقول: نحن نعيش في مكان كأنّه الجحيم، أمّا هو فذهب إلى الجنّة، لقد نجا بنفسه، ما أجمل حظه!! أما نحن البؤساء فقد بقينا هنا للأسف لم نتمكن من الخلاص. لقد بقينا نتلظى في هذه النار.أما من يصل إلى أمريكا فيتابعونه بإعجاب كبير، ثم يظهر في التلفاز ويقول: "لقد صرت أمريكيّا"، غريب يقول هذا رغم أنّه  يعيشُ في فقر وعوز، فهو فقير ولكنّ شكله هنا يثير العجب، فهو يقوم ببعض الأفعال والحركات، وربّما خرج من المطار وعلى رأسه قبعة رُعاة البقر.

عندما يعود أحدهم يستقبلونه بكل حماس وفرحة، لماذا؟ لأنّه أتى من أمريكا، لم يعد تركيًّا. لقد تحول إلى مخلوق من صنف أعلى، أي أنّه أضحى إنسانًا مختلفًا، كما لو أنه قدم من الجنة. ثم يُسأل هذا المرء بكلّ حماسة ومرارة بخصوص هذه الجنّة الموعودة: "هل تستطيع أن تفعل لأجلي شيئا؟" ولكن بدون أمل. فمن يدخل الجنة لا يُريد تخليص من في النّار. فهو لا يُريد إنقاذه من المكان الذي يعتبره جهنّم. ولهذا يتم إنفاق أموال طائلة في مثل هذه الأعمال. يقال لمن يريد أن يذهب إلى هذه الجنة:يجب أن تدفع الكثير حتى أنقذك من هذه النّار، مع أنّ الله تعالى موجود في كل مكان، وبالإيمان يكون كلّ مكان عبارة عن جنّة. فإذا لم تُؤمن بالله فلتذهب إلى حيث شئت فهناك تجد النار. فأمريكا هي أكبر جهنّم، وأكبر نار في هذا العالم فهي جهنم الدّنيا.

عندما تكون مُؤمنا يمكنك أن تُحوّل هذا المكان إلى جنة، عندما تكون مؤمنا في تركيا فأنت تعيش في الجنّة. أما إذا كنت خاليا من الإيمان فتركيا تصبح بالنسبة إليك نارًا. فهناك عقائد غريبة تتعلّق بالأصنام، ولهذا السّبب فالناس يُعجَبون بشدّة بمن يتحدث بثقافة أمريكا وبمن يتحدث بثقافة الإنجليز وثقافة إسرائيل، فتجد أحدهم مثلا يقول: "ذهبت إلى إسرائيل وأقمت فيها"، أصبح يرى نفسه قويا لأنّه لجأ إلى دولة قويّة. ويقال عنه: "ذهب إلى إسرائيل". وبالطبع فإن الذهاب إلى انجلترا والذهاب إلى أمريكا يترك أثرًا كبيرا في النفوس. وبالمقابل فالناس يتألمون لحال الذّاهب إلى روسيا ولحال الذّاهب إلى الصين لأنهم يعتقدون أن المرء يكون أغنى إذا ذهب إلى أمريكا. فقوة الصنم الأمريكي أكثر فعالية من غيره من الأصنام. فهم يرون أن الكثير يذهبون إلى أمريكا وهم مصابون بأمراض مُميتة، فإذا بهم يشفون منها ويرجعون سالمين، إنها قادرة في ظنهم على إحياء الأنفس، كما يمكنها قتل من تشاء من البشر من الجو في المكان الذي تُريده، فلديهم طائرات بدون طيار يضربون بها من يشاؤون.

وعلى سبيل المثال الناس يعرفون وكالة الاستخبارات الأمريكيّة "السّي أي ايه"وهي في ظنهم تملك أكثر المعلومات سرّية عن جميع البشر. فالناس يؤلهون بعض القوى ويتصرفون وفق هذه الاعتقادات. فالناس لديهم اعتقاد أنّ الناس في أمريكا يقرؤون ما خلف وعي البشر، يعتقدون أنهم ينفذون إلى أرواح الناس ويؤثرون عليهم بالجنّ، بمعنى أنّهم قوة بلا حدود، ولهذا السّبب يُؤلّهونها، رغم أن هذه البلاد متكوّنة من مجتمع فيه جميع أصناف البشر، وهم فرادى في بؤس شديد ولكنّ الناس ينظرون إليهم كصنم كبير. ولهذا السبب فإن الباكستانيين يحبون الإنجليز، ويفضّلون الألعاب  الرّياضية الإنجليزية، فيشربون القهوة مثلهم، ويعدون الشاي كما يفعلون. وهم يلبسون الجاكيت مثلهم ويتحدثون بلهجتهم، فإذا تحدث أحدهم باللّهجة الإنجليزية أُعجب به النّاس، ويرون كما لو أنّه إنسان نزل من الفضاء .

بُلنت سَزكين : هناك مفهوم شائع في العالم بخصوص أمريكا والحُلم الأمريكي،  فالجميع لديه هذا الحلم ويريد تحقيقه .

عدنان أوقطار: إن الحلم الذي يُقال عنه هو الجنة، فعند الذّهاب إلى هذه الجنة يكون الواحد في السّتين أو السبعين من العمر ويظنّ أنه سيعمّر إلى الأبد، سيذهب إلى الجنة. الحقيقة أن الشّعب الأمريكي يعاني ويقاسى من الفقر. فنسبة ما بين ستين إلى سبعين في المائة من الشّعب الأمريكي من الفقراء، والشّرطة تستخدم العنف  والنّاس هناك لا يحترمون بعضهم بعضًا، فلم يعد لأمريكا القديمة ما كانت تتمتع به من احترام، لقد تغير كل شيء.

إنّهم يتأثرون جدّا بما نقول، فقد غرقوا في تطرف لا يتخيله أحد، ما نقوله أشياء واضحة  ومحقّة للغاية، ولا توجد ديماغوجيّة أو تمويه فيما ذكرتُه وشرحته، فهي أمور علمية منطقية منسجمة تماما مع القرآن وموافقة للعقل والقلب. ولهذا السّبب فإنّ المتشددين يرتعدون ويندهشون بصورة كبيرة جدّا، ولا يعرفون كيف سيحلّون هذا الأمر، وهم يتوسّلون إلى الشئون الدّينية قائلين: "بالله عليكم أوقفوا هذا، اِفعلوا ما تريدون ولكن أوقفوه". هناك الكثير من الرّسائل ليست واحدة ولا اثنتين بل الكثير يقولون: "هل الشّئون الدينية نائمة ؟ أنقذونا".

أردم أرتوزون: إنّهم يجعلون من أمريكا صنمًا في موضوع التّكنولوجيا، فالتكنولوجيا هدف كبير لكل إنسان يعيش في محيطها.

عدنان أوقطار: في وادي السّيلكون ذاك يظن الشّخص أنّه سيصبح شيئا مختلفا، سيصل إلى الأبدية. لا أعرف هل يظن أنّه سيُصبح هو الآخر من السّليكون، فقد يعتقد أنّه سيصبح حاسبا آليّا، وأنه سيصل إلى الأبدية في داخل هذا النظام. في أمريكا يوجد اثنان وثلاثون مليون شخص يأكلون بكوبونات الطّعام التي يأخذونها من الدّولة، نعم اثنان وثلاثون مليون جائع يأخذون كوبونات الطّعام من الدّولة. انظر إلى الفقر، التّشرد، ثم بعد هذا تجد من يضحّي بحياته لكي يستطيع الذهاب إلى هناك. يذهب إلى هناك ليأخذ هو كذلك كوبونات طعام الفقراء من الدّولة.

أوقطار بابونا : حتى إن أغلبهم يعيش في الشارع.

عدنان أوقطار : هذا أمر يمكن أن نضرب له العديد من الأمثلة،  وليس مثلا أو مثلين.

أردم أرتوزون: فالمولى عزّ وجل يقول في القرآن الكريم، أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم "يُحبّونهم كحُبّ اللّه والَّذين آمَنُوا أَشدُّ حُبًّا لِلَّهِ".

عدنا أوقطار: أجل، هناك من ينَسى الله ولا يرى إلا هذا الصنم، يَراه أكبر من اللّه. ولهذا السبب فالعاجزون والفقراء في الهند وباكستان وتركيا يريدون لفت النّظر إليهم من خلال افتتانهم بالأمريكان أو بالإنجليز أو بإسرائيل. ولكي يحصلوا على منافع شخصية لهم تراهم يتحدّثون بم لا يليق ضدّ تركيا ويُخبرون عن  تركيا حتّى يجدوا التّقدير لدى أصنامهم فيقول أحدهم في قرارة نفسه:"أيّها الصّنم اُنظر لقد ضحيت بكلّ شيء من أجلك، لقد ضحيت حتّى بتركيا". ويقول:"هل تقبلني عندك أيّها الصنم؟". ثم يسجد في حضرته، فيُقال له: "لا بد أن نَنشر اسمك في جريدة وبعد ذلك تصبح مقبولا لدينا". فتأخذه الغبطة ويسبّح بحمد صنمه قائلا: "ما أعظمك وما أكرمك يا صنمي". كل هذا لأنه تم نشر اسمه في جريدة، وبالتّالي أصبح مقبولاً من قبل الصّنم، فهو يشعر أنّ الدّولة قد قبلته واحتضنته.

وعلى سبيل المثال إذا كلّمه وزير أمن الدّولة أو مُدير أمن الدّولة  أو مدير الأمن العام أو رئيس أمريكا أو رئيس جهاز المخابرات الأمريكية يصاب بالجنون ويذهب عقله، لو قال له عضو الكونغرس كلمة مثل "جيّد، حسنا فعلت"، أو كتب أحد من هؤلاء جملة بسيطة جدّا على الانترنت يقول له فيها: "أحسنت، تحدّثت جيّدًا" فإنه لا يستطيع النّوم لأيام، ثم يُرسل هذا الكلام لهذا ولذاك، ويظلّ ينشر الخبر:"هل تعلمون أن السيناتور فلان قال لي كذا وكذا؟". ومن يسمع بهذا الأمر كذلك تصيبه الدّهشة ويقول:" كيف لم أتمكن أنا كذلك من دخول هذا العالم؟،  ماذا عليّ لو ضحيت بتركيا فلعلّهم يقبلونني أنا أيضا". ثم يبدأ في السعي. وفي هذه الأثناء يكثر الخونة ويزيد عدد الرجال الذين يتم استخدامهم ضدّ تركيا. فتجد من ينخرط في دعم حزب الاتحاد الديمقراطي أو حزب العمال الكردستاني، وهذا لأنّ شوكتهم قد قويت.

إن هؤلاء الأشخاص الذي يعانون من الجوع هم دائما من البؤساء، فعندما تنظر إلى حالهم خارج الوطن تجد أن ماضي كلّ منهم عبارة عن قصة بؤس. في أمريكا يسكن في كوخ لكنه لا يفتأ يقول: أنا في أمريكا وسعيد بذلك. ومن هناك يكتب العديد من الأشياء ضدّ بلاده، وكلّ من يكتب أشياء ضدّ تركيا يكون أكثر قبولا عندهم. وهم لا يثقون فيمن يُعارض تركيا معارضة خفيفة. أما من يُدافع عن حزب العمال الكردستاني علنًا ويُدلي بتصريحات بهدف تقسيم تركيا ففي هذه الحالة يقولون له: "أنت رجل جيّد، أنت تلميذٌ شديد المهارة، علينا أن نستغلك استغلالاً جيّدًا". تجد الواحد من هؤلاء يكتب أشياء في صحيفة من الصّحف، فتأخذه العزة بما كتب، ويُرسل ذلك لكلّ من يعرفه، ومن يستقبلها يرى نفسه أحمق إذا لم يفعل مثله، فيقول لنفسه: "لماذا لم أفعل هذا، فقد سبقني هو إلى فعل هذا، لقد تأخّرت عنه". هنا مثلا ترى فقراء جياع من باكستان، ترى تلك الأشكال التي تأتي إلى هنا وتكون أحذيتهم مَخيطةً يدويًّا. لقد جاء أحدهم وأقام في فندق وأخذ سجائر الفندق، ففي غرف الفُندق يضعون في العادة السّجائر مجانا. أخذها وتناول كوب خمر مجانيّ كذلك، ونزل إلى أصدقائه وأشعل السّيجارة وفي يده قدح الخمر، وكأن المليارات تسيل بين يديه. ما أشد غرابة المشهد، يقاسي ويعاني من الفقر ثم يفعل هذا.

وعند الانتقال إلى انجلترا تجد مثل هؤلاء يتحدثون باستمرار ضدّ المسلمين ويستهزئون بهم ويتكبرون عليهم، وعندما يَرى المسلمون هذا يخافون منهم ويُظهرون احترامًا أكثر لمثل هذه الأشكال، أي للنّاس الذين يخالفون الدّين، لهؤلاء المتكّبرين المتباهين، هؤلاء الذين يلفظونهم ويحقّرونهم. وعندئذ يتجاوزون الحدّ في التكبّر والتّباهي والتّحقير.

فتجد مثلا من يتحدث منهم بلهجة انجلترا، فيقول: "اتصل بي ريتشارد. " فتسأله: "أيّ ريتشارد؟ " فيقول: "مستشار الوزير". ثم يخرج لك رسالة سحبها من الانترنت. فتطير عقول الضعفاء وخاصة هؤلاء الفقراء المسحوقون، فهم لديهم عقدة بالنّقص. ولو أن أحدا منهم أصبح مساعدًا لصاحب جريدة أو مساعدًا لوزير  فلهم فهذا يعني بالنسبة إليه الكثير،إنه شرف له والتفاتة كبيرة جدا. وعموما فهم لديهم قائمة من المؤيّدين، ويكونون في الغالب من الآسيويين، وأحيانا يكونون من الأوروبّيين ويكونون على اتصال دائم بهؤلاء.

في أمريكا يوجد مثل هؤلاء؛ منهم الصّحفي ومنهم من ليس لديه القدرة على كتابة مقالة واحدة. أمّا المؤيّدون في انجلترا فهم أكثر دراية وخبرة، فهم يتقدّمون عليهم في الخبرة فيساعدونهم في كتابة مقالاتهم. فالكتاب المشهورون عندنا لا أحد منهم يستطيع كتابة مقالاته بنفسه، ومن يكتب هم مساعدوهم. فالمقالات التي يكتبونها تكون سيئة وضعيفة في العادة ثم يُرسلونها إليهم فيقومون بتصحيحها وتعديلها مبنى ومعنى أسلوبا ويضيفون لها أفكارًا جديدة من عندهم ويعيدون إرسالها إليهم.

ولهذا السّبب فهم في حاجة إلى من يُساعدهم في كتابة تلك المقالات ونشرها. وهم ينشرون مقالاتهم في أماكن تافهة، ومساعدوهم يُرسلون لهم الأخبار، ويزودونهم بالصحف التي تنشر فيها مقالاتهم.وعندما تُنشر للواحد منهم مَقالة في الصحف الأمريكية تراه ينسى نفسه من شدة الغرور، ويردد: "لقد نشرت مقالتي، لقد نشرت مقالتي". وبسبب ذلك تثور ثائرة الحسد لدى غيره، فيتساءلون:"لمَ لمْ يُنشر لنا مقال بهذا الشّكل". أغلبهم أو جميعهم من الفقراء البائسين المعدمين، ليس للواحد منهم القدرة على كتابة مقالة، فليس عنده ثقافة عامة. ومن العيب أن أضرب مثلا بذكر الأسماء، هذا غير لائق. هؤلاء قوم جهلة لا يعلمون أيّ شيء، ومن الممكن أن أمدهم بقائمة بأسماء مساعديهم كذلك لو تطلب الأمر ذلك. ويوجد نظام مساعدين مكوّن من ثلاث درجات، المساعدون الأوائل وهؤلاء لا يتنازلون عن وضعهم، أمّا المساعدون الذين هم من درجة ثانية فتجد في يده السّيجارة وفي يده الأخرى الكأس، ثم يسرق هذا الكأس ويضعه في حقيبته، ويأخذ السّجائر ويضعها في حقيبته ويمضي ويرجع إلى باكستان، ويتكبّر على الناس بسيجارة. هذه أشياء موجودة ومعروفة، وهو وضع مؤلم للغاية.

ولكن مثل هذه الأصنام يسرقها هؤلاء القوم من مكان إلى مكان، وهذا لأنّهم  عديمو الحياء ويقفزون في حضن هذه الأصنام ويقضون عمرهم بهذا الشكل، ثمّ يمضون إلى الآخرة، فيسألهم الله عز وجل: "ماذا فعلتم ؟" فيقولون: "كنا في خدمة الأصنام"،  وهكذا يتم فضحهم على الملإ.

أندر دابان: الله تعالى يقول في القرآن الكريم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:  "الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا"(سورة النّساء، 139).

عدنان أوقطار: ها هو معنى الآية بالضبط، يقول المولى عزّ وجل يبحثون عن العزّة "أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ"، ولا يسألون الله العزّة والقوة، فهم يبحثُون عن القوّة والعزّة عندهم .

بولنت سزكين: شيخنا، عند ذهابهم إلى الله في الآخرة  يقول الله لهم في كتابه "وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ " ( سورة فصلت، 48).

فالمولى عز وجل يقول في آياته الكريمة: "وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ " (سورة العنكبوت، 25)، فإنهم يستخدمون الأصنام وسيلة للحبّ، فإذا لم يكن الشّخص منسوبا لهذا الصنم فلا قيمة له عندهم. فمثلا توجد في تركيا أصنام صغيرة، فلو أنّك اِتّبعت أحد هذه الأصنام فأنت مكرم عندهم، أما غير ذلك فأنت تكون من المنبوذين. ولهذا السبب يعلم الجميع كيف سعوا من أجل الدّخول في نظام هذا الصّنم ومقدار الأموال التي أنفقوها في هذا السّبيل. فمن كان غنيا مثلاً يهبُ مائة ألف دولار أو مائتي ألف دولار لكي يتمّ قبوله في نظام الصّنم هذا. إن هذا النظام ما زال يُغرق العالم. والشّخص الذي يتعلّق عقله بالصّنم لا يقدر على تركه في أغلب الأحيان.

جاهد كوندوغدى: وكما تعلمون فإنّه في يوم الحساب يقول المولى عزّ وجل في آياته"مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ"" (سورة غافر، 18).

عدنان أوقطار : نعم فإنّ هذا الصنم على سبيل المثال لا يستطيع أن ينقذ رئيس وزراء أمريكا ولا يستطيع أن ينقذ رئيس الجمهورية ولا يستطيع أن ينقذ أحدًا.

أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم يقول المولى عزّ وجلّ: " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ" (سورة الأعراف، 138)، أي يا موسى اجعل لنا  إلهًا صنمًا، اجعل لنا نظامًا مثل نظام الأصنام لنتّبعه. في مصر مثلا كانت تُوجد بقرة وزنها عشرة أو عشرون طنّا من الذهب، وعند السؤال: "ماذا تعبدون؟"، يقول الناس: "نعبد البقرة". أي عبدة البقر ، فالجميع يظهر التّقدير والاحترام لعبّاد البقر. ولو كنت من عبّاد البقر فمن السّهل أن تجد عملاً وأن تجد طعامًا لأنّك تصير تابعا للدولة، وتصير من رجال فرعون، وبعدما يكافئك فرعون يقول لك: "ستكون من المقرّبين". لكن بالمقابل هُناك من يعيشون بإيمانهم سرًّا في نظام الصّنم في الدّولة فيخدعون الصّنم، فهم ليسو مخلصين للصّنم، يتظاهرون بإخلاصهم للصّنم ولكن ذلك مجرّد حيلة. لقد فعل هذا الأمر سيّدنا إبراهيم عليه السّلام، وكذا الرّجل الذي كان من آل فرعون ولم يشعر به أحد. ويُقال إنّه سيّدنا الخضر عليه السلام والله أعلم. ففي أصعب الأوقات لا يجب التصادم مع الصنم، وإذا لزم الأمر يتظاهر بأنّه من أتباع الصّنم والمؤمنين به، وبذلك يحافظ على وجوده الإنساني من الوقوع في الخطر، خصوصا إذا كان الصنم يسعى لقتله ومنعه من أن يعيش بدينه. وهذا الأمر موجود في الآية. ومثل هذا الشّخص لا يكون مسئولا، وقد يبدو في الظاهر مؤيدًا للصّنم  لكن في الحقيقة هو غير ذلك.

ما شاء الله ما شاء الله شيخنا لقد أوضحت الأمر بطريقة واضحة وجميلة، جزاك الله خيرًا، ما شاء الله.

عدنان أوقطار: بعض العائلات في تركيا يرسلون أبناءهم للدراسة في انجلترا حتّى يَدخلوا في نظام الصّنم هذا، ويقولون لهم: "إيّاكم أن تعودوا إلى تركيا". وبالطبع هم ليسوا جميعا بهذه العقليّة، فبعضهم مخلصون، وبعضهم مع الوقت يصير معجبًا بالصّنم. وللأسف يضحي المرء بنفسه وابنه من أجل الصّنم. يقول لابنه: "اِخدم الإنجليز وأنت هناك، اِخدم انجلترا، كن إنجليزيّا خالصًا، فلا توجد حياة هنا في بلادك". فيتحوّل ابنه ليصبح إنجليزيّا خالصًا بلغته وروحه وفلسفته في الحياة ودينه، فهو بروتستانت مثلهم أو كاثوليك مثلهم كذلك.

لقد سألت عن  هذا الأمر في الكنسية المسيحية في تركيا، وتقابلت مع الرهبان،  وسألت: "هل يوجد أتراك مسيحيون ؟" فقال الراهب: " نعم هناك كثيرون". فقلت "هل هم مخلصون؟"، فقال: "أغلبهم مزيّفون غير مُخلصين"، فهم يجيئون ليقولوا أصبحنا مسيحيّين، ويقومون بتلك الحركات أمام الصّنم، وبعد ذلك يتحدّثون فيقول الواحد منهم: "لقد وفّروا لنا البطاقة الخضراء"، أو "هل من الممكن أن تساعدنا في حل أمر الدّراسة في أمريكا" "أو "هل تساعدنا لنجد عملاً في أمريكا؟". فهو مذبذبٌ ليس مُسلما خالصًا وليس مسيحيا خالصًا، هو يتحرك وفق مصالحه. وبالطبع فهؤلاء يظلّون في موقف صعب.

بولنت سزكين : بعضهم يسعى لكي يلد ابنه في أمريكا فيكون مواطنًا أمريكيًّا.

عدنان أوقطار: لا  نعمّم القول عليهم جميعا، ولكن بعضهم يفعل هذا لأنّه صار من عبدة الأصنام.

يقول عز وجل "وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ" (غافر، 47)، فهناك في النار يتبادلون الجدال والحديث ولا يستريحون فيها؛ فهذا يقول كلمة لهذا وهذا يردّ عليه، هناك في جهنم يستمر السّباب والعراك فيما بينهم. فالضّعفاء يقولون للّذين استكبروا: إنّا كنّا لكم تابعين، فهل أنتم مُغنون عنّا نصيبًا من النّار؟ فالإنجليز هم أكبر حليف لأمريكا، وهناك أيضا المغرب وتونس والجزائر حلفاء لفرنسا. وفرنسا بالنّسبة إليهم تعدّ إلهًا، أي أنّ المرء إذا استطاع أن يطأ بقدمه أرض فرنسا فهذا يعني أنه بلغ الخلاص بالنسبة له. فالجزائريون يجعلون من فرنسا صنمًا لا يمكن تخيل عظمته، وهم لا يرون أمريكا بهذه الصّورة، لكن أنا لا أعمّم على الجميع. وفي فرنسا توجد الدّولة العميقة عديمة الرّحمة  فرغم كثرة رجال الشّرطة فالجرائم لا تتوقف، والدولة العميقة نفسها ترتكب هذه الجرائم، وفيها يستوطن الرّعب والخوف، وهي بلاد ينتشر فيها الفقر الخفيّ الذي لا يرى.

هي دولة يكثُر فيها الأكابر من الناس، ورغم هذا فأغلب هؤلاء الفقراء يكونون مساعدين لمساعدي المُساعدين، أي أنّه يتمّ سحقهم بصورة مرعبة عند ذهابهم إلى هناك. يتم تحقيرهم عند اِشتغالهم في المصانع والوُرش وعادة ما يستخدم المُفسدون والمُنحرفون الأطفال، فيشغّلونهم في أقذر أماكن العمل. وينغي على هؤلاء الفقراء أن يتعلّموا الفرنسية بكلّ ما أوتوا من جهد، وعليهم التّكلم بالفرنسية، وعليهم كذلك أن يكفّوا عن قول ولو كلمة واحدة عن الإسلام حتى يظهروا بمظهر الفرنسيّين.  وكمثال على ذلك عيد حُسيْن، فقد كان لا يُريد استخدام اسم محمد. وبالطّبع أنا لا أقول عنه إنّه مُساعد، ولكنّه يلعب دورًا ما في هذه المنظومة. انظر إلى انجلترا، فهي تُحاول أن تبدو لطيفة جدًّا، ولكنّ النظام هناك يشدّد ويحذّر عندما يتعلّق الأمر بشخص يسمّى محمدًا. عيد حسين غير اسمه وأزال منه اسم محمّد،  ولكنّه لا يعني بالنسبة إليهم شيئا، فهم يعرفون أنّها مجرد حيلة.

هؤلاء الذين يهاجرون من هنا إلى هناك يعملون عادة في محطّات الوقود أو في في المطاعم أو في الإنشاءات، ولكنهم في تركيا يتجولون وفي أفواههم السّيجارة، حتى كلمة "أهلاً" يقولونها بالإنجليزية، ويمشي الواحد منهم بقبعة رُعاة البَقر، ويُحاول أن يُظهر أنّه يعيش في سعة وغنًى وراحةٍ، ولكنّ المساكين هنا ينظرون إليه بغبطة وإعجاب شديدين، لقد تحدثت عن هذا فليفهم الفَاهمون.

أندر أرتُوزون: إنّهم يُصحبون أثرياء على على حسابهم وعلى أكتافِهم شيْخَنا.

عدنا أوقطار: نعم، إنهم إذا لم يستغلوهم لن يستطيعوا العيش، هم يؤلّهون الأنترنت. هم يعتبرونها عبارة عن إله. هُم يعتقدُون أنّهم بواسطة الأنترنت سيكونُون أغنياء بلا تعب. فأصحابها يعيشون في إعجاب شَديد بها. هي عبارة عن عالم كبير؛ فالناس فيها يذهبُون إلى المدن ويذهبون إلى القُرى ويبنون المدن ويشربون الشّاي ويأكلون السّميط ، و أغلبهم  نحيف  جدّا غير مهتم بنفسه، وبعضهم يُصبحُ كالمَجنون بالأنترنت؛ يعيش في الظّلام في ركنٍ، في مكان مَهجور مثنيّ الظّهر، يسعد جدّا لِلحَلوى ويأكلها مع الشّاي وقد غارت عيناه وصار أصفر اللّون شاحبًا، ومع ذلك يظلّ يعيش في عالم الأنترنت. ويعتقد أنّ الأنترنت ستجعل منه مليارديرًا في يوم من الأيّام. ولو كان الأمر بيده لدخل في الحاسب الآلي وغاص بداخلة غوصًا. بالطبع ليس جميعُهم هكذا بل قسم منهم.

رغم أنه لا يوجد أيّ حاسبٍ آليّ لا يُصنع في مصنع، والله يصنع كلّ حاسب، والله يخلق المعلُومات التى وصلت إليك عبر الحَاسب. والله خلق ما تشاهده على شاشة الحَاسب، وهو يظنّ أنّ هذا الأمر قد حدث عندما ضغط على هذه الأزرار. وادي السّيلكون، وادي الصلصال كلّه من خلق الله ، أي أنّ كلّ الأجهزة والآلات من خلق الله. وتتكون في عقل الإنسان. عند النّظر إلى الحاسب فليضغطوا هكذا على أعينهم ستجد أنّ الحاسب يذهب يمينًا ويسارًا . طالما أنّه واقف في مكانه فلمَ يرُوح ويأتي؟  لماذا يطير في الهواء ؟ ولماذا يتحرك يمينًا ويسارًا وفي الهواء؟  وينظر إلى المَركب ويًغلق عينه، وعند الضّغط على عينه يرُوح المركب يمينًا ويسارًا ويعلوا وينزل، فليس لديهم علم بالمَركب الموجود في المخّ.  يقول: "اه يا مركبي، ما أجمله". ويقول "اُنظرْ إلى هذا البناء". وعند الضّغط على عينك يذهب البناءُ، ويأتي لأنّه ليس لديه خبر عن البِناء المَوجود دَاخل المخَ، أي أنّه غافل.

أندر دابان: وصلنا الآن إلى نهاية برنامجنا "حوارات شيّقة".


 

2015-11-10 03:10:16

عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top