< <

الفصل الثالث
كراهية المتعصبين للنساء

 المرأة هي من أعظم النعم في هذا العالم

من أكثر الأمور المصدمة المتعلقة بالمتعصبين هي موقف هؤلاء الناس تجاه المرأة. بسبب كل الخرافات التي لفقها الأصوليين، الذين يعتبرون المرأة مخلوق دوني، فقد استبعدت النساء من المجتمع وحتى انهم أصبحوا لا يطيقوا رؤيتهن في الشوارع. سنتطرق في الصفحات التالية الى موقف المتعصبين المناهض للمرأة ونعرض مقتطفات من مختلف أحاديثهم الملفقة حول هذا الموضوع، ومن ثم نرى كيف تمت معارضته هذا الموقف من قبل القرآن وسنة النبي ﷺ. كما ان الأحاديث الملفقة في هذا الموضوع ستعطينا فكرة أفضل بكثير عن الطريقة غير الأخلاقية تماما التي يتم اضطهاد المرأة بها في كثير من البلدان الإسلامية.

السبب وراء وجهة النظر المتعصبة تجاه المرأة هو اعتقادهم بأن المرأة لديها نقص في الإيمان والعقل. الفكرة القائلة بأن المرأة هي نصف انسان وتحتاج إلى تحكم وتوجيه كي تستمر. بالنسبة للأشخاص الذين يفكرون بهذه الطريقة، يعتبر حتى مجرد وجود المرأة هو خطر وسبب للمشاكل؛ ولذلك يرون بضرورة البقاء عليها متسترة ومهمشة في المجتمع، محرومة من جميع الحقوق واعتبارها شخص غريب الى أقصى حد ممكن. يحولون المرأة بكل حماقة إلى مواطنين من الدرجة الثانية ويمنعوها من اتخاذ القرارات والانخراط في المسائل لاجتماعية، ويسعون الى تحويلها إلى مجتمع خاضع لسيطرتهم الخاصة لأنهم يعلمون جيدا أن المرأة قادرة تماما على التفكير بقدر كبير من الدقة وإصدار أحكام عقلانية واستخلاص استنتاجات دقيقة عن طريق تحليل التفاصيل. كما ان استبعاد النساء من خلال المبررات الملفقة مكّن أيضا بعض المتعصبين من نشر الأكاذيب الخاصة بهم بسهولة بالغة

لقد بين لنا الله بانه لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة من حيث التقوى وأن للرجال والنساء مسؤوليات متساوية فيما يتعلق بالأعمال الصالحة، والسعي لنشر الفضائل الأخلاقية وإقامة الدعوة الفكرية في سبيله. وفقا للقرآن، والرجال والنساء متساوون في المسؤولية. ومع ذلك، يعتبر القرآن النساء تتفوق على الرجال من حيث التعاطف والتقدير والحرص على الاعتناء الشديد بهن. كما ان هناك بعض الآيات التي يحاول ان يستخدمها المتعصبين وأعداء الإسلام كدليل ضد المرأة الا انها في الواقع آيات تكشف تفوق المرأة وأهميتها والقيمة التي منحها إياها الله عز وجل. سوف نتطرق الى هذه الآيات بالتفصيل في الوقت المناسب.

هناك مقارنة متعلقة بالمرأة جاءت في القرآن في القرآن تظهر مدى تقدير الله عز وجل لها؛ حيث يقارن المرأة بالنبتة الحساسة او الوردة؛ هذا الوصف جاء للسيدة مريم (عليها السلام) وهو تأييد واضح للقيمة والاهمية التي منحها الله للنساء، حيث يقول الله تعالى:

 

" فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا"(ال عمران،37)

ان رعاية الزهرة الجميلة تتطلب حساسية عالية جدا؛ فالورود الجميلة حساسة وقيمة وتتطلب اهتماما وعناية كبيرة. أن جمال زهرة وحساسيتها والرعاية الكبيرة التي تحتاجها بالإضافة الى قيمتها واهميتها كلها صفات تصف بدقة مكانة المرأة في القرآن. في لحقيقة خلق الله النباتات والزهور في العالم كعناصر جمالية، نعم تبعث السرور وكرمز للنظافة والجمال وكمثال على خلقه الرائع. استخدام مثل هذا التعبير عن الجمال يشير به الى المرأة، والطريقة أن الله يقارن بها المرأة كرمز للنظافة والجمال، هو تصوير ممتاز للقيمة التي منحها للمرأة.

 

 

المرأة في القرآن

تناولت آيات القرآن قيمة رائعة تتحدث عن النساء وتضع المرأة في رعاية خاصة في مختلف الظروف. تعتبر المرأة من حيث المسؤولية مساوية للرجل، وقد أوصى القرآن برعاية خاصة للمرأة ليس لأنها تحتاج هذه الحماية، ولكن لأنها تمتلك قيمة خاصة.

وفقا للقرآن الكريم يمكن للمرأة أن تعمل إذا شاءت، لكنها ليست مضطرة للعمل. كما نرى في مثال ملكة سبأ، يمكن للمرأة أن تحكم دول، وكما نرى في المثال مريم (عليها السلام)، وهي قضوه لكل النساء، ذكرها القرآن كامرأة تمتلك الثبات والعزيمة في أوقات الشدة. المرأة في القرآن هي ملكة، وهي كيان يجب ان يكون دائما في الصدارة، ولذلك نجد ان القرآن هو خير مرشد فيما يتعلق بمعاملة النساء.

كانت النساء في زمن نبينا ﷺ تشارك جنبا إلى جنب مع الرجل في جميع مجالات الحياة. حقيقة أن زوجة نبينا ﷺ المباركة خديجة رضي الله عنها كانت سيدة أعمال معروفة ومحترمة في المنطقة هو جزء مهم من المعلومات التي تظهر الدور الفعال الذي كانت تلعبه المرأة في الحياة الاجتماعية، كما تمتع كل من الصحابة الإناث والذكور في زمن نبينا ﷺ بمسؤولية متساوية في تعليم الناس الذين جاءوا حديثا إلى الإسلام وفي إنشاء نظام اجتماعي وحتى في الحرب. ان اللطف والحب والدفء والخير الذي اظهره نبينا ﷺ لزوجاته هو أفضل نموذج للعالم كله. فمن الواضح أن نبينا ﷺ الرائع الذي كان يشارك في سباقات الخيل مع زوجاته والذي كان يحني ظهره لمساعدتهم على الصعود على ظهور الحمير، الذي أشاد بتفوق النساء في كل مناسبة والذي كان يريح رأسه على كتف زوجته بينما يشاهد أي شيء مسلي، لن يسمح بهذه الممارسات المروعة التي يقوم بها الأصوليين. ومم لا شك فيه بان هؤلاء المتعصبين يحملون اوزارا كبيرة على ظهورهم من خلال التشكيك في الصحابة باستخدام الأحاديث الملفقة باسم النبي ﷺ، والمتعصبين والافتراء على حد سواء بينه وبين الصحابة وتكتسب مسؤولية ثقيلة على أنفسهم.

سوف يتضح السبب وراء اختلاف المرأة في دين المتعصبين وعما هي عليه النساء التي وصفت في القرآن فور تناولنا لبعض الأحاديث الملفقة، وسيكون ردا واضحا لكل حديث ملفق أيضا من القرآن.

 

 

أساليب المتعصبين في تشويه صورة النساء

المرأة ناقصة عقل ودين

عن ابي سعيد الخدر عن رسول الله  يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقلن وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء"( صحيح البخاري، الفصل 24، الحديث 541) 

قال تعالى:...انا أيضا جعلتها غبية، على الرغم من انني خلقت لها الذكاء، وسوف اجعلها تعاني مشاق الحمل وصعوبة الولادة...(تاريخ الطبري: مقدمة عامة من الخلق والطوفان، ترجمة فرانز روزنتال ]جامعة ولاية نيويورك برس، ألباني]، المجلد 1، ص 280-281)

 

لا توجد أي إشارة في أي آية من القرآن الكريم على ان المرأة هي اقل ذكاء من الرجل. على العكس، عندما يذكر الله عز وجل " المؤمنين من الرجال والمؤمنات من النساء،" يبين لنا انه أخصهما بمسؤولية متساوية عنده؛ بعبارة أخرى، أي انهما متشابهان من حيث الذكاء والضمير. وعلاوة على ذلك، كما في مثال ملكة سبأ، يمكن للمرأة أن تحكم الدول وتتخذ القرارات بشأن المسائل الأكثر حساسية. وبالإضافة إلى ذلك فلا يوجد تشريح مختلف يجعل شخصا اكثر ذكاء من الاخر ولكن خوفهم ومحبتهم لله، وعمق الإيمان ووازع الضمير هو من يحدد الفرق بين الاشخاص. يلهم الله الحقيقة دائما في ضمير كل انسان، رجلا كان أو امرأة، لذا ما يحدد ذكاء الناس وورعهم ليس كونهم رجالا أو نساء ولكن مدى التزامهم بوحي ضمائرهم، وذلك كما يتضح في هذه الآية: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"(الانفال،29) خوفهم من الله: هذا هو المقياس الوحيد للذكاء في القرآن. ولذلك وبنفس الطريقة لا يتفوق الرجل لكونه رجل ولا يقل ذكاء المرأة وايمانها لأنها امرأة، لكن وكما قلنا مرات عديدة، دين المتعصبينهو مختلف عن القرآن ومليء بالافتراءات.

الطريقة التي يفترون بها على الله نفسه بهذه الأحاديث والاقاويل الملفقة في هذه المسألة تظهر قوة التطرف التي ذهبوا اليها الأصوليين. فلا يوجد في القرآن أي شيء من هذا القبيل او ما يشابهه حتى ، فما حال هذه الكلمات التي يفترون بها على الله؟ أين هو هذا الوحي الذين يزعمون انه يربطهم بالله، إذا كانت لا تظهر هذه الكلمات في القرآن الكريم؟ الخطر الأكبر في دين المتعصبينهو انهم يفترون على الله ويختلقون الكلام باسمه، وبالتالي فهم قادرون على الافتراء على المرأة وتلفيق ما يشاءون ضدها أيضا.

يعتبر الحمل حالة مقدسة في القرآن الكريم وكذلك الأمهات هن مقدسات أيضا، حيث يقول الله عز وجل في هذا الموضوع:

" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ"(لقمان،14)

" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"(الاحقاف،15)

 

 

 

حملت مريم (عليها السلام) بمشيئة الله، وكانت صبورة في وجه كل الصعوبات التي واجهتها خلال فترة الحمل؛ بسبب ثباتها واخلاصها لله عز وجل وتفوقت على كل نساء العالم:

" وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ"(ال عمران،42)

" مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ"(المائدة،75)

عندما يعرضون طريقة تفكيرهم المريعة حول النساء وعندما يتحدثون عن "الغباء" ويشيرون الى الحمل والولادة كعقاب من الله للنساء، هم في الحقيقة وبكل غباء يهينون السيدة مريم (عليها السلام)، الصحابيات، وكل النساء الورعات اللواتي مدحهن الله لفضائلهن الفائقة.

صعوبة الحمل ومخاض الولادة هي واحدة من محن هذا العالم، والتي تتطلب الثبات الكبير، وقوة واردة تحمل. يبين الله أن الأم التي تتحمل هذه الصعوبة وتثبت هي قيمة جدا في نظره. لهذا السبب، فان الأم التي تخضع لرب العالمين وتبقى على حبه على الرغم من كل هذه الصعوبات هي امرأة متفوقة جدا وفاضلة. هذه القيمة التي أخصها الله عز وجل للأمهات هي واحدة من القيم الأخلاقية في القرآن.

كما رأينا، هناك حالات تكون فيها المرأة متفوقة حتى على الرجل في القرآن الكريم، وبالتالي فإن فكرة أنها "تعاني من نقص في الذكاء والإيمان" هو افتراء بشع من قبل الأصوليين، كما ويخاطب الله عز وجل الرجال والنساء بشكل متساو فيما يتعلق بالمسؤولية ولهذا السبب يتم مخاطبة المؤمنين من الذكور والإناث معا في العديد من الآيات، وواحدة من هذه الآية كما يلي:

" إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"(الأحزاب،35)

كما رأينا في هذه الآية، وليس هناك أي فرق بين الرجل والمرأة عندما يتعلق الأمر بمثل هذه العناصر الأساسية لكي تكون مسلما مثل خشية الله، وتذكر الله، الولاء لله، والثبات وتقديم الصدقات؛ لا يوجد في القرآن ولا كلمة واحدة تشير الى ان المراة اقل شانا من الرجل في عقلها او ايمانها او غيرها من صفات المسلمين؛ سواء كان الناس رجال او نساء فكلهم لديه مسؤولية تقوى الله بكل ما اوتي من قوة وحبه بعاطفة قوية ونيل رضاه.

 

 

 

 النساء خلقن من ضلع اعوج

إن المرأة خلقت من ضلع أعوج لن تستقيم على طريقة فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وان تقيميها هو طلاقها. (صحيح مسلم، الكتاب 8، الحديث3467، النسائي)

 

وصف الله عز وجل خلق البشر بالتفصيل في القرآن:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ(13) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ(14) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"(المؤمنون،12-14)

 

لم تذكر اي آية في القرآن أي شيء عن ان المرأة خلقت من ضلع اعوج او انها معوجة بل وعلى النقيض من هذه المصطلحات التي يستخدمها الاصوليين، فقد خلق الله عز وجل النساء والرجال في احسن تقويم حيث قال:

" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (سورة غافر، 64)

تعني عبارة " فإن ذهبت تقيمها كسرتها " في الحديث الملفق بخصوص هذه المسألة بان لديها اعوجاج في كل من الجسم والعقل معا ولن تستقيم؛ ومع ذلك لم تظهر أي من هذه الكلمات في القرآن الكريم، وهذا يظهر مدى الغضب في موقف المتعصبينتجاه النساء.

الدرس الذي نتعلمه من القرآن هنا هو ان الجميع سواء رجلا كان أو امرأة، لديه عيوب ويمكن أن يخطئ. وفقا للقرآن ينبغي تصحيح هذه العيوب من خلال مخاطبة المخطئ بلطف والقول له انت مخطئ، وتوضيح ما هو الصواب وما هو خطأ، ودعوتهم للعودة عن الخطأ. لا يحق لأي شخص ان يقصي أي شخص اخر قائلا: "هذا الشخص لا يمكن تقويمه." الشخص الذي يفعل ذلك ويعتبر نفسه متفوقا على شخص يعتبره "فاسد" ربما في الاحرى يأتي هذا الشخص الذي اعتبر كافرا متفوقا على من اعتقاده عنه ذلك؛ الله وحده يعلم من هو على الطريق الصحيح.

وقد تم تعزيز خرافات المتعصبينعن المرأة بانها معوجة وناقصة من البداية من خلال فكرة أنه لا يمكن تقيمها فيما بعد؛ لذا تحتوي العديد من الأحاديث الملفقة على معلومات مغلوطة مفادها أن النساء الصالحات عددهن قليل وأن معظم النساء ليست جديرة بالجنة.

 

 

 

الادعاءات ولأحاديث الملفقة لإهانة النساء

مثل المرأة الصالحة في النِّساء كمَثَل الغراب الأعصم، الذي إحدى رجليه بيضاء (نهج الفصاحة،ص.20)

واحدة من بين 99 امرأة في الجنة والبقية في النار ( صحيح البخاري)

يا معشر النِّساء، تصدَّقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار( صحيح مسلم، الكتاب الأول، الحديث 142)

تظهر هذه الأحاديث الملفقة في هذه المسألة كيف يتم تحقير النساء واعتبارهن كمواطنين من الدرجة الثانية في المجتمعات المتعصبة. بعد هذه الأحاديث الملفقة تحولت بعض المجتمعات الإسلامية إلى مجتمعات يملأها الحوف والمتعصبة التي تحتقر النساء وتستخف بهن حبستهن وراء الأبواب المؤصدة. اعتبار المرأة من الدرجة الثانية ومعاملتها على هذا الاساس في المجتمع أدى الى تطوير مجتمعات مشوهه حضاريا، وثقافات مشوهه والى انعدام الذوق ومزيد من الفراغ، كما ان ممثلي هذه العقلية المتعصبة لم ينموا او يتطوروا يوما. العديد من البلدان في الشرق الأوسط هي اليوم في منتصف هذا التشوه الثقافي وانعدام الجودة التي انتجتها هذه المفاهيم المرعبة. ومع ذلك، فإن الدين الذي جاء به القرآن هو جميل وواضح، وذو جودة عالية ومسالمة.

 لقد فشل المتعصبينتماما في استيعاب أن الله يولي قيمة كبيرة للمرأة التي يعتبرها جوهرة الجنة، في كل من هذه الدنيا والآخرة، والأهم من ذلك كله انهم لم يستطيعوا الاسترشاد بالقرآن.

لا يظهر أي من الشروط الواردة في الأحاديث الملفقة حول مسألة المرأة في أي مكان في القرآن. يصف الله الناس بأنهم خاطئون؛ ويرتكبون الشر والأفعال غير المشروعة بشكل مفصل في القرآن الكريم، ولم يأتي أيا من هذه الأوصاف بشكل خاص عن النساء. على سبيل المثال، يبين الله في القرآن أن عددا كبيرا من الناس لن تؤمن، وأن عددا كبيرا من أولئك الذين امنو هم مشركون بالله:

" المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ"( الرعد،1)

"وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ"(يوسف،106)

يبين الله في اية أخرى انه على الرغم من خلقه جميع الوسائل للناس للتعلم منها، الا ان الغالبية العظمى من الناس ما زالت لا تتعلم وما زالوا مستمرين بالانحلال الأخلاقي:

" وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا"(الفرقان،50)

كما رأينا، لم يرد في هذه آيات او في غيرها أي شيء عن ان الناس المقصرين في دينهم هم من النساء كما يحاول المتعصبينان يوهموا الناس. كما ان ذوي الاخلاق السيئة لا يصنفوا على أساس جنسهم في أي اية من القرآن الكريم؛ ولا يوجد في القرآن ما يشير الى ان النساء هن أكثر انتهاكا لحرمات الله او ان قليل من النساء سيدخل الجنة. كل المعلومات الواردة في الأحاديث الكاذبة هي مزورة وملفقة من أجل التحريض ضد المرأة، كما وان القرآن دحض تماما وبشكل نهائي كل الأحاديث الملفقة التي جاءت بهذا الخصوص.

 

 

النساء تشكل عائق أمام المؤمنين

"لو لم تكن النساء، لعبد الله في الأرض بشكل رائع.( الصيوتي،صحيح بخاري،ابن عدي،ابن الخاتم، ابن الجوزي، محمد نصر الدين وابن الحيبان كلهم قبلوا هذا الحديث.)(سلسلة الحديث الضعيف:74، تنزه الشريعة:1\62، الليلي:2\59)

لو لم تكن للنساء، لذهب كل الرجال الى الجنة.( ابن اراق والسقفي لم يقبلوا بالحديث.(الجامع الصغير:2\113)

 

دعونا أولا نتذكر نقطة واحدة مهمة جدا؛ ان الافكار المعادية للمرأة التي وصفتها الأحاديث الملفقة ليس لها اي مكان على الاطلاق في القرآن.

إذا ما انتقلنا إلى مضمون الأحاديث الملفقة أعلاه، نجد انه ليس النساء أو النعم الأخرى التي خلقها الله في هذا العالم من يمنع الناس الذين يعانون من قلة الايمان لديهم من تأدية واجباتهم الدينية والسير على السراط المستقيم، ولكن ضعف الضمير والعقل عندهم وقلة ارادتهم ان صح التعبير هو من يمنعهم من ذلك. لقد خلق الله هذا العالم بمثابة اختبار؛ يتم اختبار الناس طوال حياتهم من خلال المشاكل والصعوبات والأمراض والضعف، وبنفس الطريقة يتم اختبارهم أيضا من خلال النعم والخيرات. المرأة هي واحدة من تلك النعم والخيرات الموجودة في هذا العالم. مثل كل نعمة، ولكن كيف يتم تقييم هذه النعمة اعتمادا على القيم الأخلاقية للشخص الذي يتمتع بهذه النعمة؛ يبين الله في القرآن بان كل الخيرات في هذا العالم قد خلقت لاختبار الانسان:

 

" زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"( عمران:14)

 

تمام مثل النساء فان الأطفال، والذهب، والفضة، والحيوانات الرائعة، المزارع والثروة كلها متع هذه الدنيا، وخلقت للناس للتمتع بها. ومع ذلك، فإن المؤمن يدرك أن كل هذه النعم هي مسخرة من الله عز وجل وهو المالك لها، وهي كلها زائلة، وأن أرقى أشكال النعم وأعظمها يمكن العثور عليها فقط في الجنة، وبالتالي لا شيء من هذه النعم يصد هؤلاء الناس بعيدا عن الله أو يمنعهم من السعي جاهدين في سبيله. إذا وقع الشخص في غفلة بسبب أي من هذه النعم ولم يعد يسعى لرضى الله في كل شيء فهذا نابع من ضعف الإيمان لديه؛ وليست المشكلة في النعم ولكن في الشخص نفسه. ولذلك هو نفسه من سيواجه العواقب، طالما أنه لا يصحح نفسه عن الخطأ ولن يفيد لوم الاخرين في الأخرى على ما فرط فيه من جنب الله.

 

لذلك، فان الرجل الذي يحمل المرأة مسؤولية اخطاه وسيئاته والشرور التي يرتكبها على أساس هذه الأحاديث الملفقة هو في الحقية فقط يخادع نفسه. وفقا للقرآن، الإيمان يعني أن يعبد الانسان ربه بكل اخلاص ويستشعر عظمته في السر والعلن، مهما كانت الظروف أو الاحوال. لا أحد يمكنه ان يقول يوم الحساب "لم أتمكن من عبادتك بصورة جيدة يا رب بسبب النساء" او ان يتخذهم كذريعة في الآخرة وذلك كما يبين الله عز وجل في الاية الكريمة "... بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(15)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ" (سورة القيامة، 14-15) وبعبارة أخرى، بغض النظر عن الذرائع التي قد يأتي بها الشخص فهو لا يزال على علم تام الحقيقة. بعض الناس الذين يحملون المرأة مسؤولية هفواتهم الخاصة على أساس هذه الأحاديث الملفقة، يدركون تماما انهم منافقون ويختلقون الفكرة برمتها، كما ان تجاهل احقيقة في هذا العالم لن يغير شيئا في وجود الله، حيث يقول سبحانه "... فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ "(سورة آل عمران، 25)

 

 الشخص يجب الا تقوده امرأة ابدا

لن يفلح قوم ولو امرهم امرأة ( صحيح البخاري، الكتاب 88، الحديث 219)

طاعة النساء تؤدي للندامة( نهج الفصاحة، ص.35)

شاوروهن وخالفوهن (السخاوي في المقاصد الحسنة:248،تذكرة المازوت:128، تنزه الشريعة:2-204، سلسلة الحديث:432)

لا تأخذوا بنصيحة النساء ولكن عارضوهن. فالسعادة في معارضتهن.( معلومات دينية للمراة 44،45 السيوطي، اللالي 11،147؛ابن اراك، تنزه الشريعة 11،210)

من اطاع زوجته، رماه الله مكبا على وجه في نار جهنم.( ابن ارك 11،215)

من ائتمن بيته لامرأة لن يفلح.( نهج الفصاحة، ص.188)

الدمار هو مصير من اطاع النساء من الرجال( نهج الفصاحة، ص.2013)

من ولو حكمهم لامرأة لن يصلو يوما الى بر الايمان( نهج الفصاحة، ص.271)

 

 

كما رأينا، واحدة من المظاهر الاكثر اهمية التي يحتقر المتعصبينمن خلالها المرأة هي مقتهم الشديد في رؤية المرأة في أي من مواقع السلطة، ولذلك فهم يعارضون حكم النساء بشدة، وحتى انهم يمقطون فكرة مشاورة المرأة في حال من الاحوال. يحملون فكرة أن كل شيء تفكر به او تفعله النساء هو خطأ. هذا جزء من حيلتهم البائسة لاستبعاد النساء من المجتمع. كما خدمت الأحاديث الملفقة المذكورة في الأعلى فوق هذه الغاية واستخدمت أيضا في العديد من البلدان التي تسود فيها المجتمعات المتعصبة حيث تنتشر هذه الأفكار المنحرفة والمعادية للنساء. وليس هذا فقط، بل ان عقليتهم هي مناقضة تماما لممارسات نبينا ﷺ في القرآن الكريم وهي في صراع واضح مع الإسلام.

على سبيل المثال، يروج أصحاب الخرافات المتعصبينلفكرة حمقاء مفادها " لن يفلح قوم ولو امرهم امرأة “ونجد الله عز وجل في القرآن الكريم يستشهد بملكة سبأ التي كانت امرأة حاكمة:" فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ(23)إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ "(سورة النمل، 22-23)

هذه هي الطريقة التي وصفت بها ملكة سبأ، المراة الحاكمة لقومها في زمن النبي سليمان عليه السلام في القرآن. وبعد ان أرسل النبي سليمان (عليه السلام) لها الدعوة، تشاورت مع الأعضاء البارزين من شعبها حيث أرسلوا الرد التالي:

قالوا: " قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ "(سورة النمل، 33)

كما رأينا في القرآن الكريم، النساء كانت تحكم الدول ويقع تحت إمرتها القيادات وتصدر القرارات والأوامر الخاصة. ان المفاهيم الخاصة بالمرأة في دين المتعصبينكلها متضاربة مع القرآن تماما.

عندما يهين المتعصبينالمرأة دون خجل بهذه الأحاديث الملفقة، فهم لا يدركون أنهم يهينون أيضا مريم (عليها السلام)، والمؤمنات الورعات في القرآن الكريم، وزوجات النبي ﷺ المباركات والصحابيات من النساء. يجب ألا ننسى أن عقلية تحتقر النساء بهذا الشكل هي عقلية تحتقر جميع النساء.

يمكننا أن نرى بوضوح كيف تختلف حياة المتعصبينعن القرآن عندما ننظر إلى وضع المرأة في زمن نبينا ﷺ:

على سبيل المثال، كانت زوجة النبي ﷺ خديجة (رضي الله عنها) واحدة من أغنى تجار مكة المكرمة؛ كانت ترسل القوافل التجارية الى دمشق وتشغل الناس عندها في هذه الاعمال. في الفترة المدينة المنورة كانت النساء تعمل في مجال صناعة الجلود، وتصنيع الخيوط والنسيج والصيدلة والحياكة وببع العطور ويشاركن بنشاطات أخرى في شتى مجالات الحياة. كما شاركت النساء جنبا إلى جنب مع الرجال في الحروب، وحتى انهن كنا يخدمن في الخط الأمامي عند الضرورة.

 

وتخاطب رَيْطة بنت عبد الله بن معاوية الثّقفية الرسول "يا رسول الله، أنا امراة حرفية وزوجي (عبد الله بن مسعود) وطفلي لا يملكون شيئا؛ وأنا ابيع المنتجات الفنية التي اصنعها بيدي" وتسأل ما إذا كان في عملها هذا اجر وصدقة. اجابها النبي : "بالطبع هناك اجر لكي فيما تفعلين" ( ابن سعد، الكتاب الثامن،290؛ أبو نعيم الحليا،  ابن الجوزي عسير- واسد الغابا، السابع،121)

 

كما رأينا، كانت النساء في زمن نبينا ﷺ تنفق على اسرهن وكنا ذا سلطة في حياة الأسرة؛ وبارك نبينا ﷺ في جهودهن.

 

روي ان قتيبة بنت سعد، من قبيلة اشعب، كانت تعالج المرضى والجرحى في زمن الرسول ﷺ ؛ وبعبارة أخرى، كانت النساء في زمن النبي ﷺ تعمل كأطباء. في الواقع، أسماء بنت اميس وهي امرأة متعلمة وذكية للغاية وذات خبرة عالية جدا، كانت من النساء اللواتي هاجروا إلى الحبشة (إثيوبيا في الوقت الحاضر)، ومن المعروف انها كانت طبيبة حيدة ومشهورة هناك. وتقول ام سلمى أن أسماء بنت اميس صنعت الدواء للنبي ﷺ من "النباتات وزيت الزيتون التي جلبت من الهند واليمن، وأضافت قائلة " أن أسماء تعلمت أيضا صناعة المخدر في الحبشة. (ابن سعد، كتاب -الطبقات، II، 236)

من أسماء العطارات المعروفة في المدينة المنورة في زمن نبينا ﷺ هي مليكا ام صائب آلسقفية، التي دخلت الى حضرة النبي ﷺ من أجل بيع العطور؛ هذا يبرهن لنا بشكل واضح ان النساء في زمن النبي ﷺ كنا يعملن بائعات أيضا.

وقد سجل أحد المواقف من النساء الصحابيات اللواتي شاركن في المعارك جنبا الى جنب مع المسلمين كما يلي في احدى الحسابات التي وصفت الامر بشكل دقيق:

"استغل المشركين غفلة المؤمنين عندما اضطر عشرة او اثنتا عشر رجلا من المكلفين بحماية النبي ﷺ المشاركة في الميدان وفي في لحظة واحدة ترك نبينا صلى الله عليه وحده، مع نسيبة معه فقط، واستمرت تلك العزلة من 40-50 ثانية. استغل أحد المشركين هذه اللحظة وبدأ بالهجوم فقتلته نسيبة بسيفها، وأقدم مشرك اخر على الهجوم على رسول الله ﷺ وكان مدرعا ولم تستطع قتله بالرغم من ضربه بعدة ضربات، ولكنها تلقت الضربات عن رسول الله ﷺ من اعلى كتفها حتى اسف ظهرها قبل ان يصل مجموعة من المسلمين ويتولوا امره. كانت تلك الثواني القليلة مهمة جدا حيث تلقت فيها نسيبة 11 ضربة رمح او سيف ولكنها لم تستسلم حتى نهاية المعركة.

 

كما رأينا من خلال هذه القصة، هناك تناقض صارخ للأحاديث الملفقة مع حياة النبي ﷺ وما يروى عن اصحابه، حيث كانت النساء في عهد النبي ﷺ موجودة حتى في أكثر الأماكن حيوية مثل ساحة المعركة. واحتلت الصحابيات مناصب بارزة وصلت إلى حماية النبي ﷺ في المعركة. عندما سمح النبي ﷺ للمرأة تولي دور حمايته في مثل هذا الوضع الخطير الذي يهدد يتعلق بحياة النبي ﷺ مباشرة، ما هو الا مؤشرا هاما على مدى ثقته في ذكاء وضمير الصحابيات في هذه المسألة.

لم يخاطب المؤمنين الذكور فقط في هذه الآية بل وأيضا المؤمنات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ..." (سورة البقرة، 104). في هذه الآية، خاطب الله تعالى كل من النساء والرجال على حد سواء عندما قال " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ". هذا يعني أن القرآن لم ينظر الى المرأة ككيان بحاجه الى الرعاية من قبل الرجال بسبب ضعف عقلهم، ولكن على العكس فقد خاطبهن كمؤمنين أقوياء واذكياء يقفن على اقدامهن وعلى قدر كبير من المسؤولية وساو بينهن وبين الرجال في الخطاب، ومع ذلك، نجد الكثير من الناس في بعض البلدان الإسلامية ترعرعت عقولها على هذه الأحاديث الملفقة تفتقد الى مثل هذا التصور والحقيقة: لذلك عندما نقول "الرجال والنساء يتمتعون بنفس الحقوق في القرآن" فان من ينكر من هؤلاء الناس الذين ترعرعوا في  المجتمعات  هذا القول بقصد او بدون قصد هم في الحقيقة يقفون صراحة ضد آيات الله.

 

الافتراء بان النساء مخلوقات من الدرجة الثانية ومتخلفات عقليا عن الرجال

لقد خلق الله النساء متخلفات عقليا، فابقوا عليهن كما خلقهن الله

وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا)نهج الفصاحة، ص.119)

 

لقد ادت كراهية المرأة التي ظلت تتداول لمئات السنين في عقلية المتعصبينشريحة كبيرة من الناس للتشهير بالله عز وجل ونبينا ﷺ ( والعياذ بالله)لاحظ أنه لا توجد أي إشارة في هذه الأحاديث الملفقة الى تمتع المرأة بحقوق متساوية مع الرجل وفقا للقرآن، وان التفوق  ليس في الجنس وانما في العقل والضمير و مدى الخوف من الله؛ ولا يوجد أي ذكر للآيات القرآنية التي تتمتع المرأة في ظلها بالحقوق والحماية من رب العالمين.

يتم تجنب هذه الآيات والاعتبارات عمدا، وليس هناك أي ذكر للمراة على انها انسانة ذكرت في القرآن وانصفها الله واساد بها في الكثير من آياته. لذلك، هذه الكلمات التي خدعت المسلمين منذ مئات السنين، ولفقت على النبي ﷺ  قد أدت إلى تشكيل عقلية خبيثة تنسب إلى الإسلام؛ بهذه الطريقة يتم الإساءة الى نبينا ﷺ والإسلام منذ الاف السنين.

 

ومع ذلك، فإن فكرة ان الله ترك المرأة متخلفة (والعياذ بالله) لم تذكر ولا في أي اية من آياته في القرآن الكريم. على العكس من ذلك، فقد نصفها الله في القرآن الكريم، من خلال كلمات مثل "المؤمنين، الذين آمنوا، الذين عملوا الصالحات، ذكرا أو أنثى، ان كان مؤمن ..." مما يعني أن جميع المؤمنين من الذكور والإناث، يتقاسمون نفس المسؤوليات ولا يوجد أي تمييز على أساس الجنس. يقول الله عز وجل في االاية:

" لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا"( النساء،95)

كما رأينا، فإن الآية تتحدث عن مسؤولية المؤمنين الذين يسيرون في الدعوة والجهاد الى سبيل الله طيلة حياتهم؛ وهذه المسؤولية تقع على عاتق الرجال والنساء على حد سواء. من خلال مخاطبته لكل "المؤمنين،" يجعل الله عز وجل جميع المسلمين، رجالا ونساء مسؤولين عن أداء الفرائض الدينية. إذا قامت المرأة المسلمة بواجبها الديني بشكل أفضل من الرجل فسوف تتفوق عليه وتكون أفضل منه في نظر الله، وإذا فعل الرجل المسلم فسوف يتفوق عليها في نظر الله بتقواه وهكذا. لا يوجد تمايز بين الجنسين هنا، على العكس من ذلك، يكمن التفوق في الضمير، والذكاء والإخلاص لله عز وجل.

 

لذلك، هذه الأحاديث مشابه للأحاديث الملفقة الاخرى وهي معارضة تماما للأحكام التي جاءت في القرآن الكريم وتختلف تماما مع القيمة التي منحها الله للنساء في القرآن. أولا وقبل كل شيء المسلمين لا يسجدون لشيء إلا لله عز وجل؛ القوة الوحيدة التي يحني المسلمين رؤوسهم لها هي قوة الله عز وجل وطاعتهم فقط للرسول ﷺ.

تعتبر المرأة المسلمة زوجها عبد ضعيف امام قوة الله عز وجل؛ هي تحبه في سبيل الله عز وجل وتحترم الله وتعزه وتحبه الى القدر الذي يجعلها مسلمة له؛ فهي تحب زوجها وتحترمه بقدر حب زوجها واخلاصه لله عز وجل. كما انها بلا شك لا تحترم زوجها وتحبه لمجرد انه رجل وذلك كما يدعي المتعصبينفي عقيدتهم الفاسدة. بالنسبة للمسلم والمسلمة الزواج هو أيضا رباط يربطهما معا الى الآخرة؛ وبالتالي يمكن للمرأة المسلمة ان تشعر بالحب والاحترام والمودة للزوج فقط إذا كان الزوج شخص فاضل يخاف الله عز وجل ويسعى لرضاه ونيل محبته في الآخرة؛ وهي لن تشعر بهذا الحب والعطف لو حصل العكس، وحتى التفكير في مثل هذا الحب أو استخدامه لغرض المقارنة هو أمر سخيف للمسلم.

 

 

 

مزاعم تحريم التبرج للنساء

لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله( صحيح البخاري،الكتاب 60، الحديث 408)

 اخبر ابن عمر بان رسول :لُعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء. ( صحيح مسلم،الكتاب 24،الحديث 5300)

نهى رسول الله ﷺ عشرة أشياء: التفلج (حد حافة الاسنان) والوشم ونتف الشعر،...( سنن أبو داود، الكتاب 32، الحديث 4038)

 

 

يسعى المتعصبينمن وراء هذه الأحاديث الملفقة الى تصوير المرأة بانها مثيرة للاشمئزاز، قبيحة المنظر ومخلوق من الدرجة الثانية وتفتقر الى الاناقة. وقد أدى هذا المظهر الذي فرضه المتعصبينعلى المرأة الى تشويه منظرها وحرمانها ان الظهور بمظهر الانسان وأصبحت تخلو من الجمال والنظافة وتفتقر الى حسن الكلام.

ان الصورة التي ترسمها تلك الأحاديث الملفقة في الأعلى تجعل من المستحيل على المرأة ان تجد مكانا في الحياة الاجتماعية؛ حيث تحرم هذه الأحاديث على المرأة المسلمة تكون جذابة ونظيفة وانيقة. كما ان هذه العقلية المتعصبة التي تصور هذا المظهر للمرأة على انه دليل على الايمان والتقوى، تجعل من المستحيل على المرأة ممارسة دورها في بسبب مظهرها وتحرمها أيضا من فرصة الحديث عن العقيدة لنفس السبب.

فلنفكر للحظة، أي امرأة في العالم يمكن ان ترغب في حياة المرأة التي يدعوا له الأصوليين؛ حيث تصور المرأة المسلمة على انها امرأة لا تهتم في الاناقة ولا النظافة، على انها امرأة لا تهتم بالشعر الذي ينبت على وجهها، ولا تشعر بالحرج من الخروج على الناس بهذا المظهر؟ او من قد يرغب بمثل هذه المرأة في الحديث عن العقيدة؟  لذلك كيف يمكن لامرأة تؤمن بان الدين يحرم ان تكون الفتاة جذابة، نظيفة وانيقة، وإنها سوف تلعن من قبل الله اذا ما فعلت ذلك، ان تتعامل مع العقيدة او الايمان؟

 

 

هذا هو واحد من الأسباب الرئيسية للاعتقاد حرفيا بان الإسلام هو عقيدة شريرة، ومن الأفضل البقاء به بعيدا وخاصة ي المجتمعات الغربية. لقد سجن المتعصبينالمرأة المسلمة في مفاهيم ما انزل الله بها من سلطان ولا دخل لها بالقرآن ومنعوهم من الوصل الى الحقائق التي جاءت في القرآن أيضا. في الوقت الذي يقع على عاتق المرأة المسلمة واجب الدعوة الى الله ونشر الفضائل الأخلاقية والمحبة التي دعا اليها القرآن، بقع على عاتقها أيضا اظهار هذه الفضائل والمواقف في سلوكها والعيش على اساسهما بوضوح. عندما تتحدث عن كونها مسلمة فيجب ان تبدو جميلة وعندما توضح للناس ان الإسلام يعني المحبة فيجب عليها حقا ان تجسد هذا الحب؛ لذلك إذا ما اراد شخص ما ان يتعرف على جمال العقيدة، يفهم ان هذه العقيدة تأتي بكل هذا الجمال الذي يراه بأم عينيه. هذه هي الطريقة التي جاءت في القرآن لإظهار عقيدة الإسلام؛ يتحدث القرآن الى المسلمين ويحثهم على ارتداء الملابس الجميلة والطاهرة النظيفة، ولبس أجود أنواع الملابس والإكسسوارات عندما يلتقون معا.

"يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ..." (سورة الأعراف، 26)

"يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ..." (سورة الأعراف، 31)

بالإضافة إلى ذلك، يصف القرآن بشكل رائع ومفصل نظافة واناقة وجمال وحسن ملابس اهل الجنة الشخصية وخاصة النساء:

" كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ"(الصافات،49)

" إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ"(الحج،23)

" عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا" الانسان،21)

كما هو واضح في عدد قليل من الآيات هنا، يوظف الله عز وجل جمال المرأة، ونعومة بشرتها الملساء والنظيفة كما جاء في الآية " كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ "، كوسيلة جمالية تظهر الصفات الجمالية للنساء في الجنة؛ وهذا يعني ان الله يعتبر البشرة الناعمة والنظيفة صفات جمالية للمرأة. يحب الله الجمال والنظافة والأناقة والزينة والملابس اللطيفة، ويحب أن يرى عباده على هذا الحال. ليس هناك شك أن النبي ﷺ سيحب الأشياء الجميلة والجذابة التي أحبها الله ويسير على نهج خالقه في ذلك ويشجع نساء المسلمين على التحلي بهذه الصفات الجمالية والتمتع بها واظهارها لأزواجهن.

 

كما يجب ألا ننسى ان هناك نساء قد تلجأ الى مثل هذه الوسائل الجمالية ليس بقصد اثارة الغير او لإبراز حسنها؛ على سبيل المثال قد ترتدي بعض النساء الشعر المستعار بسبب ظروف صحية قاهرة مثل عملية قامت بها او العلاج الكيميائي وهذا أمر طبيعي تماما وحتى ضروريا؛ فهو وسيلة ممتازة للحفاظ على جمالهن في هذه الحالة. ومع ذلك، يحاول المتعصبينطمس الجمال وجعل الحياة أكثر سهولة من خلال هذه الأحاديث الملفقة.

 

بالإضافة الى ذلك، لا يوجد في القرآن الكريم أي تحريم بخصوص الوشم بأنواعه المختلفة، أو بخصوص تصحيح الحاجبين غير المتسقة من خلال الوشم على سبيل المثال، أو إزالة الشعر الزائد من على الوجه؛ بل إن ما يروجون له انتهاك لروح القرآن. لذا فان المتعصبينالذين يجبروا شابة جميلة للخروج وإبقاء الشعر الزائد على الوجه على ما هو عليه وإحراجها أمام الناس، والذين يسعون جاهدين لإظهارها قبيحة وخالية من الجاذبية، هم لا يمثلون الجمال ولا بأي شكل من الأشكال. ومع ذلك يشجع الله المؤمنين على أن يكونوا قمة الاناقة والجاذبية والنظافة والحسن في آياته.

 

 

معاملة الزوجة لزوجها من وجهة نظر المتعصبين

·      إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح (صحيح بخاري ومسلم)

·      إذا هجرت المرأة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع اليه(زوجها). ( صحيح بخاري،الكتاب 62، الحديث 122)

·      يا معشر النساء، لو تعلمْنَ بحق أزواجكنَّ عليكن، لجعلت المرأة منكن تَمسح الغبار عن وجه زوجها بنحْر وجهها ( روي على انه صحيح من ابن هيبان، وجيد السند من قبل ابن البزار. انظر ابن الجوزي، احكم النساء، ص.311)

·      والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مَفْرق رأسه قرحة، تنبجس بالقيح والصديد، ثم استقبلته تلحسه، ما أدَّت حقه)).  ( ابن هاجر الهياتمي 2\121 احمد ابن حنبل، مسند,5,239)

·      أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة( عن الترمذي، 2\329، أبواب الطلاق،11؛ ابن حيبان، 9\490، كتاب النكاح، باب المعاشرة الزوجية)

·      ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: ... وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، حتى ترضيه ثانية...( عن ابن حيبان في صحيحه،12\178، كتاب الاشربة،2، فصل الاشربه)

·      من لا تراعي حقوق زوجها فهي لا تراعي حقوق الله( الشرع)

·      من اذت زوجها باتت في لعنة الله حتى ترضيه(النسائي)

إذا ما تناولنا الأحاديث واحد تلو الاخر؛

·      يا معشر النساء، لو تعلمْنَ بحق أزواجكنَّ عليكن، لجعلت المرأة منكن تَمسح الغبار عن وجه زوجها بنحْر وجهها ( روي على انه صحيح من ابن هيبان، وجيد السند من قبل ابن البزار. انظر ابن الجوزي، احكم النساء، ص.311)

·      والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مَفْرق رأسه قرحة، تنبجس بالقيح والصديد، ثم استقبلته تلحسه، ما أدَّت حقه)).  ( ابن هاجر الهياتمي 2\121 احمد ابن حنبل، مسند,5,239)

 

 

إذا ما نظرنا الى هذين الحديثين الملفقين نجد انهم يصورون الإسلام على انه يعامل المرأة كانسان من الدرجة الثانية من خلال اخضاعهن لكل نزو من نزوات ازواجهن (معاذ الله)؛ ووفقا لهذه الطريقة الشيطانية في التفكير، فان هيمنة الزوج على زوجته تمتد الى درجة لا تستطيع الزوجة رد الجميل فيها حتى لو مسحت الغبار عن حذائه بوجهها او لعقت قيح من على جسمه. على الرغم من هذه العقلية الغريبة المستمرة منذ مئات السنين، فان احد لم ضرورة للاستفسار عن حاجة الزوج لمثل هذه الحقوق؛ مما أدى الى هذا الظلام الدامس من انتشار الخرافات والافتراءات وتعميق جذورها الى درجة كبيرة اصبح فيها المسلمون يعتقدون ان هذا المنطق الاعوج هو شرعي.

 

أرغمت النساء تحت هذا الغطاء المتزمت والكريه من التفكير على القيام بتلبية أمور تعرف ب "واجبات النساء" تجاه أزواجهن حتى لو كن في استياء شديد من ازواجهن بسبب سلوكهم المروع وانعدام قيمهم الأخلاقية. تعرضن للاحتقار وسوء المعاملة وسلب ما يتمتعن به من حقوق ثمينة الى درجة أصبحن فيها في واقع بلا حقوق. فرض عليهن بالقوة فكرة انهن مخلوقات اقل شانا من الرجال وأنهن ضعاف ، واصبح هذا المنظور هو المنظور السائد في المجتمعات الإسلامية.

 

استمر هذا الوضع ما يقرب عدة قرون ولم يقف أحد ويعترض بانه: " لا يوجد مثل هذا التفكير أو الاعتقاد في القرآن الكريم" وان القرآن ساو بين الرجال والنساء. منح الله النساء حقوق وحريات واسعة في القرآن " ولكن نجد ان العقلية المتعصبة استطاعت ان تفرض لعدة قرون الخرافات والافتراءات والممارسات غير القرآنية على بعض الجهلة من المسلمين من خلال مجموعة متنوعة من الأكاذيب الملفقة باسم الله والايمان مثل "هذا ما أمر به الدين، ومن لا يفعلوا ذلك عليهم لعنة الله والملائكة، وهم مخطئون ولا ينالون رضى الله ولا يرون الجنة". معظم النساء المسلمات قد طمست شخصياتهن من قبل أزواجهن الذين تربوا وترعرعوا على تعاليم العقلية المتعصبة لأنه لا خيار للمرأة في دين المتعصبينالا اطاعة زوجها في أي شيء يريده. كما لا يسمح للغالبية العظمى من النساء القراءة، أو العمل أو الدخول في الحياة الاجتماعية أو حتى الى درجة لا يسمح لها النظر من النافذة. لذلك، ولأنها أنها اصبحت جسديا ونفسيا تعتمد على زوجها، وبما أن العادات والتقاليد السائدة في تلك الشريحة من المجتمع كما تدعم وتشجع العقلية المتعصبة، أصبح أقرب إلى المستحيل على المرأة أن تتحرر من هذا الظلم والاضطهاد.

 

نحن بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا سؤال هنا، ما الذي يجعل الرجال في هذه المجتمعات المتعصبة التي تحكمها الخرافات يعتقدون أنفسهم بأنهم متفوقون بالكامل والنظر الى النساء على انهن اقل بكثير من متاع يملكونه؟ من أعطاهم هذه الحقوق التي لا يمكن للمرأة ايفائها ولماذا؟ ماذا يمكن ان تمنحه الحقوق الأخرى بعيدا عن تفوقه بالتقوى؟ بالتأكيد لم يمنحه الله أي حقوق أخرى ولا مكان لمثل هذه الافتراءات في القرآن الكريم: اذ فمن اين اتى هذا الافتراء بالتفوق؟ كيف يمكن "لأي زوج" دون استثناء بالحصول على هذا الامتياز النبيل بالتفوق وبصرف النظر عما إذا كان تقي أو ملحد، مؤمن أو مشرك، مخطئ أو ظالم؟

 

الأحاديث الملفقة خارج الدين الاسلامي هي التي منحت الرجال هذا التفوق الكاذب على النساء في هذه المسألة من خلال العقلية المتعصبة. لقد نشروا وفرضوا هذه العقلية باسم الدين وهي لا مكان لها في القرآن وحاربها الله. معظم المجتمعات الإسلامية، وحتى معظم النساء اللواتي تم تلقينهن في هذه المجتمعات لا يمكنهم ببساطة التفكير بطريقة أخرى. هذه واحدة من أسوأ الآفات التي تركها دين المتعصبينوالتي يعاني منها العالم.

 

 

انعدام حقوق المرأة والامتيازات التي منحها إياها القرآن الكريم في دين الأصوليين

 

لا تستطيع المرأة التمتع بالحقوق والامتيازات التي منحها إياها القرآن الكريم في المجتمعات المتعصبة. في الواقع، لا تدرك النساء اللاتي يعشن في هذه المجتمعات أي شيء عن وجود تلك الحقوق والحريات؛ ويترعرعن بعيدا عن القيم الأخلاقية للقرآن الكريم، ونتيجة لهذا الاستبعاد فإن معظمهن غير قادر حتى على القراءة والكتابة. لذلك لا يوجد طريقة يمكن خلالها تعريفهن بان الأفكار التي يعشن عليها ليست الإسلام ولكنها دين الأصوليين. ليس فقط هؤلاء النساء البائسات من يجهلن الحقيقة، ولكن أيضا العديد من دول العالم كافة تتخيل أن هذه الممارسات المتعصبة التي استمرت لعدة قرون تنبع فعلا من القرآن الكريم. يعتقدون (والعياذ بالله) بان القرآن اتي بدين يحط من شان المرأة ويجعلها جاهلة، مظلومة، لا شخصية لها، ومحرومة من كل الحقوق وأجبرت على الخضوع لزوجها دون نقاش، ولكن لا مكان لمثل هذه الافتراءات في القرآن الكريم.

دعونا نواصل الرد على هذه الافتراءات التي ظهرت ضد المرأة في دين المتعصبينولا مكان لها في القرآن، ولكنها أصبحت جزء من الإسلام بسبب الأحاديث الملفقة:

 

 

 

المرأة التي تطلّق زوجها

أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ ( الترمذي؛2\329، أبواب الطلاق،11؛ ابن حيبان،9\490، كتاب النكاح، باب المعاشرة الزوجية)

 

أولا، لقد بين القرآن بوضوح الشروط والقواعد التي تنطبق على الأزواج إذا ما ارادوا انفصالا (وسنناقش هذا بالتفصيل في الوقت المناسب). لقد اقر الله حق الطلاق لكلا الجانبين، ولم يذكر اية بيانات بخصوص تحريم ريح الجنة على المرأة التي تطلق زوجها كما ورد في الحديث الملفق اعلاه. هذا دليل واضح على أن الحديث ملفق تماما، ولم يكن النبي ﷺ ليحرّم حلالا او يحل حراما أو يأتي بشيء من عنده أو وصية لم يوصي بها الله (والعياذ بالله). لذلك، فقد شرع الله في القرآن حق المرأة في الطلاق ان ارادت، وبين شروط الطلاق في الآيات التي تحتوي على عدد لا يحصى من الاحتياطات التي تهدف إلى حماية المرأة، ماديا ونفسيا، سواء قبل او بعد الطلاق، وبالتالي فإن ما جاء في هذا الحديث " فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ " هو عار تماما من الصحة ويسئ للدين، وهو نتاج منطق شيطاني لا علاقة له بالإسلام.

من المهم للغاية أن نلاحظ أن الإسلام يتكون من التصريحات الإلهية؛ كلام الله الذي يخاطب فيه الطبيعة الإنسانية وعقل الانسان وروحه. جميع الآيات في القرآن الكريم تدعو الى رفع الصعوبات عن الناس، ومنع الممارسات القمعية، وضمان الإرادة الحرة للشخص وحرية تفكيره وتبين ان كل ذلك هو في انسجام مع الطبيعة البشرية التي فطره الله عليها. لم يأتي في أيا من هذه الآيات ما يدعوا الى فرض أية صعوبات على الرجال أو النساء، على العكس من ذلك، فكل الآيات تدعوا الى حل الخلافات ورفع الظلم واحقاق المساواة بين الناس وتجنيبهم المشاق واراحة أرواح الناس. كما انها تدعوا الى إقامة أواصر المحبة والصداقة، بدلا من العداوة والبغضاء، والأهم من ذلك كله أنها تحث على نموذج الإنسان النبيل والفاضل المؤمن بالله تماما.

ومع ذلك، فإن نموذج الزواج الذي يظهر في الأحاديث الملفقة في هذه المسألة يعكس تصورا بعيدا عن القيم الأخلاقية للقرآن. وفقا للقرآن، لا يوجد هناك أي إكراه أو اجبار بين الزوجين، وإذا نشأ خلاف بينهما يتم إصلاحه على أساس احكام القرآن. الشيء الأكثر أهمية هو كلا الطرفين بالقيم الأخلاقية للقرآن فيما يتعلق بالزواج والعمل على حل الخلافات بينهما إلى أقصى حد ممكن، وإذا استمر الخلاف فكلا الزوجين يحق له الطلاق.

كما بينت الآيات انه في حالة الطلاق يكون كلا الطرفين في رعاية الله:

" وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"(النساء،130)

 

كما رأينا من خلال الآية، إذا قرر الرجل والمرأة الطلاق من تلقاء بإرادتهما، يغني الله كل منهما بسعته ويستمر في حياته. لا يوجد في القرآن اية واحدة تتحدث عن حرمان المرأة من ريح الجنة إذا طلقت زوجها.

 

 

المرأة مخطئة حتى يرضى عنها زوجها

·      من اذت زوجها باتت في لعنة الله حتى ترضيه(النسائي)

·      من لا تراعي حقوق زوجها فهي لا تراعي حقوق الله( الشرع)

·      ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: ... وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، حتى ترضيه ثانية...( عن ابن حيبان في صحيحه،12\178، كتاب الاشربة،2، فصل الاشربه)

إذا ما راجعنا الأحاديث المذكور اعلا " من لا تراعي حقوق زوجها او حتى ترضيه" نجدهم في تعارض صارخ مع القرآن. اذا تصرفت المرأة مع زوجها بطريقة مخالفة لأحكام القرآن الله فهي مخالفة لشرع الله وليست لشرع زوجها؛ والمهم هنا هو مخالفة شرع الله. لهذا السبب، فإن الشيء المهم للمسلم ليس ارضاء الزوج أو الزوجة ولكن ارضاء الله عز وجل. ولذلك ووفقا لما جاء في القرآن، إذا تابت المرأة ورجعت عن خطأها وارضت رب العالمين، فلا أهمية لإرضاء زوجها او شخص اخر. في الواقع، إذا كان الطرف الآخر مسلما حقا فسيسعده ذلك التصرف لان فيه مرضاة رب العالمين وكلنا نسعى كمسلمين لمرضاة رب العالمين.

على اية حال، إن المنظور العام لهذه الأحاديث الملفقة هو مشتق بشكل مصدم من اعراف الزواج في الجاهلية وزمن الشرك وليس من احكام القرآن الكريم. كما سبق أن ذكرنا، الرجل والمرأة المقدمون على الزواج هم أناس يخشون الله ويتمتعون بالأخلاق الحسنة والقيم النبيلة، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه الزواج في القرآن. طالما انهم في رباط الزوجية، فستزداد مشاعر الحب والمودة والاحترام والتعاطف والولاء لبعضهم البعض وتنمو باستمرار. يبين الله في القرآن أن الحب والرحمة والتواضع والهدوء يجب ان تكون من ركائز الزواج السعيد في الإسلام:

" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(الروم،21)

 

بالتالي هناك فرق هائل بين نموذج الزواج الوارد في الأحاديث الملفقة بما تحويه من تناقضات، ونزاعات شديدة، والاستخفاف والاهانة، وبين نموذج الزواج في القرآن الكريم.

 

ويجب ألا ننسى أن عمل الخير في الإسلام لا يرجى به رضى الناس آخرين وانما رضى الله عز وجل؛ والمسلمين يأملون المكافأة على حسناتهم من الله وحده: حيث يوضح الله هذه الاخلاق في الآية التالية:

" الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(2) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى(3) إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى(4) وَلَسَوْفَ يَرْضَى"(الليل،18-21)

 

وبالتالي ووفقا للقرآن الكريم، فان المرأة تسعى جاهدة لإرضاء الله عز وجل وحدة وحمده ونيل رضاه، الله عز وجل سبحانه وتعالى القوي العظيم وليس زوجها. لذلك فإن العقلية التي تحث النساء على القيام بجميع أنواع الأعمال الرهيبة من أجل ارضاء زوجها هي معارضة تماما للقرآن الكريم.

 

 

 

منع المرأة من الخروج لأنها عرضة لفتنة الشيطان

المرأة عورة ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ( الترمذي،ابن حيبان وسنن أبو داود)

المرأة هي الجمال والصفاء والدعامة الأساسية للمجتمع. إنها نعمة عظيمة للمجتمع في أن يضم النساء، يتمتعن بحق التعبير عن أنفسهن ويتبوئن موقع المسؤولية، ويشاركن في آليات صنع القرار ويتم استشارتهن في القضايا المهمة. خلق الله المرأة خصيصا لتشارك في اجراء التحاليل المختلفة واتخاذ القرارات الصعبة والتفكير في كل الاحتياطات قبل وقوع المشاكل وتعتبر ذو أهمية وعلى درجة كبيرة من الدهاء، لهذا السبب فان قيمة المرأة عالية جدا. عندما يتم فهم هذا الامر بشكل كامل، فسيتم فهم الإسلام بشكل صحيح في جميع أنحاء العالم.

لهذه الأسباب نجد أن القوى الداخلية والخارجية اجتهدت لمئات السنين من أجل احداث الضرر في الإسلام، وخاصة في موضوع المرأة. فهي تستخدم الأحاديث الملفقة والطقوس الخرافية التي لا مكان لها في القرآن فضلا عن العديد من العادات والتقاليد التي تسمى "الاحكام" والتي يتم استخدامها كغطاء لخلق الانطباع بأن المرأة هي من الدرجة الثانية وصغيرة، ومثيرة للاشمئزاز وهي تشكل خطر على المجتمع كونها مصدر اغواء من الشيطان.

 وصفت المرأة في الحديث الملفق أعلاه على سبيل المثال بأنها ميالة للفجور، غير قادر على السيطرة على نفسها، ضعيفة الإرادة، لا يمكن الاعتماد عليها في الإيمان وعرضة للإغوائيات الشيطانية. لهذا السبب لا يسمح للمرأة بالكلام الا بأقل قدر ممكن، ويتم ابقائها تحت اشراف أحدهم لأنها ميالة للفجور إذا ما خرجت، وبذلك يوحون للناس انه يجب ان تبقى تحت السيطرة.

ومع ذلك، فمن الواضح تماما أن هذه الكلمات الملفقة لم تصدر عن نبينا ﷺ قط.   انهم المتعصبين بعداوتهم العميقة تجاه النساء، هم من لفقو كل هذه الأكاذيب ونسبوها الى النبي ﷺ الذي في واقع الامر امّن النساء على حياته في المعركة، وافسح لهن المجالس واكنّ لهنّ الحب العميق والاحترام. لقد حصلت النساء في عهد النبي ﷺ كما رأينا بالفعل من خلال التفاصيل، على مكانهن في المعركة وتواجدن في مختلف البيئات الاجتماعية، وعملن في مجال الأعمال التجارية وكنا من بين الدعاة البارزين في للإسلام. لم تحتوي آيات القرآن الكريم على أدنى إيحاء بأن المرأة هي خطيرة جدا أو غبية بطبيعتها فلا يسمح لها بالخروج؛ على العكس من ذلك، فقد كشف القرآن الكريم الله الموقف المتعصب للمتعصبين المريضين نفسيا من المرأة وكيف أن هذه العقلية شاركت في اعمال وحشية في زمن النبي ﷺ:

" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ"(الزخرف،17)

وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ(9)بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ"(التكوير،8-9)

" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(59)يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ"(النحل،58-59)

تسلط الآيات التي جاءت بهذا الخصوص الضوء على الطبيعة المرعبة لموقف المتعصبينتجاه المرأة وتظهر كم هو ملعون هذا الموقف من قبل الله.هذه العقلية كانت موجودة في الجاهلية؛ ملئت بالغضب وتحولت الى سوداء عندما علم أن طفله هو انثى وذهب إلى أبعد من ذلك الى درجة وأد الطفل عن طريق دفنه وهو على قيد الحياة، وسوف يلقون حسابهم في الآخرة على هذه الاعمال كما تظهر لنا الآيات 8-9 من سورة التكوير. هذا العداء تجاه المرأة يستجدي غضب الله الشديد.

كما رأينا، فان العقلية المتعصبة التي تفيض بالعداء والكراهية تجاه النساء لم تغير موقفها ابدا منذ مئات السنين. عندما عرف هؤلاء الناس أن آيات القرآن لا تدعم طريقتهم الشريرة في التفكير، لجأوا الى الحاق الضرر من خلال هذه الأحاديث الملفقة: وهذا هو السبب الرئيسي لوجود هذه الأحاديث الملفقة والمرعبة عن المرأة على وجه الخصوص.

 

وفي حديث ملفق اخر في نفس السياق، يسعى المتعصبينإلى تدريب النساء من خلال تجويعهم حتى الموت تقريبا وعدم ومنعهم من ارتداء الملابس الجذابة. وفقا لتلك العقلية المريضة، إذا جوعت المرأة والبستها الملابس القديمة والبالية فستقل رغبتها في الخروج الى الشارع. وجاءت الأحاديث الملفقة حول هذا الموضوع كما يلي:

فلتجوعوا النساء ولكن ليس لدرجة الأذى، وامنحوهن القليل من الملابس ولكن لا تغلوا في ذلك. اذا شبعت المرأة ولبست بشكل جميل، فلا شيء لديهن اجمل من الخروج والتمشي في الجوار، ولكن اذا شعرنا بالجوع والعراء فلا شيء لديهن افضل من التزام البيت.( ابن الجوزي،موضوعات، 11\282283؛الصيوتي،اللالي،11\154 ابن اراك، تنزه الشريعة،11\212213)

اوثقو قبضتكم على النساء، فلا تمنحوهن الملابس الكافية،فاذا ما لبست المرأة واخذت زينتها، خرجت من بيتها.( نهج الفصاحة، ص.216)

يفقد الرجل ضروسه ويصيبه قبح المنظر ولا تزال زوجته في عمر الشباب، فتخرج للسوق او أماكن أخرى يمكن ان تدعى اليها، فتنظر الى الوسيمين من الرجال وفي طريق عودتها يساورها الشك حول زوجها وقدرته على ايفائها حقها. تلك نتيجة خروجن للسوق او تجمعهن معا على الأقل.( امام الشراني، العهد الكبرى)

 

وصف المرأة في الأحاديث الملفقة في هذه المسألة بانها مخلوق غير طبيعي، وحرفيا كالبهيمة لا تستطيع التحكم بنفسها أينما ذهبت، وتتصرف بناء على غريزتها بدلا من الايمان واستشعار مخافة الله، وبالتالي لا بد من أن تبقى تحت المراقبة والاشراف من قبل أحدهم، هذا بالضبط ما وصف المتعصبينالمرأة به.

ما يهمنا هو وجهة نظر القرآن الكريم، وليس ما يعتقده أولئك المتعصبين. المرأة المسلمة التي وصفها القرآن تخشى الله، وهي تعرف جيدا كيف تلبس في مختلف الظروف، وكيف تحمي عفتها وشرفها، وكيف تتصرف في المحلات التجارية، وفي السوق وفي الاحتفالات. القرآن هو كل ما تحتاج إلى معرفته؛ فهي ليست بحاجة لرجل كي يخبرها ماذا تلبس او تأكل، الله هو الذي يقر ذلك في شريعته وليس الانسان البسيط. كما انه لم يتم تخويل الرجال بأي سلطة هذه أو تكليفهم بذلك في أي مكان في القرآن؛ لم يتم منحهم اية امتيازات أو سمات للسماح كي يدعون بأنهم يملكون هذه الحقوق في أي مكان في القرآن. يخاطب الله يخاطب المؤمنات في القرآن الكريم بنفس الطريقة التي يخاطب بها المؤمنون؛ سوف تقرأ المرأة وتفهم ما امرها الله في القرآن وتسعى جاهده لتطبيقه على خير وجه.

 

من أجل العمل وفقا لأخلاق القرآن الكريم، كل ما تحتاجه هو تقوى الله. هؤلاء الناس الذين يصرون على أن التقوى لا تأتي الا من خلال تلبية ما يأمر به هؤلاء المرضى من الرجال هم في الحقيقة اصوليون وهم حرفيا سجناء هذه الأحاديث الرهيبة والملفقة.

بالإضافة إلى ذلك، يبين الله في القرآن أن المسلمين، الرجال منهم والنساء، يجب أن تأكل وتشرب ما شرعه الله

– دون إسراف بالطبع – وان يأتوا إلى المسجد في أرقى الملابس، ويرتدين أجمل المجوهرات ويكن نظيفات وانيقات:

" يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"(الأعراف،31)

 

لم تحرم الآيات خروج النساء من بيوتهن للخارج بل على العكس من ذلك، على العكس من ذلك، حيث يرى بوضوح من خلال الآيات ان المسؤوليات الاجتماعية التي فرضها الله على النساء تتطلب منهن ان يكن فاعلات ويكون لهن دور بارز في الحياة الاجتماعية، وبالتالي فان هذه الأحاديث الملفقة هي في تعارض تام مع القرآن.

 

المرأة شؤم وتبطل الوضوء

إ ذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلاَتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ( سنن أبو داود،الكتاب 2، الحديث 704)

 "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود"( صحيح بخاري،الكتاب 9، الحديث 490)

  "إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ". ( صحيح البخاري، الكتاب 52، الحديث 110)

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار.( صحيح البخاري،الكتاب 52،الحديث 111؛ صحيح مسلم، الكتاب 26، الحديث 5528)

 

 

نحن بحاجة إلى النظر لهذه الأحاديث الملفقة في ضوء الملاحظات المذكورة أعلاه. التقليل من شأن المرأة التي خلقها الله في أحسن تقويم، ومقارنتها بالكلاب والحمير والخنازير، ووصفها بأنها "فأل شؤم"، يتنافى مع قيم القرآن تماما. النساء المسلمات يعتبرن مباركات أشاد بهن القرآن واظهرهن كقدوة واكن لهن كل الحب والاحترام واعتبرهن بركة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطريقة التي يتم وصف الحيوانات فيها مثل الكلاب والخيول تلك الحيوانات اللطيفة جدا والمفيدة جدا للبشر على انها فأل شؤم تبطل العبادات هو أيضا مظهر من المظاهر المتعصبة المروعة.

 

وعلاوة على ذلك لا يوجد في الإسلام مثل مفهوم سوء الحظ او حسن الحظ وتعتبر هذه المفاهيم جزء من الشرك. الخير والشر على حد سواء يأتي من الله. المالك الوحيد لسلطة الخير والشر هو الله ولم يكن الخير والشر يوما بسبب حسن الحظ أو سوء الحظ لبني البشر. الايمان بسوء الحظ ما هو جزء من الشرك، ويبين لنا الله ان هؤلاء الناس هم فعلا فأل شؤم:

 

"... أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ..."(الأعراف،131)

بعض من أوضح الأمثلة على التلفيقات التي جاءت في الأحاديث المذكورة أعلاه:

بالإضافة إلى ذلك و كما رأينا بالفعل،فان عدم سماع بداية ونهاية الأحاديث أدى إلى تشوهات خطيرة في المعنى،وقد نشأت هذه المشكلة أيضا في الحديث حول ما يسمى الطبيعة الشؤم للمرأة. دعونا نذكر أنفسنا بهذا الحديث: جاء شخصين لعائشة (رضي الله عنها) وقالا لها ان ابو هريرة يروي عن النبي ﷺ انه كان يقول " إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار “فردت عليه عائشة رضي الله عنها وقالت: "والله الذي أنزل القرآن على النبي! ان النبي لم يقل هذا وانما تقوله أولئك الجاهلين ممن يحملون هذا الرأي.

أمثلة على العقلية المتعصبة تقارن المرأة بالحيوانات

 

قال اعلم أن جملة النساء على عشرة أصناف وصفة كل واحدة منهن تشبهه صفة بعض الحيوانات. (الاولى) عادتها كعادة الخنزير، (الثانية) عادتها كعادة القرد، (الثالثة) عادتها كالكلب، (الرابعة) عادتها كالحية، (الخامسة) عادتها كالبغلة، (السادسة) عادتها كالعقرب ، (السابعة) عادتها كالفأرة،(الثامنة) عادتها كالطير، (التاسعة) عادتها كالثعلب ، (العاشرة) عادتها كالغنمة (من كتاب نصيحة الملوك للإمام الغزالي)

 

هنا علينا أن نسأل؛ أي نوع من الآراء تجاه النساء يمكن لهذا الرجل الذي يؤمن بهذا الهراء ان يحمل؟ كيف يمكن ان يقدّر ويحترم زوجته؟ كيف يمكن لمثل هذا الشخص ان يشعر بأي شيء آخر سوى الكراهية تجاه الشخص الذي ينبغي ان يكون أقرب الناس اليه في العالم؟ كيف يمكن له ان يحقق الحب الذي أوصى به القرآن تجاه الزوجة إذا كان يشبهها حرفيا بالحيوان؟

 

بالطبع لا يمكنه ذلك. ومع ذلك فقد تحدث القرآن عن الأهمية الخاصة للمحبة والمودة والرحمة بين الزوجين حيث قال تعلي:

" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(الروم،21)

 

على هذا الأساس يمكننا توسيع نطاق نقاشنا قليلا: بصفة عامة، ان الشخص الذي يكّون رأيه في زوجته على هذا الأساس فهو بلا يشك يحمل نفس الرأي عن امه او اخته او ابنته على نفس الأساس أيضا. وسيكون حبه واحترامه لهم هو انعكاس لهذا المنظور المريض المبني على تلك الكلمات الملفقة وحتما ستكون علاقته بهن قائمة على الازدراء.

تشجع الأحاديث الملفقة في وصفها للمرأة على الكراهية بدلا من الحب؛ فمن المستحيل أن تشعر باحترام للمرأة في هذه الأحاديث التي لم تصفها ولا بأي كلمة من الحب او التقدير. هذه العاطفة العظيمة التي وصفها الله في القرآن واعتبرها ضرورية وحث عليها واعتبرها الهدف الأساسي من وراء خلق الكون، قد تناستها هذه الأحاديث تماما. أي نوع من الإيمان الذي يقوم على الكثير من العداوة والحقد وخصوصا تجاه النساء؟ بالتأكيد مثل هذا الايمان هو ليس الايمان الحقيق الذي وصفه الله في القرآن.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فان واحدة من أهم الأشياء التي جاءت في القرآن هو تبني الآراء الإيجابية تجاه الآخرين وقول النبي ﷺ "بشرو ولا تنفروا". ويعتبر إطلاق الاحكام والاستنتاجات دون شهود أو وجود ادلة راسخة من الخطايا الكبرى في الدين. ولذلك، من وجهة نظر القرآن الكريم، من الخطأ أن نعتقد عن الناس بأنهم “غدارين، يشتهون الملابس الجميلة، ميالين الى السرقة والمكر او انهم مختالين" فقط لمجرد انهم من النساء، فهذا درب من الكذب وهو فاحشة كبرى. إذا اردت ان تتهم شخص بالغش فلا بد من اثبات خيانتهم وكذبهم؛ وإذا اردت ان تتهم شخص بالسرقة فلا بد من اثبات انه سرق ممتلكات شخص اخر. يعتبر القرآن الكريم ان تلفيق الاتهامات للأشخاص لمجرد انهم نساء في غياب الأدلة أو الشهود بانه درب من الافتراء. ومع ذلك، فإن المتعصبين لا يدركون احكام القرآن الكريم، وبالتالي لا يستطيعون رؤية المنطق الملتوي في الأحاديث الملفقة لأنهم يعيشون على اساس عقيدة مختلفة تماما وكاذبة.

ويتضمن القسم التالي الطعن في الادعاءات التي جاء بها اولئك الذين يسعون لإيجاد أدلة من القرآن لتقييد النساء واثبات حماقتهن.

 

الآيات التي تخاطب زوجات النبي

علينا إيضاح نقطة هامة جدا هنا؛ يحتوي القرآن على آيات تخاطب نساء النبي ﷺ. ومن اجل منع الفتنة واحتمال سوء الفهم، أبقى الله زوجات نبينا ﷺ منفصلات عن غيرهن من النساء في ذلك الوقت وذلك كما جاء في الآيات:

" يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا(33)وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"(الأحزاب،32-33)

تظهر هذه الآيات بأن زوجات النبي ﷺ تقع عليهن مسؤوليات منفصلة في مواطن مختلفة في شتى أنماط الحياة، الكلام، والملابس وما شابه ذلك؛ تحاول بعض الناس تفسير هذه الآيات أحيانا على انها موجهة عموما إلى كل النساء المسلمات، ولكن في الحقيقة هذه الآيات ليست موجهة إلى كل النساء المسلمات، وهي تخاطب فقط نساء النبي ﷺ على وجه الخصوص بصرف النظر عن النساء الأخريات.

 

 

الخاتمة: يولي القرآن أهمية عظيمة للمرأة

 

السبب الرئيسي وراء مناقشتنا للأحاديث الملفقة المتعلقة بالمرأة في هذا الفصل هو لإظهار الاعتقاد الخاطئ والمنتشر على نطاق واسع في بعض المجتمعات الإسلامية، وتوضيح الحقيقة القائمة وراء هذا الاعتقاد. سوف نبين لأولئك المتزمتين والذين يؤمنون بهذه الأفكار وينسبونها للإسلام، وأولئك الذين يعارضون الإسلام بسببها حقيقة هذه الأفكار ونوضح لهم بأن الأفكار التي تشجع على اضطهاد المرأة ليس لها أي مكان في القرآن على الإطلاق.

ومع ذلك، يحاول بعض الناس البحث عن أدلة في القرآن تحث تدعو الى الاستخفاف بالنساء. تنبع هذه الأدلة من التفسير الخاطئ للآيات المختلفة في القرآن الكريم، والتفسير الخاطئ لمختلف الشروحات الشخصية التي جاءت بين الأقواس ومن مثل هذه التفسيرات الخاطئة التي تأتي عموما في ضوء الأحاديث الملفقة المذكورة أعلاه. ولكن إذا ما نظر المرء في القرآن وحده، فمن المستحيل العثور على أي من أفكار المتعصبين التي استنتجوها بناء على رغباتهم الخاصة وانطلاقا من نعرتهم الجاهلية. من أجل فهم هذا بشكل أفضل، فقد سلّطنا الضوء على الآيات التي استخدموها لسنوات كأدلة داعمة لإخضاع المرأة بشكل قصري واذلالها والاعتداء عليها بالضرب تحت ذريعة انها مخلوق من الدرجة الثانية. عندما ينظر المرء الى هذا الامر بعيون مسلمة ملتزمة بالقرآن، وليس من خلال عيون أصولية حاقدة وجاهلة، وعندما تفسر الآيات وفقا لمعانيها الحقيقية وتستبعد المعتقدات الملفقة والكاذبة، سوف يرى الجميع بكل وضوح ان نظام القرآن الكريم هو النظام الأكثر انصافا للمرأة وهو النظام الذي منحها القيمة الأعظم من بين كل الأنظمة الأرضية الموجودة.

 

 

 

 

ردود من القرآن على أولئك الذين يقّيدون المرأة ويقللون من شأنها

إضافة "الحجاب" في نصوص التفسير كوسيلة لتقييد المرأة

 

واحدة من اهم القضايا التي جلبها المتعصبين هو ضرورة ان تغطي المرأة شعرها. ان مفهوم الدين والإيمان عند بعض الأشخاص الذين لا يظهرون أي حساسية لكثير من الوصايا العظيمة في العقيدة، والذين لا يلتزمون حتى بالمتطلبات الأساسية لهذا الدين هو شيء غريب؛ حيث تراهم ملتزمون بشكل دقيق بالسنة النبوية (بعبارة اخرى الأحاديث) مثل موضوع "الحجاب" في الدين. ومع ذلك دعونا نسأل، هل الحجاب الذي يعتبره بعض الناس حرفيا على انه أساس العقيدة، موجود في القرآن؟

يدعي الكثير من العلماء أنهم اتو بملاحظاتهم حول الحجاب وتغطية الشعر من القرآن، وأشاروا إلى الآيات المختلفة حول هذا الموضوع. مع ذلك، فالحقيقة هي أن كلمة "الحجاب" لم تظهر ولا في آية واحدة. لذلك، يتوجب علينا أولا أن نرى كيف يتم تفسير القرآن في الترجمات والشروح، وما هو التفسير الدقيق.

"وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(النور،31)

 

 

 

في جميع الترجمات تظهر الآية تقريبا على النحو التالي "... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ "، ولكن كلمة "الحجاب" في الواقع لا تظهر بين كلمات الآية العربية الأصلية. تتحدث الآية عن" وَلْيَضْرِبْنَ" ويمكننا أن نرى هذا بوضوح أكثر من خلال النظر في معاني الكلمات العربية الأصلية:

"... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... "(النور،31)

"وَقُل لِّلْمُؤْمِ /نَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(النور،31)

وَلْيَضْرِبْنَ

وَلْيَضْرِبْنَ: مشتق من الفعل " ضَربَ" وتعني " يضرب، ينبض، يترك شيئا، يغطي يغلق تماما"

بِخُمُر هِنَّ ِ

خُمُر هِنَّ ِ: مشتق من " خمرا". " خمرا" تعني الخمر مسكر". وتعني في هذه الآية بالتحديد "الغطاء". وتستخدم بشكل عام لتعني جميع أنواع الغطاء، برداية، الشاشة، مأوي ستار"

 

 

جُيُوبِهِنَّ

جُيُوبِهِنَّ: وهي جمع " جيب". تعني الصدر، الابط، كيس، منطقة الصدر، تجويف، طوق.

دعونا الان نتناول الآية كلمة كلمة "... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... " ترجمت " فليغطين رؤوسهن حتى صدورهن"

الخمار\الغطاء

كلمة " خُمُر هِنَّ " التي استخدمت كدليل على الحجاب تحتوي على معنى واسع، وهي صيغة الجمع من كلمة "خمار" وتعني "غطاء" ومشتقة من الجذر " خمرا" وتعني " يغطي".

 تترجم القواميس عادة كلمة " خمار" بمعنى "غطاء" وتعني اي شيء يستخدم كغطاء.

لذلك فان الكلمة التي تم تفسيرها "بغطاء الرأس" في الآية، هي في الحقيقة تعني فقط" غطاء" وكلمة "الرأس" لم تذكر في أي مكان في الآية.

يَضْرِبْن\ يضرب

لقد فسر هذا الفعل في الآية من قبل أولئك الذين يرون بان الحجاب هو امر من القرآن على انه " عليهن ان يلبسن، ان يطلقن" والسبب في ذلك هو ان يتمكنوا من استخدام التفسير المناسب لهم وهو" يضعن الغطاء من الرأس حتى الصدر" كي يبرروا بان هذا التصور حول الحجاب هو موجود في الآية. ومع ذلك فالحقيقة مختلفة حيث ان الفعل لا يعني أي من ذلك والاستخدام الصحيح له كالتالي:

الفعل "يَضْرِبْن" مشتق من الجذر "ضرب" ضرب يعني " " يضرب، ينبض، يترك شيئا، يغطي يغلق تماما" تشير الآية الى غطاء منطقة الصدر عندما قال تعالى" يجب عليهن ان يغطين(يَضْرِبْن) صدورهن (جُيُوبِهِنَّ) بغطائهن (خُمُر هِنَّ)".

يستخدم الفعل "يضربن" في القرآن عندما يكون المقصود " يغطين، يطلقن او يسدلن" ومع ذلك فان هذا الفعل لم يظهر في جزء من الآية.

جيوب\كيس

كلمة "جيوب" هي صيغة الجميع من كلمة "جيب" التي تعني " كيس"(لقد استخدمت في التفسير بمعني " عمل كيس في القميص"، ان يضع شيئا في الكيس، او " إزالة شيء من الكيس")

واستخدمت أيضا لتعني الصدر، الابط، كيس، منطقة الصدر، تجويف، طوق.

 

 

 

لقد استخدمت كلمة " جيوب" ثلاث مرات في القرآن. استخدمت المرة الأولى في سورة النور الآية 31، بينما صيغة المفرد منها " جيب"، ظهرت في مكانين في قصة النبي موسى عليه السلام كما يلي:

استخدمت

"وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"( النمل،12)

"اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ ..."(القصص،32)

لقد استخدمت “جيوب" في هذه الآيات بمعنى " صدر" النبي موسى عليه السلام. إذا ما نظرنا الى كل هذه الحقائق معا، يصبح واضحا انه عند استخدام "الخمار" مع " الجيوب" فتعني تغطية الصدر. لا تشير الآية الى " تغطية الرأس".

لذلك فان التفسير الصحيح لهذه الآية " وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ" يعني في الحقيقة" ان يغطين صدورهن بأغطيتهن "اذٍ تشير الآية الى تغطية الصدر وليس الرأس.

 

التفسيرات المضللة المستندة إلى الأحاديث الملفقة

وظفت العديد من المعاني المغلوطة والمضللة من قبل المفسرين من أجل الإشارة الى " الحجاب" في سورة النور من الآية 31. الهدف من وراء ذلك هو التكيف مع الآية (والعياذ بالله) في ضوء الأحاديث الملفقة التي سنتطرق الى تحليلها قريبا. التفسير المضلل الرئيسي في هذه المسألة كان في سوء تفسير "... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... ".

 

التفسير الخاطئ لِ: "... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... "

 

كما رأينا من خلال دراسةنا للغة العربية، فان هذا المقطع الذي فسر على انه يعني "... يجب عليهن تغطية رؤوسهن حتى صدورهن" لا يشير إلى كلمة "غطاء الرأس" أو "الاسدال. " ومع ذلك، فإن البعض يرغب في تفسير الآية بالتوافق مع هذا المعنى مما يجعلهم في تناقضات خطيرة وأخطاء معنوية لأن تفسيراتهم تتعارض مع القرآن. الكثير من المفسرين منهم يدلي بتعليقات مثيرة للدهشة على غرار "وقد اسدلن الحجاب الذي يرتدينه مسبقا على رؤوسهم الى صدورهم،" مشيرا الى ان هؤلاء الناس كن أصلا يرتدين الحجاب على رؤوسهن. كي تلتزم النساء المسلمات في وقتنا الحاضر " بلبس الحجاب على رؤوسهن" يجب ان يكون في القرآن الكريم إشارة صريحة الى ذلك: ولكن في الحقيقة لا يوجد في القرآن أي وصية بارتداء الحجاب في القرآن الكريم، ولذلك فمن المستحيل على النساء المسلمات في وقتنا لبس الحجاب على رؤوسهن على انه وصية دينية. وبالتالي فإن فكرة "الحجاب كان أصلا على رؤوسهن" في بعض التفاسير هو عيب منطقي خطير. دعونا الآن ننظر الى هذه العيوب المنطقية:

 

 

1.     من اجل العودة الى فكرة" ان الحجاب كان على رؤوسهن من الأصل" فقد أشار بعض المفسرين الى " الجلباب" البرقع في الآية 59 من سورة الأحزاب وقد ذكرت هذه الآية قبل اية 31 التي جاءت في سورة النور، ولذلك فان المسلمات كنا يلبسن الحجاب على رؤوسهن أصلا. كما سنرى في التفاصيل، فان الجلباب هو قطعة من القماش التي تغطي الجسم كله من الرأس إلى القدم والغرض منه في الاساس هو تغطية كامل الجسم. كما نذكر في الآية 31 من سورة النور ان القرآن امر النساء بتغطية صدورهن، وبالتالي لا مجال لامرأة تلبس الجلباب ان يكون صدرها مكشوفا ولا باي شكل من الأشكال، وبالتالي فإن الآية لا تخاطب النساء اللاتي يغطين رؤوسهم واجسامهن بالكامل. يبدو أن من يدّعون ذلك قد نسوا هذه النقطة المهمة جدا والأساسية.

2.     اعتادت المرأة في المجتمعات العربية في ذلك الوقت التنقل دون كامل ملابسها ولهذا السبب انزلت الآية. وبعد نزول هذه الآية بدأت النساء المسلمات تغطي صدورهن اللاتي كانت مكشوفة نوعا ما. دعونا نستذكر كلمة "جيوب" في الآية التي تعني الصدر، وأن التفسير الصحيح للآية في هذا الموضوع هو " يجب عليهن تغطية صدورهن بأغطيتهن."

3.     وفقا لبعض المفسرين الذين يصرون على فكرة "الرأس كان مغطى مسبقا"، وان النساء كنا "مسبقا" قد غطين رؤوسهم بالحجاب، وفقا لطريقة تفكيرهم ايضا، انه ولسبب ما كانت صدورهن غير مغطاة تماما! وفقا لهذه الطريقة الغريبة في التفكير ايضا، نستنتج ان النساء كنا يغطين رؤوسهن ولكن لا يغطين صدورهن (والعياذ بالله). كنا ملتزمات جدا بتغطية رؤوسهن، ولكنهن يتنقلن عاريات الصدور؛ هذا هو الاستنتاج الحتمي لفكرة هؤلاء المفسرين (انهن كنا محجبات مسبقا). من خلال هذا التفسير نستنتج بان أولئك الناس يسمحون لنسائهم بالتنقل "عاريات الصدور" وقد جاءت الآية لتامر أولئك النساء بأسدال الحجاب الذي على رؤوسهن على صدورهن أيضا. لقد برز هذا الخلل المنطقي الرهيب هذا الخلل الرهيب في محاولة لشمل فكرة الحجاب في القرآن الكريم.

4.     ووفقا لهذه الفكرة غريبة، فان “الحجاب الموجود مسبقا" هو طويل بحيث يمكن سحبه إلى أسفل بطريقة تغطي به كامل الصدر من كلا الجانبين. لذلك، كل واحدة من النساء اللاتي كن يتجولن عاريات في ذلك الوقت كانت “بالفعل" ترتدي حجاب على رأسها يغطي كامل جسمها. لذلك فان سوء تفسير هذه الآية على لتتناسب مع تفسير "يجب عليهن تغطية رؤوسهن" قد قاد مؤيدو هذه الفكرة إلى مغالطة منطقية. هذا نتيجة محاولة إلصاق معنى آخر لهذه الآية الواضحة وضوح الشمس.

 

 

لقد تم تلفيق الأحاديث الكاذبة من أجل إضافة الحجاب إلى هذه الآية مما ادى حتى في تشوهات منطقية أسوأ، وسيتم وصفها في الأقسام اللاحقة.

ما يجب معرفته عن معاني الآيات باللغة العربية ودقة التفسير

 

يجب توخي الدقة والحذر حول العديد من العناصر إذا أردنا فهم النص العربي بشكل صحيح، أو إذا أردنا ترجمته الى لغات أخرى:

 

1.    الانتباه لاستخدامات الكلمات في اللغة العربية

 

من المواضيع التي تتطلب اهتماما إذا ما أردنا فهم المعايير التي تعتمد عليها المرأة في تغطية أجزاء الجسم هو كيفية استخدام كلمة "غطاء" في اللغة العربية.

تستخدم كلمة "غطاء" عادة في اللغة العربية مع التركيز على الكائن المراد تغطيته. على سبيل المثال، عند استخدام كلمة طاولة مع كلمة غطاء تصبح النتيجة مفرش المائدة. وبنفس الطريقة، فان استخدام كلمة "غطاء" ("الخمار") مع كلمة "رأس" تعطينا مصطلح " خمار الرأس" بمعنى "غطاء الرأس". لو امر القرآن المرأة أن تغطي رأسها، لاستخدم عبارة " خمار الرأس" وهذا المصطلح لم يظهر ابدا في القرآن.

في الآية السادسة من سورة المائدة، التي تتناول موضوع أسلوب الوضوء قبل الصلاة، فقد تم وصف الرأس بكلمة " رأس".

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ"( المائدة،6)

فمن الواضح أنه لو أمر الله النساء أن يغطين رؤوسهن، لكان قد امرهن بذلك بشكل صريح في القرآن الكريم. ومع ذلك، إذا امّعنا النظر في الآيات المتعلقة بملابس النساء لوجدنا انها لا تحتوي على اية إشارة تتعلق بالحجاب.

2.     مقارنة بعض الكلمات في القرآن من خلال الآيات الأخرى

 

        عند دراسة القرآن يحتاج المرء الى النظر الى كيفية استخدام بعض الكلمات مع كلمات أخرى في آيات القرآن الكريم. فمثلا استخدام كلمة " خمار" (غطاء) في الآية 31 من سورة النور والتي تؤكد على موضوع "الجيوب" كما رأينا في الأعلى، فقد استخدمت هذه الكلمة للإشارة الى منطقة الصدر في كل الآيات القرآنية. وبالتالي فان المنطقة التي بحاجة الى غطاء حسب الآية القرآنية هي منطقة الصدر وليس الرأس.

 

3.    الانتباه الى مراجع المعاني الخاصة بالكلمات بين الأقواس

 

تحتوي اللغة العربية على أكبر قدر ممكن من المفردات من بين لغات العالم، وهي غنية جدا من ناحية المعاني: يمكن التعبير عم مواضيع شتى بكلمات قليلة ويمكن ان تستخدم الكلمة في العديد من الاستخدامات الكثيرة وبالتالي معان مختلفة. لذلك، يتم إضافة العديد من التفسيرات بين قوسين على الرغم من أن معنى الآية يكون واضح تماما؛ تتم الإضافات وتتشكل بعض المعاني بناء على التفسيرات الفردية للمفسر.

لنتذكر هنا بان المفسرين عادة يؤمنون بالمفاهيم التقليدية للإسلام التي تعتبر الأحاديث أساس للعقيدة، وتلاقي تفسيرات هؤلاء المفسرين الاحترام الشديد عموما، وبالتالي يأخذ بإضافاتهم وتفسيراتهم التقليدية والتي تأتي في ضوء الأحاديث الملفقة عن الرسول ﷺ. يميل مثل هؤلاء المفسرين الذين يضعون آرائهم بين الاقواس الى تغير معاني الآيات سواء بقصد او بغير قصد في ضوء فهمهم لتلك الأحاديث الملفقة وتماشيا معها.

عندما ننظر إلى تفسير الآية 31 من سورة النور، نرى أن كلمة "الحجاب" قد استخدمت من قبل المفسرين إما مباشرة في النص أو في مكان اخر بين قوسين على الرغم من انها لم تذكر في الآية. على الرغم من أن كلمة "رأس" لم تظهر في الآية، الا انه قد تم تفسير كلمة " خمار" والتي تعني "غطاء بشكل عام" على انها "الحجاب. لذلك فقد تم تغيير الأوامر التي جاءت في الآية؛ وقد أحرز هذا المعنى تغير على نطاق واسع وأصبح التفسير التقليدي للآية، وكانت النتيجة انه يجب على النساء المسلمات لبس الحجاب.

 

 

إذا ما تجاهلنا هذا التفسير الذي اضيف لاحقا من قبل المفسرين وقرأنا الآية وحدنا، نستنتج بشكل واضح وصريح ان الآية تشير الى تغطية الصدر، وكل من يقرأ النص يمكنه استنتاج هذه الحقيقة لوحده.

 

 

سورة النور، الآية 31، الجزء الثاني

"وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(سورة النور،31)

 

 

 

 

التفسير الخاطئ فيما يتعلق "بزينة النساء"

 

لفت الله عز وجل أ انتباهنا الى موضوع آخر في الآية 31 من سورة النور الا وهو "الزينة" حيث يقول سبحانه: "... لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ..." وتعني الا يكشفن صدورهن وهي لا تشير الى رؤوسهن.

 

ومع ذلك، وينعكس هذا بشكل مختلف جدا في بعض الأحاديث، وفي بعض من تفسيرات القرآن من خلال إضافات المفسرين بين قوسين أو تحريف معاني الكلمات، دعونا ندراسة ما يلي:

 

المرأة هي أداة للفتنة من قبل الشيطان

 

المعنى الحقيقي للجزء الأول من كلمة " زِينَتِهِنَّ " في هذه الآية هو "الزينة أو الزخرفة،" واما المقطع "هن " فهو اسم إشارة يشير إلى أن هذا الخطاب موجهة إلى النساء.

ويقول بعض العلماء في آرائهم ان "أجساد النساء مزخرفة وجذابة، ولهذا السبب تشير الآية إلى كامل أجسادهن". من هذا المنطلق يزعمون أن المرأة يجب أن تغطي جميع جسدها؛ في الحقيقة لم تقل الآية أي من هذا القبيل.

يأتي بعض الناس بتفسير مختلف للغاية عما جاء في القرآن الكريم فيقولون: " تشير الآية إلى أجزاء الجسم التي يعرض عليها الخرز والزينة، ولهذا السبب فإنه لا يجوز أن ننظر إلى المناطق التي تعرض عليها هذه الزخارف ". ويذهب آخرون إلى أبعد من ذلك فيقولون: " لا يجوز أن ننظر الشعر المقصوص للمرأة أو الى قصاصات اظافرها " ومن ثم يبتدعون أفكار غريبة جدا مثل" النظر الى جزء واحد من المرأة يؤدي الى النظر الى كل اجزائها ". ((ابن حجر، الزوجير)

 

على الرغم من أن الآية صريحة تماما الا انه قد تم تأليف عدد لا يحصى من التفسيرات المختلفة جدا والغريبة من خلال النص" ... لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ..."، وتختلف هذه التفسيرات حسب طريقة تفكير الناس، وأحيانا اعتمادا على وجهة نظرهم تجاه النساء. فمثلا نجد العقليات التي تدعوا الى تكميم النساء واسكاتهن، واظهارهن بمظهر قبيح وعزلهن بعيدا عن المجتمع والإنسانية لكي يجعلوهن مخلوق من الدرجة الثانية-والعياذ بالله-وبالتالي تحويلهن الى عبيد للرجال، وليس هذا فحسب، بل يسعوا جاهدين للقضاء على المرأة تماما من خلال معاني كلمة واحدة وهي "زينة". فقد العديد من الناس الجوهر الحقيقي للقرآن بسبب هذه التفسيرات الخاطئة لآيات القرآن الكريم، واعتبروا القرآن كتاب غامض وغير مفهوم، وعندما دمجت هذه الإضافات جنبا إلى جنب مع الأحاديث الملفقة، أصبحت النتيجة تفسير مختلف للعقيدة عن تلك التي اتى بها القرآن.

 

ومع ذلك، فإن مصطلح " يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ " في الآية واضحة جدا، ويشير إلى الجزأين المخفيين وهما الأعضاء الجنسية والصدر.

 

 

 

 

خطأ تحريم الزينة وتبعاتها

 

يؤكدون بعض الناس أن "الزينة" في الآية يقصد بها "الخرز والمجوهرات وغيرها من الملحقات." وهذا أمر مهم في لاستيعاب الخطأ والشوائب من التفسيرات المختلفة التي تستند إلى الأحاديث الكاذبة. وفقا لهذا الادعاء المذهل، فان غرائز الرجل بدائية جدا لدرجة ان رؤية خرزة واحدة هي كافية لإخراجه عن السيطرة، ووفقا لهذه العقلية يجب تغطية كامل الخرز من اجل كبح جماح أولئك الرجال المتوحشين.

 

تظهر لنا هذه الطريقة المرعبة من التفكير في واقع الأمر بشكل واضح النظرة المتعصبة للرجل المسلم. ولكن في الحقيقة الرجل المسلم هو انسان يخشى الله وعلى درجة من التقوى تمنعه من فعل المحرمات ولا يمنعه تغطية الخرز او كشفه على جسد المرأة وانما خوفه من اغضاب ربه. الرجل المسلم ليس كائنا يفقد كل السيطرة عندما يرى امرأة عارية أو حفنة من الخرز، أو يعيش في ظل الغرائز الحيوانية؛ فهم يدعون ذلك لتوصيل الفكرة بان الرجل المسلم هو كائن سيء يرقد خلف شهواته.

في الواقع، تعتبر التفسيرات في هذه المسألة هامة للغاية لأنها تفضح العقلية الهمجية للمتعصبين. وإذا ما وضعنا التفسيرات المتعصبة جانبا وقرأنا القرآن بشكل منفصل عن هذه التفسيرات يمكننا أن نرى بوضوح ما تعنيه هذه كلمة " زِينَتِهِنَّ ".

كيف استخدمت كلمة " زِينةَ " في القرآن الكريم؟

على النقيض التام مع فكرة المتعصبينبحظر الزينة والأشياء الجميلة مثل القلائد والأقراط، يبين الله في القرآن أنه يخلق مثل هذه الزينة لعباده المؤمنين ويحثهم في الواقع إلى الذهاب الى المسجد وهم في كامل زينتهم:

" يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ..." (سورة الأعراف، 31)

في قوله تعالى: " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ..." (سورة الأعراف، 32) يكشف الله عن وجود عقلية متعصبة ستحرم تلك الأشياء التي أحلها لعباده. وفي قوله تعالى في الجزء الثاني من الآية "... فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ..." (سورة الأعراف، 32) ويؤكد أن الزينة هي من النعم الجميلة التي أنعمها على المسلمين في هذا العالم، وسوف تبقى للمؤمنين وحدهم في الآخرة، مما يبين أن المؤمنين هم من يستحقون هذه المسرات. كما ان حقيقة أن المتعصبينيحاولون تحريم ما احله الله على المسلمين من المتع هو تحد صارخ لرغبة الله عز وجل وتعارض تام مع القرآن الكريم.

وهناك اية أخرى تشير الى الزينة:

" يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"( سورة الأعراف،26)

 

 

 

 

الجزء الذي اشارت اليه الآية 31 من سورة النور

 

يشير الله عز وجل في الآيات المذكورة أعلاه استخدام الحلي والزينة. لكن وكما أوضحنا في التفاصيل، فإن كلمة " زِينَتِهِنَّ " في الآية 31 من سورة النور ليس لها اي علاقة بالخرز أو المجوهرات او أي شيء من هذا القبيل؛ تستشهد الآية بالحياة الأسرية للمرأة كمثال وتظهر نوع الحرية الممنوحة للمرأة في الأسرة. دعونا الآن ندرس القسم المتعلق بهذه الآية كلمة كلمة:

" وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(سورة النور،31)

 

كلمة " الزِينَة " هنا لا تشير إلى الخرز أو الإكسسوارات، ولكن من الواضح جدا أنها تعني الأجزاء الخاصة من الجسد ومن ثم تم ادراج الاشخاص الذين يحل لهم رؤية هذه " الزِينَة ". ومن ضمن الأشخاص الذين يحل لهم رؤية هذه " الزِينَة" مثل أولئك الخدم الذين ليسوا بحاجة للمرأة (ليس لديهم الرغبة الجنسية أو هم عاجزون) والأطفال الذين لم يبلغوا سن البلوغ او أدراك الأجزاء الجنسية للمرأة. ومما يؤكد على ان الكلمة فعلا تعني الأجزاء الجنسية للمرأة فقد تم ذكر الأطفال الذين ليس لديهم الوعي بأجزاء المرأة الجنسية خصيصا ليستدل بها على هذا المعنى.

اللغة المستخدمة في القرآن هي الأكثر نقاء ومثالية؛ فقد استخدمت العبارات بحساسية وعناية فائقة، حيث تفهم مباشرة من خلال التفاصيل. ووصف الأعضاء الجنسية بشكل فني وفقا لأدبيات وحساسية القرآن الكريم حيث وصفت بالزينة.

واحدة من الحجج الرئيسية التي أثارها بعض المفسرين من أجل اثبات تفسيرهم للحجاب في الآية 31 من سورة النور هي تشكيلة مختلفة من الأحاديث الملفقة. تتعارض هذه الأحاديث الملفقة وبشكل صارخ مع الآية التي يمكن رؤيتها وتحليلها بسهولة. دعونا الآن ندرس كيف تتعارض الأحاديث الكاذبة الخاصة بهذه المسألة مع القرآن، وكيف تم تضليل المجتمع من الإسلامي موضوع الحجاب والمنطق الضعيف التي تحويه هذه الأحاديث:

 

الأحاديث الملفقة حول الحجاب وتناقضاتها الداخلية

 

كما رأينا من خلال جميع الأدلة فان الآية 31 من سورة النور، والتي يحاول البعض أن يفسرها على انها دليلا على الحجاب، في الواقع لا تحتوي على إشارة إلى كلمة "حجاب" على الإطلاق. ومع ذلك، فقد أدى دخول هذه الأحاديث الكاذبة في أدبيات الإسلام إلى انتشار المفهوم الخاطئ والذي ما زال حتى يومنا هذا. وتحتوي الأحاديث الملفقة من قبل المتعصبينعلى العديد من التناقضات وهي مليئة بعيوب منطقية كبيرة. دعونا الآن ننظر إلى بعض الأمثلة:

 

عن عائشة رضي الله عنها قالت:لما نزلت هذه الآية ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) أخذن أُزُرَهن (نوع من الثياب) فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها "(صحيح البخاري،سنن أبو داود،البهاقي ،7،88)

 عن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها قالت:" يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن أكثف مروطهن (نوع من الثياب) فاختمرن بها " . أي غطين وجوههن ."( سنن أبو داود،الكتاب 32،الحديث 4091)

عن صفية بنت شيبة قالت : " بينما نحن عند عائشة قالت : وذكرت نساء قريش وفضلهن ، فقالت عائشة : " إن لنساء قريش لفضلاً ، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ؛ أشد تصديقاً بكتاب الله ، ولا إيماناً بالتنزيل ؛ لقد أنزلت سورة النور : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها ، ويتلو الرجل على امراته وابنته وأخته ، وعلى كل ذي قرابته ، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل ، فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه ، فأصبحن يصلين وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح معتجرات ، كأن على رؤوسهن الغربان ")من تفسير سورة النور، 12؛ سنن أبو داود، اللباس:29)

كما رأينا، تدعي كل هذه الأحاديث أنه عندما نزلت الآية 31 من سورة النور، شرعت النساء المسلمات على الفور بتمزيق قطعة من التنانير ولفّها حول رؤوسهن. من هنا تبدأ معارضة المنطق. الآن دعونا نلقي نظرة على العيوب المنطقية في هذه الأحاديث الكاذبة، وكيف أنها تتعارض مع القرآن الكريم:

·      كما رأينا بالفعل في التفاصيل، فإن الآية في قوله تعالى "... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ " تشير الى وجوب ان تغطي المرأة صدرها. الا ان الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة تقول إنه عندما انزلت هذه الآية بدأت النساء المسلمات على الفور بقص قطعة من ثيابهن وتغطية رؤوسهن بها وليس صدورهن، ولكن في الحقيقة الآية لم تذكر شيئا عن الحجاب. هذا، ولم تذكر الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة أي شيء عن طاعة المسلمات للأمر الفعلي في الآية، وهو تغطية صدورهن وبعبارة أخرى.

·       وفقا للوصف الذي جاء في الأحاديث، فقد عمدت النساء على تمزيق قطعة من تنانيرهن الخاصة، وبدلا من تغطية صدورهن، كما أمرت في الآية، غطيت بها رؤوسهن. ومن أجل التوافق مع التفسير الخاطئ لِ " وليغطين بها رؤوسهن" فقد كان حجم التنورة كبير الى الحد الذي يمكن به تغطية الرأس والصدر معا.

 

·       أول ما يتبادر إلى الذهن هنا هو حالة هذه التنانير الممزقة. بما أنهن قطعن قطعة كافية لتغطية رؤوسهن وصدورهن معا، فلا بد ان تنانيرهن قد تحولت الى نوع من التنانير العصرية التي نراها في يومنا الحاضر، وبالتالي انكشفت ارجلهن وذلك وفقا لهذا الوصف، ووفقا لهذا الوصف أيضا فقد كانت صدورهن وارجلهن مكشوفة ولكنهن فضلن ان يغطين رؤوسهن. بعدما رأينا هذه جميع الأدلة يصبح واضحا ان الآية 31 من سورة النور نزلت "فقط" لتأمر النساء بتغطية صدورهن.

 

·       لقد رأينا بالفعل كيف يفسر بعض المفسرين اية " وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ " بطريقة لتبرير فكرتهم بان “الحجاب كان موجودا اصلا".  لقد أتو بهذا الادعاء لتبرير فكرة أن الآية تحتوي على كلمة "الحجاب"، وأن النساء اللاتي خاطبتهن الآية كنا محجبات بالأصل. مع ذلك فالحقيقة هي أن الأحاديث الكاذبة المتعلقة بهذه المسألة والتي تدعي بان النساء غطين رؤوسهن بقطعة اقتطعنها من تنانيرهن عند نزول الآية هي متناقضة. فكيف لهذه الأحاديث الكاذبة، التي يعتبرها المفسرين حجة رئيسية في مساندتهم لفكرتهم عن الحجاب ان تتعارض مع حساباتهم الخاصة؟

 

 تتعارض هذه الأحاديث مع حساباتهم الخاصة، لأن عقيدة أولئك الذين يرغبون في تلفيق وصايا كاذبة للإسلام بخلاف الوصايا الحقيقية التي امر بها القرآن مليئة بالعيوب المنطقية العميقة؛ فهي تتصادم مع القرآن، وتنطوي جميعها على تناقضات كبيرة. فمثلا التفسيرات المضللة التي الّفوها من أجل تبرير فكرة الحجاب في الآية 31 من سورة النور، وعلى الرغم من أن الآية واضحة تماما وسهلة الفهم، تظهر حجم العيب المنطقي الذي يحدث. كما ان التفسيرات والاستنتاجات التي أتوا بها في ضوء الأحاديث الملفقة المتعلقة بهذه المسألة هي في الحقيقة مرعبة جدا:

نجد في المدارس الشافعية والحنبلية ان جسد المرأة كله عورة دون استثناء ويجب ستره (بما في ذلك الوجه والكفين)، بينما المدارس الحنفية والمالكية لا تعتبر الوجه والكفين عورة ويمكن أن يتركا مكشوفتان طالما لا يؤديان الى الفتنة. (الصابوني، تفسير اية الحكم 2\154،155).  وهناك تفسير السدي: " أن تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا عين " أبو حيان:" وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عيناً واحدة"(  أبو حيان،.البحر المحيط) ونهى الشافعي عن النظر الى قصاصات اظافر المرأة (ابن حجر الهيتمي، ما هو الحلال والحرام في الإسلام 2). ووفقا لاحد الآراء المنتشرة على نطاق واسع، فإن غطاء المرأة لوجهها هو فرض الزامي في الإسلام (فقه السيرة). ووصف مصدر آخر كيف ينبغي للمرأة أن تنظر إلى الرجل على النحو التالي؛ "لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى صدر وظهر أو ساقين الرجل الغريب، حتى لو لم يكن لديها خوف من الإغراء. الإغراء الناجم عن الوجه هو أكبر من ذلك الناجم عن القدمين أو الشعر أو الساقين. منذ ان تم الاتفاق بالإجماع على ان النظر الى هذه الأجزاء حرام فمن باب أولى، أن يحرم النظر الى وجه الرجل. (الصابوني، الرواي،2\156).

 

يمكنك فقط ان تشعر بسهولة بالعقلية المتعصبة المرعبة عندما ترى امرأة مغطاة بالكامل: الا ان هذا ليس كافيا عند بعض الناس، فعلى الرغم من انها مغطاة بالكامل الا انه يجب ان تبقى في البيت. من المستحيل ان تأتي مثل هذه التفسيرات الراديكالية والمخيفة من آيات القرآن الكريم الذي يعطي الحرية للنساء ويحدد لهن الأشخاص اللذين يمكنهن التصرف بحرية امامهم والناس اللذين يمكنهن ستر اعضائهن الخاصة امامهم. ومع ذلك، فقد جعلت الأحاديث الكاذبة التي ذكرناها ذلك ممكنا، واستطاعوا ان يذهبوا بعيدا في تفسيرهم وتأليف نسخهم الخاصة من الآيات وتحويل هؤلاء النساء الى اشباح مغطاة من رأسها الى أخمص قدميها، ويمنع حتى النظر الى قصاصات اظافرها. يوضح هذا المثال بشكل كبير حجم التصور البعيد للعقلية المتعصبة.

دعونا أيضا نتذكر هنا مجموع الأحاديث التي تشير إلى وضوء الرجال والنساء من نفس الوعاء في زمن نبينا ﷺ. (انظر صحيح البخاري الوضوء 43؛ سنن أبي داود، كتاب الطهارة-39؛ سنن ابن ماجة، الطهارة 36؛ و-النسائي، الطهارة 56) وبما أن مناطق الوضوء هي القدمين، واليدين حتى المرافق، والوجه والرأس، يبدو من خلال الأحاديث أن النساء كنا يتوضأن جنبا إلى جنب مع الرجال وكانت رؤوسهن مكشوفة. ومع ذلك، فإن الميزة الظاهرة التي تميز المتعصبينهي تجاهلهم لأي حديث لا يناسب تفكيرهم.

ان دليلنا الوحيد ومرشدنا هو القرآن، والوصايا التي وردت في القرآن هي صريحة بشكل واضح، وبالتالي فان وجود النساء في حضرة الرجال دون ستر رؤوسهن هو متوافق تماما مع ما جاء القرآن.

 

لم تترك المحرّمات غامضة في القرآن

عند النظر إلى العقلية المتعصبة التي تأتي بفكرة أن "تحريم النظر الى قصاصات اظافر النساء" من المهم توضيح نقطة هامة: لقد بين الله عز وجل في كتابه بشكل واضح وصريح كل ما هو محرم. على سبيل المثال، يعلم المسلمون حرمة أكل لحم الخنزير في قوله تعالى " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ..." (سورة البقرة، 173). لا يستطيع مسلم ان يشكل او ان يكون غير متأكد او في حيرة من امره بين امرين عندما يكون هناك امر صريح من الله بالتحريم مثل (إِنَّمَا حَرَّمَ ) مثال آخر للفائدة. حرم الله الربا على المسلمين واحل لهم التجارة كما جاء في قوله تعالى "... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا..." (سورة البقرة، 275). لا يستطيع أحد أن يجادل هذا الموضوع في امام وجود هذه الآية أو محاولة الادعاء بأن "الربا هو نوع من التجارة ".

ولذلك، نحن نعلم ان المحرمات هي الأشياء التي من الآية نفسها مباشرة، وليس ما ورد من خلال إضافات مختلف المفسرين أو ما جاء من نصوص بين الاقواس أو الأحاديث الملفقة؛ والآية 31 من سورة النور هي مثال واضح وضوح الشمس على هذا الموضوع. كما يوجد العديد من أخطاء المفسرين من خلال الاضافات بين الاقواس على الآيات لا سيما فيما يتعلق بهذه الآية. على سبيل المثال، بعض المفسرين، المتأثرين بأئمة المدارس ويعملون على تأليف تفسيراتهم الخاصة يضيفون بعض العبارات بين الاقواس لهذه الآية مثل "... باستثناء المناطق المكشوفة مثل الوجه والكفيّن". كما انه لو أراد الإسلام للمرأة ان تغطي كل جسدها كاملا " باستثناء الوجه والكفّين" لكان قد اظهر ذلك صراحة ودون أي مجال للشك، ولكان الله عز وجل قد امر به صراحة أيضا وقطع به الشك باليقين؛ بنفس الطريقة التي قطع فيها الشك بحرمة لحم الخنزير أو الربا أو الزنا من خلال الأوامر الصريحة والواضحة القرآن الكريم، الا انه لم يظهر ما يتعلق باللبس في القرآن، لكنها تظهر فقط في اراء وكتب المفسرين.

 

الرغبة في كبت النساء وطمس اجسادهن

تدعو التفسيرات المتعصبة في جميع الظروف وتحت تأثير الأحاديث الملفقة دائما الى كبت النساء في الداخل أو تغطية أجسادهن. المبرر الرئيسي الذي يستشهدوا به هو طبيعتهن المغرية؛ وفي الحقيقة ان جسم الرجل مغري للمرأة تماما كما هو جسمها مغري له. بما ان القرآن لم يميّز بين الجنسين، فلا يوجد منطق بستر جسم المرأة تحسبا من ان جسمها يثير الرجل؛ ولو كانت المشكلة تكمن في الخوف من اثارة غريزة الرجل، اليس من المنطق أيضا ان يتستر الرجل ويغلق عليه او يخرج مغطى بالكامل كي لا يثير غريزة المرأة أيضا؟ بدلا من التبرير باحتمالات الاثارة الخاصة بهم، كان الاجدى بهم القضاء على كل المشكلة من جذورها وليس تكميم النساء بالملابس من اعلى رأسها حتى أخمص قدميها.

ويمكن اثارة مختلف أنواع التفاصيل حول هذا الموضوع. على سبيل المثال، إذا كان بعض المفسرين يعتقد أن صوت المرأة مثير ويجب منعها من الكلام، فيجب أن ينطبق هذا على الرجال أيضا. إذا منع سماع أغاني المرأة او كلماتها لأنها تثير الرجال، فيجب الاخذ بعين الاعتبار أن صوت الرجال يثير النساء وبالتالي ينبغي تطبيق نفس المنع على الرجال أيضا. إذا رغب المتعصبين اثبات ان احكامهم الملفقة صحيحة، وإذا كانوا يصرون على محاولة إقناع الناس بها، إذا ينبغي عليهم تطبيق ذات الاحكام على الرجال أيضا.

ومع ذلك، فإن المنطق الذي يسير عليه الإسلام هو منطق القرآن بالطبع، وليس هناك مكان لمثل هذه القيود في منطق القرآن. فهذه القيود التي يسعى المتعصبين الى تطبيقها قد تم تلفيقها بلا شك لغرض فرض القيود والحد من الحريات؛ وهي وببساطة تعمل على خلق متاعب كبيرة للمجتمعات، وتؤدي في نهاية المطاف إلى كارثة في المجتمعات التي يعيشون فيها هم أنفسهم.

 

كما هو الحال في جميع المسائل، والرجال والنساء متساوون في العفة. حرم الزنا على النساء والرجال على حد سواء. حيث يقول الله عز وجل في الآية 35 من سورة الأحزاب "... وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ..." فالرجال يتوجب عليهم العفة تماما كما النساء. ومع ذلك، فالوسيلة لتحقيق ذلك ليس بحبس الناس ومنعهم من الخروج واللقاء والحديث، ولكن الطريقة للقيام بذلك تكون من خلال تبني القيم الأخلاقية للقرآن. البشر ليسوا مخلوقات همجية تقودها غرائزها؛ بل هم كائنات إنسانية لديها القدرة على التمييز بين الصح والخطأ من خلال عقلهم، وعيهم، والأهم من هذا كله القيم الأخلاقية التي علمهم اياها الله وحبهم وخوفهم منه.

 

لذا، ما يحدد عفة المرء ليس طريقة تصرف الشخص الاخر او كم يكشف الشخص الاخر من جسده او كم يرى من شعر الشخص الاخر، ولكن خوفه من الله وقيمه الأخلاقية، حيث يقول الله عز وجل "... لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ..." (سورة المائدة، 94) أي انه سيختبر الناس حتى عندما يعتقدون ان احد لا يراهم. لذلك فان استخدام الإكراه، حبس الناس في البيوت، باستخدام العنف بشكل عام لن يضمن عفتهم، الإيمان والقيم الأخلاقية والعبادة هي أمور تنبع من القلب وحده.

أشار القرآن الى الجلباب وليس إلى الحجاب

كما يتبين من كل التحاليل المفصلة أعلاه، وتحت تأثير البيانات الخادعة والتفسيرات الباطلة لمختلف المفسرين، فقد استخدمت الآية 31 من سورة النور كدليل على وجوب لبس الحجاب وتحولت حرفيا الى شيء من المحرمات. ومن المثير للدهشة كيف يتم تفسير الآية التي لم تذكر شيئا عن الحجاب او أي معلومات حول لباس الرأس والتي تصف صراحة ستر الصدر، بطريقة مختلفة تماما عما تريده الآية.

شيء آخر عجاب وهو أن العديد من الناس الذين يؤمنون بالحجاب الذي لم يذكر أبدا في القرآن الكريم، ويعتبرونه مصدر العقيدة الرئيسي، لا يتطرقون أبدا الى الآية 59 من سورة الأحزاب، وكأنها سورة من الفضاء الخارجي. لقد اتخذوا الحجاب على انه وصية اساسية في القرآن الكريم وتجاهلوا تماما الوصية التي جاءت في القرآن حول الحجاب.

دعونا الآن ننظر كيف ذكر الجلباب في سورة الأحزاب ولماذا تجاهل أنصار الحجاب هذه الآية:

سورة الأحزاب، آية 59

"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"(الأحزاب،59)

 معنى كلمة "جلباب" في الآية هو ثوب يغطي الجسم من أعلى الرأس حتى أسفل القدمين. ولذلك فإن هذه الآية من سورة الأحزاب تصف بشكل واضح جدا الثوب الذي يغطي كامل الرأس والجسم. هناك سبب واحد لارتداء مثل هذا الثوب، وهو للنساء المسلمات للدلالة على حريتها وعفتها.

وهذا يعني أن بعض البيئات ليست مناسبة للمرأة للتنقل في اللباس بحرية؛ فبنية المجتمع والمستوى الاخلاقي للناس داخله قد يتخلف في بعض الأحيان وراء تلك الحضارة. بعض المجتمعات تشجب النساء اللاتي يتجولن بلباس مكشوف، بل وربما تذهب إلى حد إلحاق الأذى اللفظي أو الجسدي بهن. في الظروف العادية، فإن المرأة المسلمة لا تذهب إلى هذه الأماكن إلا إذا لم يكن لديها خيار اخر، وعندما يذهبن الى مثل هذه المجتمعات، فمن الضروري بالنسبة للمرأة المسلمة ان تظهر انها مسلمة وعفيفة إذا ما ارادت تجنب عواقب غير مرغوب بها، وبالتالي فإن الجلباب الذي ترتديه النساء المسلمات في مثل هذه البيئات مجرد اجراء لتجنب هذه العواقب في بيئة معينة.

وهذا بالطبع امر تقرره المرأة بنفسها، ولكن النساء في المجتمعات الديمقراطية والعصرية عموما لا يواجهن ما يمكن ان نسميه " أماكن غير امنة" ولذلك فالنساء في المجتمعات الغربية لا يشعرن بالحاجة لتغطية أنفسهن، وتبقى إمكانية وجود بعض الناس في مثل هذه المجتمعات ممن يشكلون خطرا على النساء قائمة. لذلك إذا كانت المرأة لا تشعر بأمان فيمكن ان تغطي نفسها حتى في المجتمع الغربي لأن شرط الآية الأساسي المذكور هو حماية المرأة المسلمة من التعرض الى إساءة الظن بها وظلمها بسبب طريقة لبسها.

 

تبني الحجاب والتغاضِ عن "الجلباب"

 

لننتقل إلى موضوع الحجاب مرة أخرى، يمكن للمرأة أن تقول، "لقد ظهر الحجاب في القرآن في الآية 59 من سورة الأحزاب" وان ترتديه إذا شاءت، وإذا فعلت ذلك فهي تفضل الحجاب الذي يغطي جزءا يسيرا من الجسم على تغطية كامل الجسم وهو الامر الأقرب للتقوى والاقرب لأمر الله في الآية. واما الشخص الذي يقول "ان الحجاب ظهر في القرآن في الآية 31 من سورة النور" فهو لا يقول الحقيقة، بل ان هذا هو الخطر، لأن ربنا يشير إلى أولئك الذين يحرمّون ما أحل الله ويعمدون على تشويه آيات القرآن الكريم. ينظر الله بعين الغضب الى أولئك الذي يفترون عليه ويأتون بأوامر لم يأتي بها الله في القرآن الكريم، وعلى الرغم من انهم مدركون الحقيقة تماما.

الشيء المدهش هو أن بعض الناس الذين يعتبرون الحجاب رمزا للعقيدة بشكل حرفي ويدافعون عنه بشكل غير مسبوق لم يأتوا بأي ذكر على الجلباب الذي جاء في القرآن الكريم.

كما ان بعض الناس الذين يقدّرون دين المرأة وعظم ايمانها من خلال لبسها للحجاب -وعلى الرغم من قوله تعالى ان عظم الايمان يكمن في التقوى والخشية منه في الغيب -لم يأتوا على ذكر اي حقيقية حول الجلباب في القرآن الكريم. وعلى الرغم من أن القرآن لا لم يذكر شيئا عن الحجاب ولكنه بشكل صريح الى الجلباب، إلا انهم يفضلون تبني الامر الذي لم يذكره القرآن. ومن المثير للدهشة تماما كيف بات الحجاب يمثّل ويعني الكثير للناس واما الجلباب فلم يأتي أحد على ذكره.

 

المرأة المسلمة تعرف كيف تلبس وفقا للقرآن

يجب الإشارة الى نقطة هامة هنا الا وهي ان المرأة المسلمة تعرف جيدا كيف تلبس وفقا لما جاء في القرآن لذلك ليس هناك حاجة للرجل أن يعلمها كيف تلبس. لا يحق للرجل التدخل فيما ترتديه المرأة، ناهيك عن ارشادها كيف تلبس او الحكم عليها؛ لم يعطيه الله هذا الحق. لم يعط الله الإنسان هذا الحق، فهذا أمر مهم يجب تسليط الضوء عليه في وقتنا الحاضر وخاصة في المجتمعات الإسلامية.

 

ويجوز للمرأة ارتداء الحجاب، أو تغطية كامل جسدها أو خلع الحجاب أو ارتداء الملابس المكشوفة، فإذا قالت: "أنا مسلمة" فلا يحق لأحد الحكم عليها، فالله وحده من يستطيع الحكم على المرء ومعرفة إذا ما كان مخلص أو لا؛ المهم هو الإخلاص في الايمان وليس الملابس. فمثلا يمكن لامرأة تغطّي كامل جسمها من الرأس حتى أخمص القدمين ان تكون غير مخلصة فتذهب الى النار، وامرأة تلبس الملابس المكشوفة ولا تغطي كامل جسمها فتذهب الى الجنة بإيمانها واخلاصها. ان الله فقط هو من يعلم ويقرر مصير العباد في الجنة او النار.

عندما يتبنى الناس أدلة أخرى من خارج القرآن، تظهر مشاكل غير ملائمة للطبيعة الإنسانية، وبالتالي تسبب الخلافات المتنوعة. يمكن لهذه المشاكل ان تكون فريدة او تتعدى ذلك لتصل الى صراعات اجتماعية او ما الى ذلك. كما ان الحكم على الناس على أساس أشكال اللباس – مثل تلبس الحجاب او لا تلبس، ملابس طويلة او قصير، ملابس تغطي كامل الجسم او تكشف الجسم-هو تصور خاطئ ولا مكان له في القرآن، بالإضافة الى انه يؤدي إلى توترات في المجتمع. يبين لنا الله في الآية ان التفضيل بين الناس لا يكون على أساس اللباس والمظهر الخارجي ولكن على أساس التقوى، (الوازع الديني الداخلي):

" يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"( الأعراف،26)

يعيش الايمان ويصبح واقعا في القلب، ويتجلى من خلال الفضائل الأخلاقية، والحنان، والمودة والكرم، ومسامحة الناس والثقافة النوعية والأدب ومفاهيم الفن والعلم؛ باختصار في كل شيء. ولذلك فمن المهم تقييم الناس من خلال القيم الأخلاقية، وليس من مظهرهم الخارجي.

بغض النظر عن مظهرهم الخارجي، فكل من قال "أنا مسلم" هم جميعهم مسلمين مهمين ولا فرق بينهم الا بالتقوى ولا يملك الحكم في هذا لمجال الا الله سبحانه وتعالى.

 

 

 

الفهم الخاطئ لعبارة للذكر مثل حظ الانثيين

 

واحدة من القضايا التي يساء فهمها ويسعى بعض الناس لاستخدامها كأدلة ضد الإسلام هي فكرة أن "المرأة تساوي نصف الرجل." وجعلت بعض خصوم الإسلام يفسرون بأن " شهادة الرجل تساوي شهادة اثنين من النساء" استغل المتعصبين هذا التفسير الخاطئ ووضعوه موضع التنفيذ واصفين المرأة بانها تساوي" نصف " الرجل. ومع ذلك، وكما هو الحال في العديد من المجالات الأخرى، فإن خصوم الإسلام والمتعصبين يرتكبون خطأ فادح في هذا المجال.

 

لقد جعل الله عز وجل شهادة الرجل والمرأة متساوية في القرآن. لم يذكر القرآن أي شيء عن ان "شهادة الرجل تساوي شهادة اثنين من النساء" على سبيل المثال، أوجب الله في القرآن ضرورة احضار أربع من الشهود لإثبات جريمة الزنا ولم يحدد إذا ما كانوا أربع من النساء او اثنين من الرجال او أربع من الرجل او ثمان من النساء، فقد ذكر وجوب احضار أربع من الشهود. بعبارة أخرى يكفي احضار أربع شهود سواء من الرجال او من النساء ولا تمييز بينهم.

 

كما هو الحال في جميع المسائل، اذا كان هناك تضارب في الشهادات، فالأفضلية لشهادة المرأة في القرآن الكريم، وكلمتها هي الموثوقة. على سبيل المثال، عندما تتهم المرأة بالزنا ويكون هناك تضارب بين شهادتها وشهادة الرجل، فالأفضلية لشهادة المرأة، وتبرأ المرأة بناء على شهادتها الخاصة. انظروا الآية التي جاءت بهذا الخصوص:

" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ(6)وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(7)وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ".(النور،6-8)

 

حقيقة أن شهادة المرأة مقدمة على شهادة الرجل من حيث شهادات الشهود هو امر مهم جدا لا يعلمه الكثير من الناس؛ فهي تصف جوهر القرآن ونظرته تجاه المرأة. ان الأفكار الخاطئة للمتعصبين وخصوم الإسلام هي مختلفة جدا، ولكن دعونا نلقي نظرة على المعاني الحقيقية للآيات التي استخدمها المتعصبين كدليل على ان المرأة تساوي نصف الرجل وبالتالي فيما يتعلق بحق المرأة في شهادة الشهود والميراث:

 

 

النساء وشهادة الشهود في القروض

جاء الاستثناء الوحيد في القرآن الكريم فيما يتعلق بالمرأة وشهادة الشهود في مسألة الدَين. من أجل فهم الاستثناء هنا، نحن بحاجة الى ان ننظر في الآية 282 من سورة البقرة التي وصفت القروض:

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"( البقرة،282)

 

 

تحدد هذه الآية تحدد قواعد الدَين، حيث يقول تعالى "... إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ "، ويقول ايضا " وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ " ويقول أيضا في نهاية الآية أن "... وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ " يتجنب الناس بالعادة الشهادة في مثل هذه المسائل الحساسة. ومع ذلك، يريد الله ان يتولى الرجال المسؤولية الكاملة لهذا الواجب الحساس وغير المستحب ويأمر "... وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ". لاحظ أن الآية لم تذكر شيئا عن المفاضلة في عدد الشهود" رجلين وأربع نساء" تحدثت الآية ببساطة يتحدث عن " وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ " وذلك لان هذه المسؤولية الخطرة والشاقة فرضت مباشرة على الرجال، وبالتالي فقد اعفت الآية النساء من هذه المهمة الغير مرحب بها والتي تحتاج الى ضغط وجهد كبيرين.

وفقا لهذه الآية، فقط في حالة عدم توفر رجلين رجلان " فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ " وبهذه الطريقة، لا تترك المرأة بمفردها في مواجهة هذه المهمة المحفوفة بالمخاطر المالية والحسابات الذاتية مثل الاقتراض. وبالتالي تجنب احتمال اختلاف الرجل والمرأة مع بعضهما البعض في حال وقوع سوء فهم.

على سبيل المثال، دعونا نفترض حدوث سوء فهم بشأن مبلغ القرض أو طريقة السداد. إذا اختلف الشهود بشأن شهادتهما فسينتهي المطاف بالمرأة الى الاصطفاف ضد أحدهما، واذا كان احدهما يكذب، فستوضع المرأة تحت الضغط والتوتر الشديد. لقد حمى الله المرأة التي أولاها عناية شديدة في أماكن كثيرة في القرآن الكريم من مثل هذه المواقف وشرع الشاهد الثاني لتجنيبها هذا الضغط. و في حالة رجل وامرأتان شهود يتوزع حمل الشهادة الى ثلاث وبالتالي تتوزع المسؤولية بشكل أوسع ويقل الضغط بطبيعة الحال على الشهود. كما ويقطع هذا الأمر الطريق على بعض الناس ممن لديهم دوافع خفية في خداع الشهود ويجعل مهمتهم الخبيثة أصعب بكثير بحيث عليهم ان يخدعوا اثنين من الشهود الثلاث بدلا من شاهد واحد من مجموع شاهدين .

ومن الحقائق المعروفة جيدا أن المسؤوليات المتعلقة بالمال، وخصوصا في مجتمعات اليوم، هي أمور يمكن من خلالها قذف شخص اخر بسهولة واطلاق الاتهامات ضد الطرف الاخر بلا مبالاة ووضعه في ظل سحابة من الشكوك. لذلك فقد تم اتخاذ الكثير من الاحتياطات في هذا الجانب لحماية المرأة. كما يعتبر بعض الناس من السهل اتهام النساء بالضعف وتشويه سمعتهن ، وهو لا يعلم انه في بعض الأحيان تحدث جرائم قتل او اتهام للنساء من خلال مهمة الشهادة هذه، ولكن إذا شهد على هذه الدَين اثنين من النساء فمن شأنه ان يزيل خطر الاتهامات الباطلة عنهن.

 ويمثل هذا أيضا مصدر أمن للمرأة من الناحية النفسية، حيث يكون مخاطرة كبيرة نسيان بعض التفاصيل مثل مبلغ الدَين وشروط السداد في حالة كانت شاهدة. كما ويقع على عاتق المسلمين ان يكونوا شهداء بالحق والا ينسوا أي تفاصيل تتعلق بالدين، وفي هذه الحالة ، حتى لو كانت المرأة تتمتع بذاكرة قوية واتخذت احتياطاتها بعدم النسيان- ولا ننسى ان النساء احرص بكثير من الرجال في مثل هذه الأمور - فإن وجود طرف آخر يشاركها الشهادة هو لا يشك يخفف عنها الأعباء النفسية.

 

 

 

بطبيعة الحال، ينطبق هذا العبء النفسي وإمكانية النسيان على الرجال أيضا، ومع ذلك فقد اعتنى القرآن دائما بالنساء وحرص على حمايتهن من الجوانب النفسية والمادية. هذا، وقد خلق الله عز وجل النساء كمخلوقات تهتم وتعتني كثير بالتفاصيل وتأخذ حتى اقل المسؤوليات على محمل الجد، وهم عموما حريصين على الشكليات ويتمتعن بقدر كبير من المسؤولية. وبالتالي، فإن المرأة سوف تشعر بعبء كبير جدا تجاه مسؤوليتها في هذا الدين بسبب الطبيعة التي خلقت عليها. لذلك فقد خفف الله سبحانه وتعالى عليها الامر وجنبها العبء النفسي الكبير لمثل هذه المسؤولية، ويعتبر هذا مظهر آخر من مظاهر القيم السامية التي يوليها ربنا للنساء.

يجب ألا يغيب عن ذهننا أن المرأة، ملكة سبأ، وصفت بأنها رئيسة دولة في القرآن الكريم، وأكد أنها كانت صانعة قرار قوية. وهذا يعني أنه النساء في القرآن وصفت بالذكاء والشخصية القوية لتحكم دولة. لذلك، الأشخاص المتعصبين الذين يفسرون الآية المذكورة أعلاه، والتي تتضمن حماية ورعاية كبيرة للمرأة، على أنها تعني نقص في اذكاء المرأة هم في الحقيقة يفترون على القرآن ويتجاهلون ما جاء به من وصاية تجاه المرأة، في الوقت الذي يعتبر القرآن هو المرجع الوحيد لنا في الحكم على أي امر.

 

حقوق المرأة في الميراث

يعتبر قانون الميراث الذي تتمتع بموجبه المرأة بنصف نصيب الرجل موضوع آخر يساء تفسيره ا بشكل متكرر من قبل كثير من الناس. يفشل بعض الناس في فهم جوهر القرآن، وهو العامود الاساسي للإسلام ومصدر الحب والرعاية الإلهية، فيسعوا  إلى تقديم أدلة على ادعاءاتهم الخاصة من خلال التحليل المغلوط للآيات التي تصف توزيع الميراث بشكل مجزئ بدلا من توزيعه بالتساو؛ وفي الواقع يعتبر قانون الميراث دليل اخر على حماية حقوق النساء في القرآن.

جاءت الآيات التي تتحدث عن نصيب المرأة في الميراث كما يلي:

"لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا."(النساء،7)

"يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا."(النساء،11)

كما هو موضح في الآية الأولى فان الميراث في الإسلام هو من حق الرجال والنساء على حد سواء. وتصف الآية الثانية توزيع الميراث، بناء على احتياجات الناس ومسؤولياتهم:

 

 

 

إذا ما نظرنا إلى القرآن ككل، نجد أن مسؤولية المحافظة على الأم والزوجة والابنة أو الأخت هي ليست مسؤوليتهن، ولكنها مسؤولية الذكور حيث تقع اما على عاتق الابن أو الزوج أو الأب أو الأخ، وينطبق هذا على مدار حياة المرأة بأكملها. وبعبارة أخرى، تبقى المرأة تحت رعاية الابن، أو الزوج أو الأب أو الأخ حتى نهاية حياتها.

 

على سبيل المثال، يقدّم الزوج المهر لزوجته عند الزواج، ويقدّم هذا المهر من وجهة نظر القرآن الكريم مباشرة إلى المرأة وليس للعائلة. وبعد الزواج، تقع المسؤولية الكاملة من الرعاية الجسدية للمرأة وأطفالها على عاتق الرجل. هذا، وكما سنرى في التفاصيل في الوقت المناسب، تستمر هذه الرعاية والمسؤولية المالية حتى في حالة الطلاق، لذا فإن أي مسؤولية تجاه المرأة تقع على عاتق الرجل.

هذا، ولا يترتب على مسؤولية الرجل في الرعاية المالية للمرأة أي قيود عليها، ولا تعني أيضا أن المرأة هي مخلوق ضعيف ومحتاج؛ إنما جاء هذا التدبير الاحترازي هنا كرمز للقيمة التي منحها الله للنساء كي لا تعاني خلال فترة حياتها. كما ان المرأة حرة في العيش كما يحلو لها، مخيرة إذا ما ارادت العمل ام لا، ولها الخيار أيضا إذا ما ارادت ان تكسب المال او لا، او إذا ما ارادت انشاء مشروع وقيادة شركة تجارية او حتى دولة او لا، هي مخير في العيش كما تشاء. ولا يعني كونها تحت حماية الرجل من الناحية المالية تقييد حياتها الاجتماعية، أو منعها من الحرية وحبسها خلف الأبواب المغلقة كالسجين. وقالت امرأة يجري تحت حماية رجل أيضا لا يعني أن لديه أي حق القيادة لها أكثر؛ القرآن يقول شيئا عن رجل يكون قادرا على قيادة امرأة. والمقصود المسؤولية المالية المفروضة على الرجال لضمان أن النساء، الذين هم تحت حماية خاصة في القرآن الكريم، أبدا يعانون طوال حياتهم.

ومع ذلك، فمن وجهة نظر القرآن الكريم، لا تتحمل المرأة أي من هذه المسؤوليات تجاه أي شخص. كما انها ليست مسؤولة عن رعاية أي شخص آخر، بل إنها أيضا ليست ملزمة بالاعتناء بنفسها، وهي ليست مجبرة على العمل إذا لم ترد ذلك فهي مخيرة ولا شيء يجبرها.

بالإضافة إلى ذلك، يحق للمرأة ان تنفق ما تملك بالطريقة التي ترغب، حتى لو كانت غنية، فهي ليست ملزمة بالمساهمة في ميزانية الأسرة، وليست ملزمة لتتحمل أية مسؤولية مالية تجاه أطفالها؛ حتى إذا كانت المرأة أغنى من الرجل، فالتزامه المالي تجاهها لا يزال قائما.

 

يمكن للمرأة أن تضع نصيبها من الميراث في مشروع إذا رغبت في ذلك، أو تنفقه على نفسها، أو تدّخره، ولكن الرجل ملزم باستخدام حصته للحفاظ على المرأة ورعايتها. كما يقع على عاتقه المسؤولية الكاملة -إذا ملك المال -في رعاية عائلته ورفاهية وراحة زوجته وأولاده وشقيقاته. ولا ننسى ان السبب في ذلك هو حاجة المرأة ولكن لحمايتها من الظلم في حياتها.

في ضوء الحقائق الموضّحة صراحة في القرآن الكريم، إذا حصل كل من الرجل والمرأة على حصص متساوية من الميراث، فسوف ترجح كفة المرأة في الميزان على كفة الرجل وذلك بسبب التزاماته برعاية الأسرة، في حين انه لا يوجد للمرأة أي التزامات من هذا لقبيل.

الحكم التالي في الآية هو أيضا مهم جدا، "... مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ " إذا أوصى رجل متوفّى بتركه ورائه فيجب ان تنفذ هذه التركة تماما كما جاء في الوصية حتى وان كان قد ترك كل ممتلكاته باسم امرأة ولم يبقي شيئا للذكور في العائلة، تبقى الوصية صالحة وتذهب التركة للمرأة.

 

هناك حكمة خاصة من وراء القاء الله عز وجل المسؤولية المالية تجاه النساء على عاتق الرجال. ولو شاء الله عز وجل ما فرض مثل هذا العبء على عاتق الرجال، ولجعل المرأة مسؤولة عن رعاية الأسرى وعن الأطفال ودون ضمانة مالية تذكر. لكن هذا سيكون مسؤولية وعبئ نفسي كبيرين، ولذلك لم يفرض الله أي من هذه المسؤولة المادية على المرأة في القرآن.

 

 

 

حق المرأة في الطلاق

أول نقطة أساسية ينبغي تسليط الضوء عليها في موضوع الطلاق هو أن ممارسات اولئك المتعصبين الذين يرفضون الاعتراف بحق المرأة في الطلاق هي خاطئة تماما. وفقا للعقلية المتعصبة، بغض النظر إذا كانت المرأة سعيدة او تعيسة او تعاني الامرّين في حياتها فلا يحق لها المطالبة بالطلاق. تطبق العقلية المتعصبة – التي تسعى الى قمع المرأة واظهارها في مرتبة أقل من الرجل-حاليا في دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية

لا مكان للتفكير الأصولي في القرآن بل انه مخالف لجوهر القرآن تماما؛ فلم يذكر القرآن حكم مفاده أن "عصمة الطلاق بيد الرجل فقط" في الواقع، تتحدث الآيات 228 - 241 من سورة البقرة الحديث عن النساء اللاتي يطلّقن ازواجهن؛ الطلاق هو حق منحه الله للرجال والنساء على حد سواء.

ومن المثير للاهتمام، إن بعض المفسرين أو المترجمين للقرآن يضيف بين قوسين مصطلح "المطلقات" ويوضح "النساء اللاتي طُلّقن من أزواجهن". وينبع هذا النوع من الأخطاء من المفسرين الذين يعتبرون آيات القرآن بذاتها غير كافية لنفهمها وذلك لعدم قدرتهم على تحرير أنفسهم من تفكير الإسلام الأصولي وبالتالي ويسعون لتكييف هذه الآيات مع أفكارهم. لقد رأينا بالفعل كيف تم اضافة العديد من العبارات بين قوسين كمحاولة لتكييف القرآن الكريم مع العقلية المتطرفة؛ كما يقوم بعض الناس الذين لا يستطيعون تغيير الآيات لتناسب أغراضهم الخاصة، بتأليف نفس الانطباع عن طريق استخدام الأقواس، وإذا ما تجاهلنا هذه التعليقات والاضافات بين الأقواس تصبح آيات القرآن واضحة تماما.

 

الطلاق وحماية حقوق النساء فيما بعد

ان الرعاية والحماية التي منحها الله عز وجل للنساء بعد الطلاق هي دليل مهم على تفضّيل النساء في القرآن. فقد تكفّل الله عز وجل بحماية حقوق جميع النساء في الظروف التي قد تتعرض فيها للظلم-مثل الطلاق – ووضعهن تحت الحماية طيلة حياتهن؛ حيث تقع على عاتق الرجل مسؤولية حماية ورعاية زوجته السابقة طيلة حياتها حتى وان كانت مطلّقة وان لم تكن بحاجة لذلك.

 

الحفاظ على سعادة المرأة وراحتها أثناء الطلاق

بعض الناس الذين يعيشون على أساس غرائزهم الدنيوية، يعتبر إن الطلاق هو الوقف التام لكامل العلاقات مع الطرف الآخر؛ مثل هؤلاء الناس يعتقدون أنه بمجرد انتهاء العلاقة التي كانت قائمة على المصلحة الشخصية، لم يعد هناك حاجة لإظهار أي نوع من الرعاية أو الاهتمام تجاه الشخص الأخر. ولأنهم فقدوا كل مشاعر الحب والاحترام للشخص الذي تخلوا عنه فهم يتصرفون في ضوء الحفاظ على مصالحهم الخاصة وبالتالي تجاهل المشاكل والصعوبات التي يواجها الطرف الآخر. يعتبر هذا بالطبع خلل أخلاقي في الناس الذين يعيشون بعيد عن قيم القرآن. هذا ويصف الله عز وجل كيف يجب أن تعامل النساء بالمحبة والمودة والقيم الأخلاقية المناسبة بعد الطلاق كما يلي:

            " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ"(البقرة،232)

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا."(الأحزاب،49)

 

 

تشير كلا الآيتين الى "الاحسان" و"المعروف “وهذا يعني أنه ما يزال يتوجب على الرجل معاملة المرأة بمعروف بعد الطلاق؛ ربما لا تعمل المرأة او ربما لا تتوفر لديها القدرة المادية او ربما ليس لها مكان لتعيش فيه؛ تضمن هذه الآيات رعاية المرأة المطلقة، وتوفير سبل الحياة الكريمة لهما ومعاملتهما بالإحسان والمعروف. يجب على الرجل معاملة المرأة بشكل بالمعروف في كل الظروف.

 

 

نفقة المرأة بعد الطلاق

 

حرّم الله عز وجل في القرآن الكريم ترك المرأة المطلقة وحيدة في الحياة بلا اهتمام أو رعاية مادية. يدعو الإسلام الى تأمين المرأة ماديا بعد الطلاق سواء كانت مقدرة ام لا، وتقع هذه المسؤولية على عاتق زوجها السابق. وقد أشار الله عز وجل الى هذا الموضوع في العديد من الآيات كما يلي:

"وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ"( البقرة،241)

"لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ"(البقرة،236)

"لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا."( الطلاق،7)

كما رأينا في هذه الآيات، سواء كان الرجل غني او ذو دخل محدود تقع على عاتقه مسؤولية رعاية مطلقته والانفاق عليها حتى بعد الطلاق، وان لم يلتقي بها ابدا طيلة حياته وبعيدا عن كل المشاعر والاحاسيس النفسية والمادية وساء وجدت هذه المشاعر او اختفت، تبقى مسؤولية رعايتها ماديا ونفسيا ومعاملتها بالمعروف واقعه على عاتقه. حتى لو كانت لا ترى هذا الشخص مرة أخرى لبقية حياتهم، حتى إذا كان لديهم أية مواد أو التوقعات النفسية منها، فإنها لا تزال لديها مسؤولية لوضعها تحت الحماية المالية وتعاملهم مع اللطف. كما بيّن الله سبحانه وتعالى وجوب ضمان الرعاية المادية للمرأة بصدق وطيب خاطر وامانة حيث قال تعالى:

 

" وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا"( النساء،4)

 

حق المرأة في المهر بعد الطلاق

 

بيّن الله عز وجل في الآيات بانه لا يحق للرجل استرجاع ما قدمه للزوجة من مهر بعد الطلاق حيث قال تعالى:

" وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا(20)وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا(21)." ( النساء،20-21)

 

         "... وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ..."(البقرة،229)

يذكّر الله عز وجل الرجال في هذه الآيات ان الزواج هو بمثابة العهد او القسم على رعاية الزوجة ولذلك لا يحق لهم استرجاع أي مما قدموه لهن من مهر او مال وبغض النظر عن عظم قيمته" قِنطَارًا ". فالمسلم الملتزم بالقرآن يعلم جيد قيمة هذا الوعد ويسعى الى الإيفاء به والقيام بمسؤوليته على أكمل وجه، حيث تقول الآية “... وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ..."وبالتالي يحرّم الله بشكل واضح وصريح أي سلوك اخر.

 

حق المرأة في المسكن بعد الطلاق

 

أمر الله عز وجل الرجل ان يبقي المرأة قريبا منه بعد الطلاق وذلك لضمان رعايتها وعدم تعرضها للمشاكل، ولضمان حمايتها أيضا في حال تعرضها للمخاطر. وتبين الآية انه تقع على عاتق المسلم مسؤولية توفير مكان للعيش لمطلقته حتى تجد مكانا امنا خاصا بها لتسكنه وضمان عدم تعرضها للأذى:

"أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى."(الطلاق،6)

ونظرا لأهمية الموضوع كان لا بد من تكراره مرة أخرى هنا: ان التدابير الوقائية المذكورة هنا بالطبع لا تعني أن المرأة غير قادرة على الاعتناء بنفسها؛ هذا هراء طرحته بعض الناس المغرضة من أجل مهاجمة الإسلام حيث تشير الآيات إلى القيم الأخلاقية العليا التي خصّها الله عز وجل بالنساء. وجاءت رعاية المرأة تقديرا لها واشعارا لها بأهميتها واحترامها الشديد في الإسلام وليس من باب انها مخلوق ضعيف لا يستطيع لاعتناء بنفسه؛ ووضع الله المرأة تحت رعاية وحماية الرجل بشكل عملي ونهى أيضا في الآية عن"... وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ..." وأمر أيضا في الآية "... فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ..." حيث ينصح الله هنا المؤمنين بالحفاظ على العلاقات الجيدة فيما بينهم بد الطلاق. هذا، وإذا ما نظرنا الى الصعوبات التي تواجهها المرأة في المجتمع بشكل عام وفي الحياة الاجتماعية تصبح من السهل فهم هذه التدابير التي جاءت في القرآن بشأن المرأة.

 

تحريم ارث النساء بالقوة

 

واستمرار لحماية المرأة في القرآن فقد نهى الله عز وجل عن ارث النساء بالقوة حيث قال:

 

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"(النساء،19)

 

 يحرم الله في هذه الآية ممارسة أي ضغوطات أو إجراءات قد تخلق أي صعوبات من الناحية المادية على المرأة.

 

 

 

 

قيمة الأُم في الاسلام

 

أشاد الله عز وجل كثيرا بالأُم في القرآن وأوصى باحترام الوالدين والإحسان إليهما وحمايتهما ورعايتهما في شيخوختهما وفي كل الأوقات؛ وجعل ذلك من المسؤوليات الخاصة التي تفرض على المؤمنين الحقيقيين في القرآن الكريم، حيث جاءت الديد من الآيات حول هذا الموضوع كما يلي:

 

           " وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا."(العنكبوت،8)

" وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمً."(الاسراء،23)

 

هذا، وبالرغم من ان الله عز وجل أوصى المؤمنين بطاعة الوالدين ومعاملتهم بالإحسان والمعروف، الا انه أولى رعاية خاصة للأُم حيث قال تعالى:

" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ."(لقمان،14)

 

في الواقع، يبيّن الله عز وجل في الآية كيف تضحّي الام بنفسها عدة شهور كي يرى مولودها النور في هذا العالم؛ تحمله في احشائها بكل مشقة، وتضعه بكل صعوبة أيضا؛ وعلاوة على ذلك فهي تقوم بهذه المشقة بكل محبة ولا تتوقع أي مقابل بل تفاضل اطفالها على نفسها. لذلك يذكرنا الله بهذه الحقائق الرائعة عن الام ليظهر لنا القيمة الكبيرة التي يوليها لهم في القرآن.

 

 

الافتراء حول تفوق الرجل والهراء حول ضرب المرأة

 

يسعى بعض الناس إلى افتراء أدلة من القرآن الكريم عن تفوق الرجل على المرأة، وحقه في ضربها، وم هذه الأدلة التي يستشهدون بها في هذا الصدد ما يلي:

" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا(34)وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا(35)."( النساء،34-35)

 

تفوّق الرجل على المرأة

 

ان كلمة " بَعْضَهُمْ " في قوله تعالى " بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ " الآية 34 من سورة النساء "، تتناول بشكل واضح مجتمع مختلط من الرجال والنساء. لذلك فالمعنى الحقيقي هنا هو " ان الله جعل بعض الرجال وبعض النساء متفوقين على بعض الرجال وبعض النساء الأخريات"؛ مما يعني ان الله خصص لكل منهما بعد الصفات والمميزات المفضلة والمختلفة عن الأخرين. وامرأة أخرى." المعنى الحقيقي هنا وهذا يعني أن الله قد أعطى كل واحد منهم قدرات وخصائص مختلفة.

كما ان تفسير الآية " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ " لا يعني تفوّق الرجال على النساء ولكن تشير الى الفروق الجسمانية، وتذكّرنا كلمات الآية " وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ "بمسؤولية الرجل عن الرعاية المالية للمرأة.

 

المعنى الحقيقي لجملة" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء"

 

فسّر المفسرون كلمة " قَوَّامُونَ " في الآية على إنها “السيد الأعلى "، ولكن في جميع الآيات الأخرى التي تظهر فيها هذه الكلمة، نجد معنى واحد فقط الَا وهو "الرعاية والحماية"، وكما يتذكر القراء، فنحن اوضحنا الحاجة الى فهم معاني الكلمات العربية الغنية جدا من خلال سياق الآيات الأخرى، وينطبق هذا أيضا على كلمة " قَوَّامُونَ ".

 

كلمة " قَوَّامُونَ " مشتقة من الجذر " قَوّامَ." وإذا بحثت في كل الأماكن التي ظهرت فيها هذه الكلمة فلن تجد تفسير يعني " السيد الأعلى" وفي الواقع استخدمت كلمة " حكّام "لتعني الرئيس او الحاكم في القرآن الكريم، وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نستنتج بسهولة أن المعنى الحقيقي للكلمة في الآية المتعلقة بهذه المسألة هو" الرعاية والحماية ".

 

يمكننا أن نرى ذلك على نحو أفضل إذا ما نظرنا إلى القرآن بشكل عام، فكما سبق وأن قلنا، أولى القرآن الكريم المرأة الأفضلية بشكل عام وحرص على رعايتها وحمايتها ضد أي مخاطر او صعوبات محتملة، واعطاها الحرية أيضا؛ وضع على عاتق الرجل مسؤولية الدفاع عن المرأة، وحمايتها جسديا وماليا وتجنيبها صعوبات الحياة دائما وفي مختلف الظروف، هذا هو واجب الرجل المسلم تجاه المرأة كما يستدل عليه من المصطلح " قَوّامَ " في الآية المذكورة (تم توضيح ذلك بشكل مفصل في الجزء السابق). تعتبر هذه الآية التي يسعى بعض المتعصبين استخدامها كدليل لتفوق الرجل، هي في الواقع مهمة جدا وتصف في الحقيقة تفوق النساء.

 

 

الافتراء حول "ضرب المرأة"

جاءت الكلمة العربية الأصلية في الآية 34 من سورة النساء " وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ. الجذر لهذه الكلمة هو " ضرب" وربما تكون هذه الكلمة أكثر كلمة متعددة المعان في اللغة العربية. بالإضافة إلى معنى "ضرب" فهي تعني أيضا "سك النقود" و "الإضراب عن العمل." دعونا نتأمل مثالا للمقارنة باللغة الإنجليزية. عندما يقول شخص ما "توقف جرس الباب " هذا لا يعني عموما أن جرس الباب لم يعد يعمل، وبالتالي غير صالح للاستعمال، ولكن يعني أن شخصا ما ضرب الجرس وينتظرنا في الخارج. لذلك عندما نستخدم كلمة أو (عبارة) ذات معان متعددة، فمن المهم جدا التحليل المنطقي والسياق العام التي استخدمت فيه لفهم معناها الحقيقي.

 

واحد من أكثر المعاني استعمالا لكلمة "ضرب" هو السفر للخارج. في الواقع، يستخدم الفعل "ضرب “عادة في السياق القرآني بمعنى السفر، او الذهاب في رحلة أو المغادرة الى مكان ما لفترة من الزمن؛ على سبيل المثال جاء في قوله تعالى:

" وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا." (سورة النساء، 101)

" وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لّا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى". (سورة تا ها، 77)

" لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ ...." (سورة البقرة، 273)

           " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ ..."(سورة آل عمران، 156 )

من الواضح أنها كلمة "ضرب" لم تستخدم بمعنى "الضرب" في هذه الآيات. وينطبق الشيء نفسه على الآية 34 من سورة النساء " وهو موضوع دراستنا هنا. عندما نحلل كلمة "ضرب" في ضوء هذه الآية، نجد ان هناك ثلاثة معان مختلفة نحن بحاجة الى ان ننظر إليها: 1) إخراجهم من المنزل 2) إجبارهم على الخروج من مكان تواجدهم 3) ضربهم

 

 

من أجل فهم معنى كلمة "ضرب" التي استخدمت في الآية 34 من سورة النساء، نحن بحاجة إلى العودة إلى جملة " وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ " في بداية الآية. تفسر كلمة "نشوز" بمعنى "التمرد والعصيان" في كثير من النصوص، حيث يحاول المفسرين استغلال كل فرصة في الآيات للتقليل من شأن النساء واهانتهن، اما من خلال اضافة" عدم طاعة الزوج" بين الاقواس او أي شيء اخر من خلال التفسيرات المضللة. هذا، ولا يتوقف معنى كلمة "النشوز" على معنى واحد فقط فهي تعني عدم الاخلاص، ابتداء من مغازلة المرأة لشخص غير زوجها إلى مستوى العلاقات الجنسية المحرّمة. لذلك، يصف الجزء التالي من الآية كيف ينبغي للزوج أن يعامل زوجته الذي كانت غير مخلصة له؛ حيث تحث الآية الزوج على تقديم النصيحة والإرشاد أولا لزوجته كي ترجع عن فعلتها، وإذا لم تنجح هذه الطريقة فعلى الزوج هجر زوجته في المضاجع، وإذا فشلت هذه الطريقة أيضا واستمرت الزوجة في سلوك الخيانة الزوجية، فخير وسيلة تكون من خلال إخراجها من البيت.

 

فمن الواضح أن القرآن الكريم الذي تتمتع المرأة من خلاله بحصانة خاصة، لن يحتوي على أي وصايا مثل ضرب النساء. وإذا ما نظرنا في الأمر منطقيا، نجد ان ضرب المرأة التي تصر على سلوك الخيانة بالرغم من كل ما قدمه لها من نصح وارشاد، لن يؤدي الا الى مزيد من الحقد والغضب عند هذه الزوجة التي تصر على سلوك الخيانة؛ وبالتالي تفاقم المشاكل بشكل أكبر، فذلك يكون إخراجها من البيت هو الحل الأمثل. ولكن الإزالة حل واحد. فالمرأة قد تفكر بعقلانية أكثر إذا ما أخرجت من البيت، ربما تندم على سلوكها وتنظر الى الأمور بطريقة صحيحة؛ وبالتالي على الزوج التوقف عن اتخاذ أية تدابير أخرى ضدها إذا ما ارتدعت ورجعت عن سلوكها كما تقول الآية.

 

يحاول المفسرون في هذا الجزء أيضا " فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً " تفسير الكلمات بطريقة تتضمن موضوع "طاعة النساء للرجال" ولكن في الحقيقة التفسير الدقيق لهذا المقطع هو" إذا أصغين الى النصيحة وتصرفنا بإخلاص"، والمعيار هنا ليس طاعة المرأة للرجل، ولكن "الإخلاص “، وهو مسؤولية تقع على عاتق كلا الجانبين في الزواج.

 

 

المفاهيم الخاطئة الأخرى المتعلقة بالمرأة

 

من المفاهيم الخاطئة الأخرى المتعلقة بالمرأة هي النبي آدم (عليه السلام) وزوجته. لم يذكر القرآن شيئا عن خداع زوجة آدم له أو انها كانت سبب خطيئته، حيث نرى من خلال قراءة الآيات 11-28 من سورة الأعراف أنه الشيطان هو الذي خدع آدم وزوجته وكان السبب في خطيئتهما.

وفي نفس السياق أيضا، لم يذكر القرآن أي شيء عن خلق المرأة من ضلع الرجل، وقد تم وصف الأحاديث الملفقة التي تمثل أصل هذا الافتراء في أجزاء سابقة من هذا الكتاب.

كما ان هنا مفهوم خاطئ يدعي بمخاطبة القرآن للرجال فقط. في الواقع، أكثر من 90٪ من القرآن يخاطب المؤمنين بعبارات مثل "أيها الذين آمنوا" والتي تشير إلى كل من الرجال والنساء بشكل عام، وكما ان هناك آيات تخاطب الرجال وحدهم، هناك آيات تخاطب النساء وحدها أيضا،و هناك آيات موجهه إلى النبي محمد ﷺ  وحده.

 

 

 أقوال النبي محمد في مدح النساء

يجب أن يكون القرآن دليلنا بالطبع إذا أردنا أن نفهم بشكل صحيح مكانة المرأة في الإسلام. كان نبينا ﷺ وحده يطبق القرآن، وبالتالي يمكننا أن نكون واثقين من صحة تلك الأحاديث التي تصف الممارسات المتوافقة مع القرآن، حيث تحتوي هذه الأحاديث الموثوقة على المعاني والممارسات تماما التي تتعارض تماما مع تلك الأحاديث الملفقة التي تظهر موقفا مخيفا تجاه المرأة والمطلقات وتعارض كلي مع جوهر القرآن. فيما يلي بعض الأحاديث الموثوقة التي تتوافق مع جوهر القرآن الكريم:

 

حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة.( الأمام احمد والنسائي)

أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم( ابن الصقير)

خياركم خياركم لنسائهم ( ابن الصقير)

لا تعذبوا زوجاتكم! فهن عهدة الله عندكم! كونوا رحماء بهن وعاملوهن بالمعروف(صحيح مسلم)

احب الله من عاشر زوجته بالمعروف ومازحهها وزاد بركتهم( اللال)

ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف " .

 أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِ " .(الامام الغزالي،احياء علوم الدين،]احياء علوم الدين،نيودلهي: خدمة الكتب الإسلامية2001،:232)

خياركم خياركم لنسائهم وانا خيركم .(الامام الغزالي،احياء علوم الدين،]احياء علوم الدين،نيودلهي: خدمة الكتب الإسلامية2001،:232)

بارك الله في من حرر عبدا وابتسم في وجه زوجته وكله مكتوب في كتاب( ر.نساهن)

في يوم الحساب، انا عدو من يضرب زوجته بغير وجه حق، وليأذن من يضرب زوجته بحر من الله ورسوله.(ر النساهن)

 

 

 

يمكنك قراءة كتاب هارون يحيى التعصب: الخطر المظلم على الانترنت، ومشاركتها خلال شبكات الإنترنت الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر، وتحميله على جهاز الكمبيوتر الخاص بك، واستخدامها في مناقشاتك و أبحاثك وأطروحاتك، ونشر نسخ أو إعادة إنتاجها على مواقع الويب أو المدونة (Web Log/Blog) الخاصة بك دون دفع أي رسوم حقوق الطبع والنشر، طالما أنك تقر هذا الموقع كمرجع.
عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top