واجه النبي موسى عليه السلام تجربة مع قومه

مُقتطف من لقاء مباشر للسيد عدنان أوكتار، تم بثه على قناة A9TV بتاريخ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015

 

عدنان أوكتار: واجه النبي موسى (عليه السلام) أحد الرجال المؤذين أينما توجه، لكن الله هو من خلقهم. على سبيل المثال، صار الرجل الذي أنقذه سببًا في حدوث المشاكل له، فقد أنقذه النبي موسى (عليه السلام) من الموت، وعرض حياته للخطر لكن الرجل هدده وتصرف تصرفات غير أخلاقية وحاول إزعاجه. وواجه مثل هذه الحوادث في أي مكان ذهب إليه، وكانت هذه نعمة منحه الله إياها.

على سبيل المثال، قال السامري: "بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ"، فلم يكن يحب الناس واستخف بهم، كان مغرورًا ومتكبرًا ومتباهيًا، وكان يستهزئ بهم، فاستغل الاضطهاد الذي صنعته الحكومة المصرية والفلسفة المصرية والثقافة المصرية؛ لأن الدولة المصرية كانت مغرورة للغاية آنذاك، مثل الدولة العميقة للولايات المتحدة. كان أي رمز وأي معجزة بمثابة شيء هام للغاية بالنسبة للناس، فقد كانوا مفتونين للغاية، والعجل الذهبي مثال على هذا، إذ كان هناك عجول ذهبية ضخمة في مصر تبلغ أوزانها ثلاثة أطنان أو خمسة أطنان أو عشرة أطنان، وكان لقوم موسى أيضًا عجلهم الخاص، إلا أنه كان أصغر، فصنعوه باعتباره تذكارًا لمصر والثقافة المصرية، وباعتباره أحد عناصر النجاح العظيم. كان السامري مغرور هذا الزمان، فقد صنع لنفسه شهرة من خلال هذا العجل الذي كان يحدث خوارًا عندما تنفخ فيه الرياح، وهكذا أخرجه لهم، انظروا إلى الطريقة التي يتفاخر بها، في نهاية المطاف كان هذا رمزًا لحيوان أخرجه السامري بيديه، فأُعجب به القوم إعجابًا شديدًا، وهم الذين كان ينبغي عليهم أن يلتفوا حول النبي موسى (عليه السلام) ويدعموه، إذ إنهم اعتبروا أن السامري نجح نجاحًا عظيمًا لأنه أخرج عجلًا من الذهب، فقد قال "بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ"، وقدّم نفسه على أنه شخص ذكي وعبقري يستطيع أن يرى ما لا يستطيع أن يراه الآخرون، وهذه هي النبرة التي يستخدمها الكفار أيضًا، يحدث هذا عندما يقول القوم: "بصرت بما لم يبصر به المسلمون"، وعندما يعتقدون أنهم يعرفون أكثر.

شيلان أوزبوداك: قال السامري: "إن موسى (عليه السلام) نسي بشأن هذا".

عدنان أوكتار: أجل، قال السامري: "هو أيضًا له هذا الدين لكنه نسيه"، وقال: "هذا هو النهج الذي يسير عليه آباؤه"، إنه يبحث عن العقليات الجاهلة، ويدافع عن تصور وعقلية الحياة الجاهلية، كما يرى أنه يشكل ضغطًا على النبي موسى (عليه السلام)، فقد حاول أن يجتذبه نحو الثقافة المصرية، كان النبي موسى (عليه السلام) حاسمًا بشدة، حاول السامري أيضًا أن يشوه سمعة النبي موسى (عليه السلام) بطريقته الخاصة، يقول الله في القرآن إنه برأه من هذا الافتراء.

إندر دابان: قال النبي موسى (عليه السلام): "رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي".

عدنان أوكتار: لم يكترثوا بأي شيء يفعله النبي موسى (عليه السلام)، وكانوا قومًا طائشين تفتنهم الجاهلية.

شيلان أزبوداك: لقد أشرت إلى هذا الموضوع من قبل، أمرهم الله أن يذبحوا بقرة، لكنهم أصروا على ألا يفعلوا ذلك.

عدنان أوكتار: قل هذا مرة ثانية.

شيلان أزبوداك: لقد أخبرت عن هذا من قبل، أمرهم الله أن يذبحوا بقرة لكنهم اختلقوا أعذارًا حتى لا يفعلوا ذلك.

عدنان أوكتار: من المؤكد أنهم أيضًا لم يحترموا الثقافة المصرية، بل استهزأوا بها، وبدلًا من هذا كانوا مهتمين بالجانب الاستعلائي منها في عدم تذكر الله. على سبيل المثال، كان امتلاك عجل ذهبي في وسط الصحراء بمثابة شيء مثير للغاية بالنسبة لهم، فلم يطلبوه من النبي موسى (عليه السلام) لأنه كان فقيرًا، إذ إن إعجابهم بالذهب على المستوى اللا شعوري تجلى بهذه الطريقة، ولكن عندما أخبرهم النبي موسى (عليه السلام) أن الله يريدهم أن يذبحوا بقرة، أوجدوا شيئًا على الفور حتى يتصرفوا بطريقة متعالية، فسألوا "ما هي؟"، كي يضايقوا النبي موسى (عليه السلام) وحسب، كان المطلوب أي بقرة، أمرهم الله أن يذبحوا أي بقرة، ولكنهم كي يورطوا النبي موسى (عليه السلام)، سألوه عديدًا من الأسئلة عن البقرة كي يلمحوا إلى أنه لم يكن على علمٍ كبير، فسألوا أكثر عن تفاصيل سمات هذه البقرة، وعندما فسر لهم النبي موسى (عليه السلام)، لم يجدوها كافية وطلبوا منه مزيدًا من التفاصيل، قال الله تعالى: "وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ"، لقد سألوا عن مزيد من التفاصيل، وأرادوا أن يعطيهم النبي موسى (عليه السلام) مزيدًا من التفاصيل، وكانت لهم من وراء هذا أهداف عدة، إذ إنهم كانوا معارضين لذبح البقرة بسبب تقديسهم لمصر ودينها. الأمر الثاني، حسبما نفهم من آيات القرآن، أنهم أولوا انتباههم لكثير من التفاصيل، مما يعني أنهم كانوا قومًا مهووسين. يمتلك الناس عديدًا من الوساوس في المجتمعات الجاهلة، إذ لا يستطيعون إبعاد أنفسهم عن الوساوس، ويريدون أن يفعلوا كل شيء وفقًا لنظامهم وعقليتهم الخاصة. فينزعجون عندما لا يجدون أي شيء يريدونه. على سبيل المثال، يكون لديهم رغبة تملأها الوساوس بشأن استخدام حُليهم القديمة وأمشاطهم القديمة وما إلى ذلك، ويكون لديهم وساوس هائلة حول ما يأكلون وما يشربون والمكان الذي يجلسون فيه، ويزعجون الناس بوساوسهم ويريدونهم أيضًا أن يصيروا هكذا، ولأنهم مهووسون أيضًا، فيريدون أن يحقنوا الناس بهذه الفلسفة وهذه الروح. فإذا ذبحوا أي بقرة، لجعل ذلك حياتهم أسهل، إلا أنهم أرادوا حياة معقدة، وهذا بالتأكيد ما يرغب فيه الكفار، يرغبون أن تصير حياتهم معقدة وصعبة وممتلئة بالتفاصيل، فلا يريدون أن يكون الناس في سلام، ولا يريدون أي تصور واضح للإسلام. فوفقًا لما يرون، ينبغي أن تكون تصرفات العبادة معقدة، فمثلًا يجب أن تكون الصلوات الاعتيادية طويلة للغاية، والسور التي يحتاجون أن يقرؤوها يجب أن تكون طويلة، ويجب أن يكون خرز سبحهم كثيرًا للغاية. وفقًا لما يقولون، فإن العد على السبح ذات الخرز القليل هو شيء مرتبط بالكسالى. على سبيل المثال، يجب عليهم أن يؤدوا صلواتهم حتى تتورم أقدامهم، ويعتقدون أن عليهم أن يؤدوا صلواتهم حتى تشرق الشمس، وهم بالتأكيد يقولون إن الطريقة المثلى لأداء الصلوات تكون من خلال إنهائها بأقدام متورمة، ويحسدون مثل هذه الشعائر، والحقيقة تقول إنه محرمٌ على أي مؤمن أن يستجلب الأذى إلى نفسه، فليس هذا ما يريده الله منهم، ولكن عندما يتضمن الأمر الوساوس، فإنهم يعقدون حياتهم، ويفعلون كل شيء صعب بلا سبب. فإذا ذبحوا البقرة، سينتهي الأمر، فسألوا عن مزيد ومزيد من التفاصيل كي يؤكدوا على طبيعتهم التي تستعرض الذكاء وعلى إفراطهم في التدقيق. بعبارة أخرى: يريدون أن يعطوا الانطباع الذي يفيد بأن النبي موسى (عليه السلام) ليس شديد التدقيق في التفاصيل لكنهم كذلك.

يقول الله تعالى في الآية 67 من سورة البقرة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا"، إذ إن مثل هذه العبارة ممتلئة بالوساوس، فهم يجيبون على كل حديث منطقي بنبرة مغرورة وعدوانية وحمقاء، أخبرهم النبي موسى (عليه السلام) بحكم الله، فأخبرهم قائلًا "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً"، فماذا يكون أكثر منطقية من هذا؟ ولكي يتصرفوا تصرفًا مغرورًا ويؤكدوا على أنهم يعلمون أفضل منه وأنهم في وضع يسمح لهم بأن يعلموه، قالوا: "أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا"، فقال لهم: "أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (سورة البقرة: 67). وكما ترون، لم يرد على غرورهم ردًا صارمًا، فماذا قال؟ "أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ"، كانت هذه هي تجربته، فأي شخص يتصرف بأسلوب مغرور سيخسر، فيما سيربح الشخص الذي يرد ردًا حسنًا.

على سبيل المثال، أفصح القرآن للنبي (صلى الله عليه وسلم) من خلال القصص عن فرعون وملئه، كان ملأ فرعون ثائرين للغاية، فقد اضطهدوا المسلمين كثيرًا إلا أن الخونة من قوم موسى (عليه السلام) نسوا كل هذا الاضطهاد، فقالوا إن الاضطهاد الذي وقع عليهم من قوم فرعون كان بسبب النبي موسى (عليه السلام)، وبعبارة أخرى، قالوا إنه كان السبب وراء كل هذه المعاناة التي مروا بها، وقالوا: "أنت الشخص الذي يزعجنا، والذي يتسبب لنا في الألم والإرهاق"، انظروا إلى هؤلاء السذج، إنهم شهدوا الاضطهاد الذي سببه لهم الملحدون، وكما تعرفون فإنهم ذبحوا أطفالهم، وضربوا الناس بالسياط وأجبروهم على حمل الحجارة، وقد دمروا الناس، إلا أن قوم النبي موسى (عليه السلام) لم يعتبروا أن هذا شيء مهم.

كانوا يحاولون إزعاج النبي موسى (عليه السلام) من خلال استخدام نبرة مغرورة وماكرة تجاه نبي الله موسى (عليه السلام) والعياذ بالله، ويعتقدون أنهم مروا بكل هذه المعاناة بسبب النبي موسى (عليه السلام) ويلقون باللوم عليه. عندما يقول النبي موسى (عليه السلام) شيئًا عاديًا، فيقولون "أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا"، فهذه النبرة العدوانية المقززة تعتبر شيئًا مرتبطًا بالأشرار الذين يتظاهرون بأنهم مسلمون، وهم يقولون مثلًا "إننا مسلمون" إلا أن أرواحهم استحوذ عليها الشيطان، فهم يردون تقريبًا على كل شيء يقوله النبي موسى (عليه السلام) بأسلوب مغرور، والحقيقة أن النبي موسى (عليه السلام) أنقذهم من الاستعباد. على سبيل المثال، يقول الله تعالى في الآية 72 من سورة النساء: "وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ"، فهم يكترثون بأعمالهم الشخصية وحسب، وهم يتدربون ويقامرون ويشاهدون الأفلام، ويتجولون ولكنهم لا يكترثون بالمسلمين، وهم يعتقدون أن ثمة آخرين يعتنون بهم بالفعل.

إندر دابان: يقول الله تعالى إن هؤلاء المنافقين يتوجهون نحو أي فرصة للتسلية وهم ليسوا صادقين مع الله عندما يكون عليهم أن يتخذوا موقفًا حاسمًا.

عدنان أوكتار: أجل، جاء في القرآن: "فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا" على سبيل المثال، عندما يتضور أحد المسلمين جوعًا، فإنه لا ينام ويصير مرهقًا وقد يمرض، ولكن أي منافق سيظن أنه ذكي لأنه ليس معهم، إذ يعتقد أنه لم يصبح مريضًا، ولم يتعب بينما أُلقي القبض على المسلمين وتعرضوا للضرب ومرضوا وحُرموا من النوم ودُمروا لأنهم ينقلون رسالة الإسلام، إنهم يعتقدون أنهم تصرفوا بذكاء لأنهم لم يتعرضوا للخطر مثلما حدث للمؤمنين، أجل، ولكن ألن يموتوا في نهاية المطاف؟ أجل سوف يموتون ولن يتركوا شيئًا خلفهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ"، وفجأة يتوقفون عن نبرتهم العدائية ويقولون: "يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا" (سورة النساء:73).

يقدم القرآن روايات مثالية للعقليات المنحرفة التي لدى الملحدين، وإذا حللنا بعناية، سوف نتمكن من رؤية الحالة العقلية والفلسفة التي لديهم بكل وضوح. على سبيل المثال، تقول الآية 47 من سورة المؤمنون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ" (سورة المؤمنون: 47)، لاحظ أنه على الرغم من أن قوم فرعون يعتبرون قوم موسى (عليه السلام) عبيدًا، فهم (أي قوم موسى) يحترمونهم لأن قوم فرعون يحتقرونهم، إذ إنهم معجبون أيضًا بالقوم الذين يحقرون منهم. على سبيل المثال، تحقر الولايات المتحدة من دول العالم الثالث، إلا أن هذه الدول معجبة بالولايات المتحدة وترغب شعوبها في الهجرة إلى هناك، وهذا هو حلمهم، وبعض من هؤلاء متخاذلين، إذ إنهم يقبلون أن يفعلوا حتى أصعب الأعمال ويجدون أنه من المنطق أن يكونوا مضطهدين، وهم لا يمانعون أن يقوم قوم فرعون بالضرب أو القتل، وهم تقريبًا يقولون: "ماذا إذا ضربونا أو قتلونا"، تذكر الآية 129 من سورة الأعراف، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا". على الرغم من أنهم يعرفون أن النبي موسى (عليه السلام) هو نبي، فإنهم يتصرفون بغرور، وكما تلاحظون، فهم يشتكون من أنهم مضطهدون ومضايَقون، ومن أنهم غير قادرين على النوم أو تناول الطعام والشراب كما يريدون، وهم يعتبرون أن أي شيء يفعلونه من أجل الله نوعًا من الاضطهاد. قال النبي موسى: "قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" (الأعراف: 129).

وبكل تأكيد انهزم هؤلاء الذين كانوا ضد بني إسرائيل، وبالتأكيد جعل الله الشعب الإسرائيلي هم المتصرفين.

شاهد على الهواء على HarunYahya.Tv

2017-10-10 14:48:30
عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top