ما الذي تغير منذ الحادي عشر من أيلول؟

بعد هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 قال جورج بوش رئيس الولايات المتحدة حينها: "هذه حملة صليبية، هذه الحرب على الإرهاب ستستغرق وقتاً". قال بوش كذلك إن الحكومة مصممة على "تخليص العالم من الأشرار". جورج بوش الواثق من قوة الجنود الأميركيين في مواجهة الإرهاب المتطرف أشار إلى أن العالم المسيحي سيرد على الإرهاب بالإرهاب.
لا شك أن الحملة الصليبية لم تحدث لكن العالم الغربي صدق أن الطريقة المثلى لمحاربة العنف هي بالعنف. النتيجة كانت معاناةً لا توصف؛ أفغانستان والعراق وسوريا دُمروا تماماً، فقد الملايين حياتهم وتصاعد الإرهاب المتطرّف. باختصار أشعل العنف مزيداً من العنف. خلال الـ 16 عاماً الماضية، حاولنا بإصرار ترسيخ التالي: العنف هو ما يولد العنف. التطرّف لا يمكن هزيمته إلا عن طريق القضاء عليه فكرياً.
هذا موقف مثير للشفقة لكن هذه الحقيقة التي سلطنا عليها الضوء لفترة طويلة لم يكن بالإمكان تحقيقها. العمليات الإرهابية تتبع بعضها بعضاً؛ واستهدفت أوروبا مؤخراً. لعام ونصف عاشت فرنسا في ظل حالة الطوارئ واهتزت بريطانيا تحت وطأة سيل العمليات الإرهابية الأخيرة. بعد الهجوم الأخير في بريطانيا، أصدرت رئيسة الوزراء تريزا ماي بعض التصريحات التي ذكرتنا بالأخطاء التي ارتكبت بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. قالت تريزا ماي "الهجوم على جسر لندن يظهر أن هناك سماحاً بالتطرّف الإسلامي في بريطانيا أكثر مما يجب"، وصرحت أيضاً أن قيم التعددية في بريطانيا يجب أن يتم استدعاؤها في مواجهة ما يقدمه "دعاة الكراهية".
قيم التعددية البريطانية مهمة بلا شك في إطار مبادئ الحرية والمساواة والتنوع والديمقراطية التي تدعو لها، بالإضافة إلى أن هذه الثقافة مهمة لأنها تشجع الفن والجمال والمساواة وحرية الرأي وحقوق الإنسان. قيم التعددية البريطانية التي تتحدث عنها رئيسة الوزراء ماي يجب حمايتها بالتأكيد من دعاة الكراهية ويجب دعمها حتى النهاية. لكن قيم التعددية البريطانية لا تقدم حلاً للراديكالية.
تنشأ الراديكالية من الاعتقاد. البعض يعتبرها راديكالية إسلامية، لكن هذا النوع من التفكير ليس له علاقة بالإسلام. هذا النوع من التفكير المنفصل تماماً عن الإسلام المفصل في القرآن وهو مبني على العنف والإرهاب والرداءة يتم توليده صناعياً. للقضاء على نظام الاعتقاد الفاسد الذي تتبناه هذه الهياكل يجب علينا تقديم نظام اعتقاد سليم ومحق.
ما يجعل الراديكالي يتخلى عن مهمة الإرهاب هو إيمانه بالإسلام نفسه. بإمكانه إيقاف أعماله الإرهابية فقط عندما يدرك أن دينه دين سلام وأن العنف والكراهية ليس لهما مكان في هذا الدين. لهذا فإن التعليم الأيديولوجي المضاد الذي يصحح اعتقاداتهم المشوهة والخاطئة هو الحل الوحيد للإرهاب. ما لم يدعم الغرب هذا النوع من التعليم ويتحالف مع المسلمين المسالمين الأصليين في هذا الإطار، واستمر في تقديم قيمه فقط فإن جهوده لن تنجح.
التطرّف ليس شيئاً يمكن التخلص منه عبر تنظيف بيتك وبلدك. اخترق التطرّف كل مكان في العالم، حتى أنه وصل إلى بريطانيا الدولة الجزيرة. هذه المشكلة لا يمكن علاجها عبر قمع وسائل التواصل الإجتماعي أو تشديد الإجراءات الأمنية الشاملة في المطارات أو عبر شبكات مراقبة المجال العام الأوسع في العالم. الاحتياطات الاحترازية ضرورية بالتأكيد لكن دون اتخاذ أي إجراءات ضد التطرّف أو تجفيف المستنقع من هذا العفن فإن تطهير الهواء لن تكون له أي نتيجة. على العكس من ذلك خصوصاً في الدول الأوروبية المعنية فإن رهاب الأجانب والمسلمين سينتشر، وسيبرز الإقصاء داخل المجتمعات وتكون النتيجة مجتمعات غير سعيدة وغاضبة. في النهاية سيعاني مواطنو الدول الأوروبية أكثر من غيرهم. في هذه الأثناء علينا أن نتذكر أن المنظمات الإرهابية ستجد أرضاً خصبة لتجنيد المؤيدين في هذه المجتمعات الغاضبة.
بعد الهجمات الإرهابية في بريطانيا قالت تريزا ماي "هذه الأيديولوجيا لا يمكن هزيمتها عبر التدخل العسكري وحده" هذا التصريح صحيح بالتأكيد لكن من الواضح أيضاً أن أفعالاً مثل التقييد والقوائم السوداء والحظر لن تؤدي للقضاء على الإرهاب. نأمل ونتمنى أن يفهم العالم الغربي بسلاسة هذه الحقيقة التي ندعو إليها. في غياب أي نضال فكري من المستحيل الفوز في هذه الحرب. ليس مسموحاً للإرهاب بأن يظهر وجهه القبيح لا في بلادنا ولا في الشرق الأوسط ولا في أوروبا أو أميركا. ما نريده هو القضاء على هذا العفن.

http://www.almadapaper.net/ar/news/531762/

2017-06-21 18:24:42

عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top