AR.HARUNYAHYA.COMhttp://ar.harunyahya.comar.harunyahya.com - وجهة نظر - تم اضافته حديثاarCopyright (C) 1994 ar.harunyahya.com 1AR.HARUNYAHYA.COMhttp://ar.harunyahya.comhttp://harunyahya.com/assets/images/hy_muhur.png11666وجهة نظر: مشكلة اللاجئين أهلا ومرحبا بكم في برنامج وجهة نظر

نعرض لكم حلقة جديدة من البرنامج

 إن مشكلة اللاجئين من الموضوعات التى يتناولها العالم بصورة مستمرة، وفي الفترة الأخيرة تناول الإعلام العالمي مشكلة اللاجئين السوريين بصورة متكررة، ولكن مشكلة اللاجئين ليست خاصة بالسوريين فحسب، فبسبب الصراعات الحالية في المناطق المختلفة من العالم صار الملايين من البشر لاجئين.

حسنا، ولكن كيف يعيش هؤلاء البشر الذين أضحوا بعيدًا عن أوطانهم وأحبابهم ومحرومين من جميع ممتلكاتهم؟ وهل المخيمات التي أُعدّت لهم كافية لحلّ مشكلتهم؟ لماذا تتهرب دول الاتحاد الأوربي من تحمل مسئوليّة اللاجئين ؟ لماذا لا تهتم بعض دول العالم الإسلامي بهذه المشكلة ؟ ستجدون الجواب على كل هذه الأسئلة في هذه الحلقة من البرنامج.

 

وجهة نظر: ويبدأُ ملف اللاّجئين

في "المقدّمة" سوف نقدم معلومات عامة عن اللاجئين، وفي "الخلفيّة التّاريخية" سنشرح حركات الهجرة الكبيرة التي حدثت في الماضي، أما في "تقرير الوضع الراهن" فسنبيّن وضع اللاجئين السوريين واللاجئين في العالم بصورة عامة، وفي النهاية وتحت عنوان"ما وراء الستار" سنتناول وجهة النظر الأمريكية والسّلوك غير الصحيح المتبع تجاه اللاّجئين القادمين من الشرق الأوسط، وعند تقديم كل هذه المعلومات سنذكركم باستمرار بما يتعين عمله وفقًا لوجهة نظر القرآن الكريم.

 

مخلص البرنامج

·      المقدمة

·      الخلفية التاريخية

·      تقرير الوضع الحالي

·      ما خلف الستار

·      العوامل المتعلقة به

 

 

·       المقدمة

نعم، نبدأ برنامجنا بالقسم الخاص بالمقدمة، في هذه المقدمة سنتناول وسنرى على من يطلق مصطلح “لاجئ" و "مهاجر"، وسنقدم معلومات عامة عن اللاجئين في العالم.

من اللاجئ؟:

نظرة عامة على اللاجئين في العالم:

 

من هو اللاجئ ؟

طبقا لاتفاقية جنوة لعام 1951م “اللاجئ“ هو الشخص الموجود خارج محل ميلاده ونشأته الذي يشعر بالخوف من التعرض للظلم لأسباب عرقية أو دينية أو بسبب آراء سياسية تخص المجتمع الذي يعيش فيه، ولا يتمتع بحماية بلده بسبب هذا الخوف،  ويمكن تصنيف اللاجئين طبقا لأسباب تركهم بلادهم، على سبيل المثال:

·      الهاربون من الظّلم

·      القادمون طواعية

·      الهاربون من الصّراعات في الدول

·      الذين تركوا مناطقهم التى يعيشون فيها بسبب اِنتهاكات حُقوق الإنسان

اللّجوء وضع له مكانة خاصة في القانون الدّولي خاضع لمعايير محدّدة، وهناك مفاهيم أخرى خاصة بالأشخاص الذين فرّوا من بلادهم للأسباب نفسها، وحتى نعرف الفرق بين هذه المفاهيم علينا النّظر في تعريفها.

 

اللاجئ: هو من قدم طلبا باللّجوء، ولكن ما زال طلبه باللجوء في مرحلة الاستفسار والتقصي من قبل الدّولة التى سافر إليها، أي أن اللجوء وضع عابر ومؤقت، وعلى سبيل المثال فتركيا توفر للاجئين حماية مؤقتة؛ ولهذا السبب فإنها تطبق سياسة الحدود المفتوحة وتوفر له الحماية، وتوفر الأمن و المساعدات الإنسانية. أما القادمون فهم ليسو لاجئين، فهم يستطيعون الإقامة في المخيمات التى أعدّت لهم قدر ما يشاؤون حتى يستقر الوضع في بلادهم، وهذه المخيمات تحت إدارة تركيا وليست تحت إدارة المفوضية العليا للاجئين بالأمم المتحدة. أما المفهوم الآخر فهو المهاجر، والمهاجــر: هو من هجر بلده طواعية لأسباب اقتصادية في أغلب الأحيان واستقر في دولة أخرى، فإذا كانت إقامته في البلد التي هاجر إليها بإذن وعلم هذه الدولة فهو مهاجر، أمّا إذا كانت إقامته بدون إذن الدّولة التى هاجر إليها فهو "مهاجر غير شرعيّ".

 

 

نظرة عامة على اللاجئين في العالم

هناك ملايين من البشر الذين تقدّموا بطلب اللجؤء إلى دول أجنبية وتركوا منازلهم وأصدقائهم وكل ما جمعوه طيلة حياتهم خلفهم واضطروا إلى الهروب من بلدانهم، وطبقا لتقرير المفوضية العليا للاّجئين التابعة للأمم المتحدة الذي أعلنته في جنوه في نهاية 2012 فإنّ عدد اللاجئين في العالم بلغ عام 2012م 45.2 مليون لاجئ. وبلغ عدد من تركوا منازلهم في عام 2012 فقط 7.6 مليون نسمة، وأغلبهم قد ترك بلده بسبب الحروب.  ويتكون خمسة وخمسون في المائة منهم من الهاربين من خمس دول بسبب الحروب الدّاخلية، هي أفغانستان والصّومال والعراق وسوريا والسّودان.

وبالنسبة إلى الدّول التي قُدمت إليها طلبات اللّجوء من الهاربين أو المَنفيّين على مستوى العالم تأتي باكستان في المرتبة الأولى و وإيران في المرتبة الثانية بينما تحتل ألمانيا المرتبة الثالثة على مستوى العالم بحوالي 590 ألف لاجئ، أمّا تركيا فتحتل المرتبة العاشرة في هذا الشّأن.

في سنة 2011 تم الاحتفال بمرور ستين عامًا على اِتفاقية جنوة التى عُقدت سنة 1951م بخصوص اللاجئين، ولقد زاد عدد اللاجئين بسرعة في العشر سنوات الأخيرة على مستوى العالم بسبب الصراعات وأشكال الظلم الواقعة في العديد من الدول،  فإلى جانب 3.5 مليون إنسان اضطروا لترك بلدانهم فقد وصل عدد الذين تركوا بلداهم مُجبرين سنة 2011 إلى 4.3 مليون إنسان.

وبهذا الشّكل فإنّ عدد الذين تركوا منازلهم وأوطانهم قد وصل إلى 15.2 مليون، ووصل عدد اللاّجئين إلى ( 895000)، والذين هاجروا من بلادهم إلى 26.4 مليون نسمة. فيكون المجموع 42.5 مليون نسمة، وبالإضافة إلى هذا فطبقا للإحصائيّات الرّسمية في العالم، فقد بلغ عدد الذين لا وطن لهم إلى 3.5 مليون نسمة. وطبقا لتخمين المفوضيّة العليا للاّجئين بالأمم المتحدة فإنّ عددهم يبلغ 12 مليونًا.

وطبقا لما أعلنته المنظمة العالمية للهجرة في الذّكرى الثالثة عشر في 18 ديسمبر فإنّه في سنة 2013 م مات 2360 مهاجرًا أثناء محاولة عبور الحُدود ، ويُعتقد أنّ عدد القتلى الذين لم يتم تسجيلهم  يفوق هذا العدد بكثير. وفي كلّ يوم تضع الدول عراقيل جديدة أمام المُهاجرين على الحُدود. وزيادة عدد الوفيّات على الحدود سببه هذه الاجراءات، فالدّول التى وضعت على حُدودها أسلاكا شائكةً وشيّدت الجُدران تُجبر المُهاجرين على القيام بمحاولات أكثر خطورةً على حياتهم.

فهذه الإجراءات التى اتخذتها الدّول للتحكم في الهجرة غير الشّرعية تظل مؤثرة على اللاّجئين الذين اضطروا إلى الهروب من بلادهم لأسباب مثل الحرب والصراعات الداخلية والظلم وانتهاك حقوق الإنسان،  ومن ذلك على سبيل المثال العملية التي تمّت ضدّ المهاجرين الشرعيين في مياه إيطاليا، والمركب الذي تم الاستيلاء عليه في اليونان والذي يحمل مهاجرين غير شرعييين.

وفي القسم التّالي من البرنامج سوف نواصل في عرض الخلفية التّاريخية لهذا الموضوع.

 

 

الخلفيّة التاريخيّة:

تحت هذا العنوان سنشرح "أهم حركات الهجرة في الماضي"، وعلاقة الأنصار بالمهاجرين في التاريخ الإسلامي والنموذج الأمثل في التعامل مع الآخر، وسوف نتحدث عن القوانين والاتفاقيات والمؤسسات التى ظهرت لحل مشكلة اللاجئين.

·      أهم حركات الهجرة في الماضي

·      علاقة الأنصار بالمهاجرين

·      ظهور القوانين والاتفاقيات والمؤسسات

 

أهم حركات الهجرة الماضي:

طوال التّاريخ ابتعد ملايين البشر عن أوطانهم برغبتهم أو رغمًا عنهم للهُروب من الظّلم الذي عاشوه،  ولنلقي نظرة مختصرة على أهم حركات الهجرة هذه:

 

·      300000 يهودي تم إخراجهم من أسبانيا في القرن الخامس عشر الميلادي:

في التّاريخ يوجد الكثير من البشر أو المُجتمعات التى اضطرت للهجرة بسبب الدّين أو الأصول العرقيّة، ففي نهاية القرن الخامس عشر تم إخراج ثلاثمائة ألف يهوديّ من أسبانيا في فترة محاكم التّفتيش، ومات بعضهم في الطّرق، ولقد لجأ أغلبهم إلى الدّولة العثمانيّة.

 

·      الرّوس الذين تركوا الاتحاد السّوفيتي بعد الثّورة سنة 1917 م:

لقد ظهرت مشكلة اللاّجئين في نهاية القّرن التّاسع عشر بعدما حدّدت حدود الدول. بعد ثورة 1917م ترك ما يزيد على مليون شخص الاتّحاد السوفيتى وتوزّعوا على مختلف بلدان العالم.

 

·      الجمهوريون الذين فرّوا من أسبانيا أثناء الحرب الأهلية بين سنتي 1936م- 1939م:

إنّ الجمهويّين الذين فرّوا من أسبانيا أثناء الحرب الأهلية بين سنتي 1936- 1939م قد لجأوا إلى فرنسا والاتّحاد السّوفيتي.

 

-       لقد ظهر القسم الأكبر من حركات اللاّجئين بسبب تقسيم حدود البلاد.

·      في سنة 1947م بعد تقسيم الهند إلى دولتين مستقلّتين هما الهند وباكستان انتقل خمسة ملايين من الهندوس والسّيخ إلى الهند وانتقل خمسة ملايين مسلم إلى باكستان.

·      لما تمّ تقسيم فلسطين عام 1948م وتأسّست دولة إسرائيل ترك الفسلطينيّون أرضهم وهجرُوها في شكل مجموعات.

·      بعد خمسينات القرن العشرين ظهرت في أفريقيا دُولٌ مستقلة واضظر آلاف الأفارقة إلى ترك أوطانهم والعيش لاجئين في دول أخرى.

·      بعد ثمانينات القرن العشرين دخل جيش الاتّحاد السّوفيتي أفغانستان فانتقل 2 مليون أفغاني إلى باكستان.

·      قي سنة  1989م  جاءت إلى تركيا مجموعات كبيرة من التّرك الذين كانوا يعيشون في بلغاريا.

 

علاقة الأنصار بالمهاجرين

ما هو السّلوك الواجب اِتّباعه تجاه الشّخص الذي اضطر إلى ترك وطنه بسبب ظروف صعبة وترك كلّ متطلّبات حياته خلفه واضطر للهروب إلى دولة أجنبيّة ؟

 

إن أجمل نموذج لهذا السّلوك هو العلاقة بين المهاجرين والأنصار، فقد أطلق اِسم "المهاجرين" على من  اضطروا إلى الهجرة من مكة إلى المدينة، وأطلق على مسلمي المدينة الذين ساعدوهم اسم "الأنصار"، وهناك آيات في القرآن الكريم تشير إلى هذا المجتمع، فأهل المدينة الذين أطلق عليهم في التّاريخ الإسلامي اسم "الأنصار" قد دعوا المُسلمين الذين يتعرّضون للظلم في مكة للانتقال إلى المدينة، وتقاسموا معهم أرضهم وديارهم، ووضعوا في حسبانهم أنّهم قد يتعرضون لهجوم العدو بسبب دعوتهم لهم، حتّى إنهم كانوا يتسابقون لاستضافتهم في بيوتهم، وفي النهاية اضطروا للاقتراع فيما بينهم.

 

ويجب علينا إظهار التّضحية والاخلاق الحسنة التى أظهرها الأنصار مع المهاجرين الذين ظُلموا واضطروا إلى الهروب من بلادهم، لأنّ أخلاق الإسلام تفرض علينا هذا الأمر.

يقول المولى عزّ وجلّ في القرآن الكريم: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا " ( النساء ، آية 75)

 

ولقد فتحت تركيا أبوابها لكلّ اللاجئين دون النّظر إلى أية مصلحة ، وإن توفير الأمان لهم  وسدّ احتياجاتهم  وإنفاق مصادرها المادية في هذا العمل الخيري منبعه الإسلام وأخلاقه، ومع الأسف فإننا لا نرى بقيّة الدّول الإسلامية تقوم بهذا الجُهد بصفة عامة، بينما تتزايد باستمرار أعداد اللاّجئين السّوريون القادمين إلى تُركيا.

وأهم سبب لهذا الأمر هو اِختلاف المذاهب، فبسبب الانقسام  النّابع من عدم التحلي بأخلاق الإسلام بصورة كاملة يتجاهل المسلمون المظالم التي يعاني منها إخوانهم في الدين ولا يقبلون تقديم العون لهم لأنّهم يتبعون مذهبًا آخر غير مذهبهم، فالعراق ينجر إلى حرب طائفية .

ومن جانب آخر ترتسم صورة خاطئة عن اللاّجئين، فبعضهم يظن أنّ اللاجئين القادمين سيكونون عبئًا على بلادهم وسيستنزفون ثرواتهم المادية ، رغم أن هذا الأمر مخالف تماما لأحكام القرآن الكريم.

 

ظهور القوانين والاتّفاقيات والمؤسسات المتعلقة باللاجئين:

تظهر العديد من المشكلات المتعلقة باللاجئين في الوقت الحالي لعدم رعاية أخلاق الإسلام رعاية تامة. إنّ تلك المشكلات تتعلق بالعديد من الشعوب، ولهذا تدخلت المنظمات الدولية لتساعد اللاّجئين ولتيسر عليهم التّوائم والتوافق مع الدّول التى لجأوا إليها، وأولى هذه المنظمات "جمعية الأمم "، ففي سنة 1921م عين الكاشف النرويجي ورجل الدّولة الدكتور فريدتوف نانسن  لرئاسة منظمة اللاجئين، وتمكن اللاجئون من القيام برحلات دولية  من خلال جواز سفر " نناسن " (جواز سفر نانسن)  الذي تعطية جمعية الأمم إلى اللاجئين .

 

ومن المنظمات الدّولية المهتمة بموضوع اللاّجئين منظمة الأمم المتحدة، فعقب الحرب العالمية الثانية أسّست المفوضيّة العالية للاجئين التابعة للأمم المتحدة سنة 1951م،  ودخل من ضمن اهتماماتها الأشخاص  الذين تم استبعادهم من أوطانهم بسبب العرق والدين والجنسية والآراء السياسية.

 

وتوفر المفوضية العليا للاّجئين  الحماية السياسية والدّستورية للاّجئين في الفترة من خروجهم من أوطانهم حتى حصولهم على الإقامة في الدولة التى لجئوا إليها، وتكون المفوضية على اتّصال مع حكومات الدّول التى استقر فيها اللاّجئون وتدافع عن حقوق اللاّجئين المختلفة مثل الاستفادة من إمكانيات العمل والتعليم واستخراج الهوية ووثائق السفر وحقوق التقاضي في المحاكم وغيرها.

بالنّسبة إلى اللاّجئيين الفلسطنيين في الشرق الأوسط  فإلى جانب المفوضيّة العليا للاّجئين التّابعة للأمم المتحدة يهتم بهم أيضا مؤسسة خاصة لدعم اللاجئين الفلسطنيين وهي أيضا تابعة للأمم المتحدة،  وهي إدارة دعم اللاّجئين الفلسطنيين في الأمم المتحدة. ولقد تأسّست عام 1949م لمساعدة اللاّجئين الفلسطنيين الذين ظلوا بلا وطن بعد تأسيس دولة إسرائيل.

 

وتقوم هذه الإدارة أيضا بدعم اللاجئين الفلسطينيّين الذين يعيشون داخل وخارج المخيمات وذلك عن طريق افتتاح المدارس والعيادات الطبية وتعليم المهن والدّعم بالطّعام والشّراب.

واليوم، إلى جانب المنظمات الدولية توجد منظمات أخرى محلية متطوعة تعمل على مساعدة اللاجئين من أجل توفير ظروف إنسانية مناسبة لحياتهم.    

في بداية البرنامج كنا قدمنا معلومات عامة بخصوص اللاّجئين، وفي القسم الموالي نواصل الحديث مُعتمدين على معطيات حاليّة.

 

تقرير الوضع الرّاهن

في تقرير الوضع الراهن  سوف نقدم معلومات تفصيليّة عن وضع اللاّجئين السّوريّين وغيرهم.

·      اللاّجؤون السّوريين

·      اللاّجئون الآخرون

 

اللاجئون السوريون:

في البداية نتحدث عن اللاّجئين السّوريّين، فطبقا لتخيمانات الأمم المتحدة في شهر ديسمبر سنة 2013م  ظهرت الحاجة إلى تقديم الدّعم الإنساني إلى أكثر من مليوني سوري تركوا منازلهم بسبب الصراع الداخلي، والآن يوجد 97 في المائة من اللاّجئين السّوريين في الدول المجاورة مثل لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر، وأوضحت المفوضية العليا للاّجئين في الأمم المتحدة أنه قد تم تسجيل أو جاري تسجيل عدد من اللاّجئين يبلغ عددهم حوالي 600.000 سوري في تركيا و700.000 سوري في الأردن ومليون سوري في لبنان و200.000 سوري في العراق و70.000 سوري في مصر، ولكن يعتقد أن الذين فرّوا من سوريا أكثر من هذا العدد بكثير.

 

في سنة 2014م أعلنت المفوضية العليا للاّجئين بالأمم المتحدة عن عدد اللاجئين الذين سيتم قبولهم في الدّول الغربية ، وإذا ما نظرنا إلى الجدول سنرى أنّه قد وضعت أعداد رمزية غير كافية على الإطلاق في الوقت الذي يعاني فيه ملايين البشر الذين تركو أوطانهم من الجوع والعطش.

 

ما هو العدد الذي تستقبله كل دولة من اللاّجئين السّوريّين ؟

ألمانيا

11.000

الولايات المتحدة الأمريكية

2.000

السويد

1.200

النرويج

1.000

انجلترا

500

فرنسا

500

المجر

10

بولونيا

4

 

أوضحت الأمم المتحدة أن هناك تسعة ملايين سوريّ على وشك الموت إذا لم يقدّم لهم الدّعم الإنساني في فترة قصيرة، ولكن المناطق الواقعة تحت الحصار لا يُسمح فيها بدخول العلاج والغذاء. ويعيش الآن في سوريا حوالي خمسة ملايين تحت خطر الموت جوعا، ولا يستطيعون الوصول إلى مياه شرب صحية، مثل أولئك  الموجودين في مخيم اللاّجئين في اليرموك في الشام، فهم لا يجدون شيئا يأكلونه منذ شهور. ولقد وصل عدد الموتي بسبب الجوع في مخيم اليرموك الخاص باللاّجئين الواقع تحت حصار قوى النظام منذ سنة إلى 100 شخص.

في الأراضي السورية يوجد 4.300.000  ينهشهم الجوع والبرد والأمراض  المعدية، وهناك 1.200.000 طفل اضظروا إلى اللجوء خارج سوريا.

الكهرباء مقطوعة منذ شهور وعمليات الأطفال الصغار المصابين في القذف تتم في الظلام على ضوء الهاتف وكلهم بدون مسكن أو مأوى ، ولقد مات منذ بداية الحرب حتى اليوم 120.000 شخص.

 

إنّ فاليرا أموس مساعد الأمين العام المسئول عن الشؤون الإنسانية بالأمم المتّحدة ومدير المواقف الحرجة  قد اعترف قائلا: إن الأمم المتحدة غير قادرة في المنطقة " فلم يتم التمكّن من الوصول إلى 250.000 شخص يعيشون في المنطقة المحاصرة، وهناك 2.500.000 شخص يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها  ويمكن توصيل عدد قليل من المُساعدات ".

 

اللاجئون الآخرون :

لقد ذكرنا فيما سبق القسم الخاص باللاجئين السوريين فحسب، والآن نطالع معا ما هو الوضع في باقي بقاع الأرض،  وطبقا لتقرير منظمة اللاّجئين بالأمم المتحدة  فإن عدد البشر الذين اضطروا للهجرة من أماكنهم قد وصل إلى أرقام عالية جدا.

وطبقا للتقرير فقد وصل عدد الذين اضطروا إلى الفرار من منازلهم في النصف الأول من عام 2012 إلى 5.900.000 شخص، وفي نهاية هذا العام وصل العدد إلى 7.600.000 شخص،  وأكبر عدد يأتي من سُوريا.

 

   وطبقا للتقرير النصف السنوي لعام 2013 الخاص بمفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة فقد حدثت زيادة حادة في بعض المجالات:

   كان من ضمن هذه الساحات زيادة في عدد اللاجئين، ففي النصف الأول من عام 2013 م  وصل عدد اللاّجئين إلى 1.5 مليون، ولكنه طوال عام 2012 كان 1.1 مليون.

 

   وهناك موضوع آخر، فإنّ أعداد البشر الذين اضطروا للخروج من بلادهم كان عددهم 4 مليون، وقد وصل إلى 6.5 مليون في  2012م

 

   إلى جانب ذلك هناك 450.000 شخص طلبوا حقّ اللجوء، وهذا الرقم يساوي الرقم الموجود في العام الماضي.

 

   ولقد صنف التقرير أسوء فترة من ناحية اللجوء في العصر الحديث، وهي النصف الأول من عام 2013 ، ولقد وصل عدد الذين أبعدوا عن ديارهم في نهاية 2012 إلى 45.2 مليون نسمة، وهذا الرّقم أكبر الأرقام التى ظهرت منذ بداية التّسعينيات.

 

   في سنة 2012م  زاد عدد اللاّجئين البالغ 11.1 مليون  نسمة ما قدره 600.000 نسمة.

 

   وفي الدول التى تهتم بها  مفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة وصل عدد الذين أبعدوا من ديارهم

في نهاية 2012م من 17.7 مليون إلى 20,8 مليون نسمة.

 

ومن جانب آخر فإنّه خلال الستّة أشهر الأولى من عام 2013 م تم تسكين 33,700 في الدّولة الثالثة، وتمّ تسكين 189.300 في بلادهم، وفي الدّول المُجاورة لبلادهم. وقد رجع 688.000 إلى منازلهم .

 

أما وحدة إحصائيات مركز فلسطين  فقد نشرت تقريرا في اليوم العالمي للاّجئيين في 20 يونيو، وطبقا لهذا التقرير فإنّه يعيش في وضع اللاّجئين  5.3 مليون فلسطيني في الضفة الغربية وغزة والقدس والدول المجاورة  اعتبارًا من يناير  سنة 2013م ، وطبقا لسجلاّت منظمة تعاون اللاّجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة  فيوجد 17 % في الضّفة الغربية و24% في غزة .

إلى جانب هذا ذُكر في التّقرير أنه في سنة 1948م التى تأسست فيها إسرائيل أجبر نحو 957 ألف، أي ما يعادل 66% من السّكان على الهجرة  وذكرت بالمأساة المحزنة .

 

وبالرغم من أن هذه الزيادة الكبيرة في عدد اللاجئين تحتاج إلى دعم إنساني كبير فإن الولايات المتحدة الأمريكية تنتهج سياسة اللامبالاة وكأن شيئا لم يكن، والآن لنعرض عليكم السّبب في سلوك الولايات المتحدة بهذا الشّكل حيال اللاجئين في قسم "ما وراء السّتار".

 

ما وراء الستار

تتمثل العناوين الكبرى في هذا القسم كما يلي:

·      لماذا لا ترغب أمريكا في قبول اللاّجئين

·      اتفاقية إعادة القبول

·      سياسة الردّ

 

لماذ لا ترغب أمريكا في قبول اللاّجئين؟

أعدت منظمة العفو الدّولية تقريرًا يتعلّق بالسياسة التى اتبعتها أوروبّا في موضوع اللاّجئين السّوريّين، وفي هذا التقرير أعلن سليل شتّي السّكرتير العام لمنظمة العفو الدّولية ما يلي: "لقد فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في عمل ما يجب عليها حيال توفير ملجئ آمن للاّجئين، ويجب عليهم أن يحنوا رؤوسهم من الخجل أمام كلّ رؤوساء أوربا المهتمين بالأمر، يجب على الاتّحاد الأوربي أن يفتح حدوده ويحقق ممرًّا آمنا لهم وعليهم أن يوثقوا انتهاكات حقوق الإنسان، هذا الأمر محزنٌ للغاية".

هناك عشرات الآلاف يسعون للحصول على الأمن والحماية في أوروبا خرجوا في رحلات صعبة بالطرق البحرية أو البرّية وعرّضوا حياتهم للخطر. وطبقا لبحوث منظمة العفو يجب عليهم عبور الحواجز الأوربية الكبرى، وأغلبهم يتم صدهم بالقوة من قبل الشّرطة وخفر السّواحل، أو يتم القبض عليهم لأسابيع في ظروف مؤلمة.  وفي كل عام يموت آلاف الأشخاص  أثناء  محاولة عبور البحر الأبيض، في  شهر أكتوبر غرقت ثلاثة سفن  قادمة من شمال أفريقيا إلى أوربا عند محاولة عبور البحر الأبيض. ويعتقد أن عدد القتلى من اللاّجئين والمهاجرين قد بلغ 650 شخصا.

وفي الشهور العشرة الأولى من هذه السنة وصل إلى سواحل  إيطاليا ما يزيد على 10.000 من اللاّجئين السّوريين. وتُطبق عمليّة  الردّ والإعادة على اللاّجئين الذين يسعون لدخول أوروبّا بالسّفن، وقد تكون هذه العمليات غير إنسانيّة بالمرّة .

 وعلى سبيل المثال فطبقا لما ورد في التقرير على لسان لاجئ عن الموظفين اليُونانيين " لقد جعلوا كل الرّجال في السفينة يرقدون على وجوهم وداسوا علينا بأقدامهم وظلّوا يضربوننا بأسلحتهم ثلاثة ساعات متواصلة،  وبعد ذلك في حوالي الساعة العاشرة صباحا وضعونا في قارب بلاستيكي بعدما نزعوا منه المحرّك وأخذونا إلى المياه التركيّة وتركونا هناك ".

وطبقا للتقرير فإنّ جميع دول أوربا قد استقبلت نحو 12.000 لاجئ، وفتحت أبوابها لـ 0.5 %  من اللاجئيين السّوريين الذين يبلغ عددهم 2.3 مليون، والأمر المثير في هذا  الأمر أنه عند طرح الـ  10.000 الذين أعطتهم ألمانيا حق اللجوء من هذا العدد  يكون العدد الذي استقبلته 27 دولة تابعة للاتحاد الأوربي  2340 لاجئا فقط. 

وفي التقرير الذي أعدته منظمة العفو الأوربية " أوربّا القلعة الكبري: أخجلها اللاّجئ السّوري"، وردت أجزاء صادمة فيه كما يلي: " خصصت فرنسا حصة قدرها 500 للاّجئين السّوريين، كما خصّصت أسبانيا حق اللجوء لثلاثين لاجئ فلسطينيّ،  أما الـ18 المتبقية التابعة للاتّحاد الأوربي بما في ذلك بريطانيا وإيطاليا فلم تقبل حق اللجوء لأحد. وحتى هذا اليوم وصل إلى أوروبا 55.000 لاجئ ونجحوا في تقديم طلبات اللّجوء،  ولكن هذا الرّقم يعادل 2.4 % من عدد اللاّجئين الجملي.

وهناك نقد آخر ورد في تقرير منظمة العفو الدولية وهو أنّ  الاتحاد الأوربي أخذ جائزة نوبل للسلام  رغم انتهاكات حقوق الانسان  التى قام بها تجاه اللاجئين في أوروبا،  ومن خلال السياسات التي يتم تطبيقها على الحدود.

ولقد أوضح تيوربجُورن جاكلند رئيس لجنة نوبل أن الاتحاد الأوربي يستحق جائزة نوبل  بسبب مساهماته في حقوق الانسان والدّيموقراطية والسّلام خلال ستين عاما.

ومن الواضح أن أوروبا التى تدافع عن حقوق الإنسان والسلام والديموقراطية تتجنب توفير الفرصة في الحياة الحرة والآمنة لهؤلاء البشر الذين لم يجدوا الحق في العيش في بلادهم ، ولماذا يكون الاتحاد الأوربي عديم الإحساس بهذا الشكل أماه هذه المآسي الإنسانية ؟ ولماذا يدير ظهره للبشر الذين جاوا طلبا للّجوء من أجل العيش ، لماذا يخافون؟

إن أهم سبب في زيادة هذا الخوف هو عدم وجود الإسلام بالصّورة الحقيقية في العديد من دول الشرق الأوسط ، فالدين الإسلامي في الحقيقة سيريح المجتمعات الأوربية، وهو يتضمن مفهومًا متطورًا للغاية في موضوع الدّيموقراطية والحريات ، ولكن بعض الجماعات التى تطبق الإسلام بمفهوم متعصب متشدّد بعيد عن روح الإسلام  قدموا الإسلام على أنّه دين متعصب متشدد يعارض الجمال والفن.

ولهذا السّبب يعتقد البعض أنّ الإسلام منع الحرّيات وحرم الفنون مثل المُوسيقى والنّحت والرّسم والمسرح، ويمنع أسلوب العيش بطريقة ديموقراطيّة، ولهذا هناك تعارض بين  أوروبا التى  ترى نفسها قائدة في الفن والديموقراطية وبين  هذا المفهوم الخاطئ للإسلام الذي قُدّم إليهم، و هذا الأمر يزيد من خوفهم من الإسلام.

 

إن إزالة هذه المخاوف بيد المسلمين، ويجب على المسلمين التخلي عن التعصّب والتشدّد الذي ليس من الإسلام في شيء، وعليهم أن يعيشوا روح الإسلام. وبذلك يمكننا أن نكسر الصورة المرسومة خطأ عن الإسلام في أوروبا. فإذا ما صار المسلمون متطورين مثقفين  ذوي قيمة عالية ومتعلمين يعطون أهمّية للجمال والفن  فسوف يزول الخوف الذي تشعر به أوروبا.

 

لكن على أية حال، لا يمكننا أن نغض الطرف عن اللامبالاة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية، وإدراتها ظهرها لكل ما يحدث حولها من مآس، إن ما تفعله يعد انتهاكا للحقوق الإنسان، وإذا كانت تزعم فعلا أنها تدافع عن حقوق الإنسان فعليها التصرّف طبقا لما يمليه الضمير والقانون.

 

اتفاقية إعادة القبول :

طوال فترة طويلة تم التصرف في الاتجاه المعاكس لحقوق الإنسان، فقد وضعوا العراقيل لمنع اللاّجئين المعرضة حياتهم للخطر من اللّجوء إلى بلادهم ، ومن هذه العراقيل اتفاقية إعادة القبول؛ فالولايات المتحدة الأمريكية بهذه الاتفاقية ترد المهاجرين القادمين إليها بصورة غير شرعية إلى بلادهم التى جاؤوا منها، ومن أحدث الأمثلة في هذه الأيام اتفاقية إعادة القبول الموقعة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية في 16 ديسمبر 2013 م .

 

وعند تقييم هذه الاتفاقيات التى وُقعت بهدف السيطرة على الحدود من وجهة نظر حقوقية فإن ذلك يعد سعيًا من بعض الدّول لتحميل مسئوليتها إلى دول أخرى، وهو فعل سيؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان بصورة كبيرة جدّا.

 

والهدف من هذه الاتفاقية هو تنظيم إرسال الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط للعيش في بلادهم والذين عدموا تلك الظروف إلى دولة ثالثة أو إلى دولتهم الأصليّة وعلى سبيل المثال :

·      لو دخل أحد بدون جواز سفر أو تأشيرة بصورة غير شرعية إلى الدّولة،

·      أو دخل بصورة شرعيّة وانتهى الإذن الخاص بإقامته يتم ترحيل هؤلاء الأشخاص إلى بلدانهم.

 

بالطبع إن لكلّ دولة الحقّ في السّيطرة على حدودها وتحقيق أمنها وتحديد من يدخل إليها ومن يخرج منها ، فلا يوجد من يعارض هذا الأمر ، ولكن يجب ألا يكون هذا الحق مطلقا بدون حد أو شرط، فيجب أن يحد هذه الحق بحقوق الانسان. ولهذا السبب فإن عبور حدود الدّولة البرّية أو البحرية أو الجويّة والدّخول إلى دولة أخرى أمر مرتبط بالقوانين الدّولية، وإلا سيعتبر كل من عبر الحُدود " مُهاجرا غير شرعيّ"، وإنّ النفي خارج الحدود قد لا يكون تصرّفا قانونيّا صحيحا في كلّ الأحوال لأن هذا الشّخص قد يكون لاجئا أو ضحيّة تجارة البشر.

 

والحقيقة أنّ أغلب البشر موضوع اتفاقية إعادة القبول يعتقدون أنّهم سيجدون الحماية الانسانية هناك، ولهذا السبب يخاطرون بالتعرض للموت أثناء رحلتهم  للحصول على الأمن، ولكنه تم إرجاعهم إلى بلادهم دون السماع إلى شكواهم . مع الأسف فإن الدول التي يذهبون إليها تعتبرهم حملا عليهم ، ويريدون التخلص منهم على الفور، وإن هذه القرارات السريعة تكون سببا في انتهاك حقوق الإنسان بصورة خطيرة .

 

سياسة الرّد:

وهناك طرق أخرى تتبعها أوروبا  لمنع  اللاّجئين والمُهاجرين من الدّخول إلى بلادهم وهذا التطيبق هو "سياسة الرد " ، وتحتوي هذه السياسة الإبعاد خارج الحدود لمجموعة من الأشخاص دون النظر إلى ظروفهم الخاصة، والقيام بهذا الأمر مخالف تماما للقانون ، ويضع حياة كل البشر وحتى الأطفال في خطر عظيم.

 

وأوروبا تتهرب من  مسئوليتها الإنسانية ليس في " اتفاقية إعادة القبول " أو " سياسة الرد"  فحسب بل في العديد من التطبيقات والقوانين، ومنها على سبيل المثال الجدران المبنية على الحدود والأسلاك الشائكة والألغام الموضوعة على الحدود، وسجن المقبوض عليهم بصورة مخالفة للقانون لمدة طويلة ومنع الأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية من الوصول إلى وضع لاجئ.

 

إلى هنا ينتهى برنامجنا على أمل اللقاء بكم في في الحلقة القادمة.

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/221365/وجهة-نظر-مشكلة-اللاجئين-http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/221365/وجهة-نظر-مشكلة-اللاجئين-http://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_05.jpgTue, 17 May 2016 16:36:10 +0300
وجهة نظر- أَرَكان مســـــاء الخير

 

أهلا بكم في برنامجنا الجديد "وجهة نظـــر"

"وجهة نظر" برنامج نتناول فيه المستجدات والأحداث المهمة التي تشغل واقعنا الحالي وعرضها بطريقة مفصلة في صور ومشاهد وإحصائيات،  

هدفنا في هذا البرنامج عرض الأحداث السّياسية والاجتماعية الهامة التي تحدث في عالمنا في فترة آخر الزّمان،   وتسليط الضوء على التطورات العلميّة وتفسيرها بشكل صحيح على ضوء الأحاديث الواردة بشأن آخر الزمان.

موضوع حلقتنا الأولى "أرَكَان"، وهو اسمها القديم،  و واسمها الجديد هو "بورما" .و ولاية أركان تابعة لميانمار، وفي هذه الحلقة سنسلط الضوء على الظلم الذي يتعرض له المسلمون هناك .

نبدأ بفتح ملف أركان في برنامج وجهة نظــر ،

وفي حلقة هذا المساء نعرض باختصار العناوين الرئيسة للبرنامج؛

في البداية نقدم معلومات عن الدّولة أي الخلفيّة التّاريخية ، والميزات التي تتمتع بها ومعلومات حول تاريخيها. كما نقدم تقريراعن الوضع الرّاهن وما تعيشه أراكان من ظلم. وسنبحث في الدوافع الحقيقية وراء هذا الظلم، وطبيعة الحسابات والمخططات الكامنة خلفها. وأخيرا، وتحت عنوان "الحلول" سوف نتكلم عن السبل التي يجب اتباعها للوصول إلى حل دائم لإنهاء هذا الظلم.

 

معلومات عن الدولة:

  • الوضع الجغرافي
  • التوزّع العرقي
  • الخصائص الأخرى

 

الصورة 4

ميانمار هي أكبر دولة في منطقة الهند الصينية في جنوب شرق آسيا . اسم ميانمار هو الاسم الذي أطلقه المجلس العسكري . وهذه المنطقة كانت تعرف من قبل باسم بورما . ولاية أراكان تقع على الحدود بين بنغلادش وبورما من الشمال إلى الجنوب بمساحة 50.000 كم 2 . تحد ميانمار من الشمال الغربي الهند وبنغلادش , ومن الشمال الشرقي جمهورية الصين الشعبية  و يحدّها لاوس و تايلاند من الجنوب الشرقي .

 

الصورة 2

تشمل منطقة الهند الصينية  كلاّ من؛ ميانمار ، تايلاند، شبه جزيرة ماليزيا ، لاوس ، كمبوديا وفيتنام . وعبر التاريخ كانت تسمية الهند الصينية تطلق للتعريف بالمستعمرات الفرنسية وهي  لاوس، كمبوديا ،فيتنام.

 

3 – صورة  ( ثين سين )

تُدار ميانمار بنظام حكم رئاسي، ورئيسها الحالي هو ثين سين. ومساحة الدولة  الإجمالية 678.500كم 2 ( أي ما تعادل مساحة تركيا تقريبا ) ومعدل دخل الفرد هو في حدود 1691 دولارًا .

 

الصورة : 4( التوزيع السكاني )

التعداد السكاني لميانمار لعام 2005  هو 50.519.000 نسمة ، يتوزعون عرقيا كالتالي : 68% منهم بورمانيون و9% شان و 7% كارين و4% ركهاين و3% صينيون و2% مون و 2%هنود و5% روهينجا  ( مسلمو أركان ). وعند النظر من ناحية توزع المعتقدات الدينية نلاحظ أن ما يعادل 89% من نسبة عدد سكان بورما هم بوذيون و4% مسيحيون و 4% مسلمون و 3 % أديان مختلفة.

 

الصورة 5 : صور عبر الأقمار الصناعية لإعصار نرجس

إن الزلازل المدمرة والأعاصيروالانهيارات الأرضية و والفياضانات خلال فترة مواسم الأمطار, والجفاف الدوري كلها تعتبر من الكوارث التي تتعرض لها ميانمار من وقت إلى أخر . كان آخرها الإعصار المدمر  بتاريخ4 مايو عام 2008م  والذي تسبب في هلاك نحو 51000 شخص .

 

الخلفية التارخية:

  • الاحتلال
  • ظهور الفتن
  • المجازر

 

الاحتلال:

 

تاريخ أركان المعروف يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد . كانت تحكمها مملكة ديناودي في القرن الميلادي الأول . أما في القرن الثالث فتأسست مملكة فيسالي. وصل الإسلام إلى أراكان في القرن الثامن،  وذلك بواسطة التجار العرب .

كان  للتّجار العرب المسلمين مكانة هامة في التجارة البحرية،  فقد طوّروا العلاقات التّجارية بين جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وكذلك الشّرق الأقصى. وكذلك أسّسوا مدنًا تجاريّة صغيرة تمتدّ من أركان إلى جزيرة سومطرة ومنها إلى جاوَا.

في القرن الخامس عشر عند وصول الملك نارأميكلا إلى الحكم  اختار الإسلام وبذلك تأسست مملكة إسلامية  عام 1430 م،عندها بدأ الإسلام في الانتشار بشكل كبير، وهذه الدولة الإسلامية استمرّت 350 عاما .

ولكن في نهاية هذه الفترة تمّ احتلال أرَكان من قبل البوذيّين وإنهاء حكم الدّولة الإسلامية فيها.

خلال فترة احتلال بورما  التي بدأت في عام 1784م  تعرض السّكان الأصليّون لأرّكان من الرّوهينجا المسلمين و الرّاكهاين البوذيّين إلى أشدّ أنواع القمع والتّعذيب. حيث بدأ بعض رجال الدولة في بورما باتباع سياسات تهدف  إلى إذلال المسلمين وحتى التخلص منهم أيضا. وفي عام 1826 م مع وصول الإنكليز إلى المنطقة انتهى احتلال بورما، و بدأت مرحلة الاحتلال البريطاني لأرَكان والتي استمرت  120 سنة.

 

ظهور الفتن:

عاش مسلمو الرّوهينجا والرّاكهاين البوذيّون في سلام حتى القرن التّاسع عشر. ولكن ظهرت البذور الأولى للفتنة بينهما خلال فترة الاحتلال البريطاني. وكان حزب التّاكين الذي يهدف إلى إنهاء الاحتلال البريطاني لبلاده هو الذي حرّض الرّاكهاين البوذيين ضد الروهينجا المسلمين.

 

في عام 1937م تم فصل بورما عن الهند وأصبحت مستعمرة لوحدها  بعد أن كانت حتى هذا التاريخ  تابعةً للهند. وسيطر التّاكين على الحكم في بورما.  شرعوا في حملاتهم  التحريضيّة بالادّعاء بأنّ المسلمين يشكّلون خطرا" كبيرا" على البوذيّين وأنهم في حال عدم السّيطرة عليهم  ومنعهم  يُمكنهم أن يقضوا على البوذيّين، وبهذه الفتن أُلقيت أولى بذور الكراهية والعداوة بين الشعبين.

 

المجازر:

 

مجزرة 1942م

 

أول هجوم حقيقي ضدّ المسلمين بدأ بعد  انسحاب الإنكليز من البلاد.

بتاريخ 28 مار سنة 1942م  اُرتُكبت مجزرة جماعيّة ضدّ المسلمين في قرية شابيلي التّابعة لـ"مينبيا" .

بعد مهاجمة الراكهاين البوذيّين للمسلمين بتحريض من زعماء التّاكين تم نهب المنطقة بالكامل .

استمرت هذه الاعتداءات ما يقارب  من 40 يوما، وانتشرت في كافة أنحاء أرَكان، واستشهد خلالها نحو 100000 مسلم.

تحولت هذه الأماكن بعد الاعتداءات إلى أماكن ذات أقلّية مُسلمة، بعد أن كانت الغالبيّة المسلمة تعيش فيها. على إثر هذه المجزرة هاجر أغلب مسلمي أركَان  إلى البُلدان المجاورة مثل بنغلادش.

هذه المجازر كانت كفيلة بأن تجعل من الصّعب على هاذين الشعبين أن يواصلا العيش معًا برغم التّاريخ المشترك والموحد الذي جمعهما.

 الهجمات التي حدثت عام  1947 م

 قبل أن تُنسى آثار مجازر عام  1942 م حدث هجوم آخر ضدّ المسلمين في عام 1974م

في هذه الفترة بدأت بعض الجماعات الإسلامية  في الكفاح المسلح. وفي عام 1954 م قويت شوكة المسملين قليلا، لكن الجيش البورمي نفّذ في العام نفسه عملية عسكرية دموية ضد المسلمين أطلق عليها اسم "موسن" قضى فيها على قوّتهم وفرق شملهم.

                                                              

الانقلاب العسكري عام 1962 م:

 

مع انتهاء الحكم البريطاني عام 1948م حصلت بورما على استقلالها، ولكن مع النظام الجديد أصبح الوضع المعيشي لا يُحتمل  بالنّسبة إلى المسلمين،

ففي عام 1962 م عندما وصل إلى الحكم الجنرال الشّيوعي "نِي وِينْ" بانقلاب عسكري , سخّر كلّ إمكانيّات الدولة للقضاء على المسلمين،

كان برنا مج الحزب الاشتراكي الذي تم إعداده يَهدف إلى سلخ المسلمين عن دينهم وانتهاج مُختلف السّبل  في سبيل تحقيق هذا الهدف ،

وبهذا تم حرمان المسلين من حقوقهم السّياسية،  وتم إغلاق المراكز الدّينية مثل الجوامع و دُور التّعليم الإسلامية.

كما وقع تحويل المساجد إلى ملاهي إو إلى معابد للبوذيّين.

و مُنع المسلمون من أداء عباداتهم مثل الحج  و ذبح الأضاحي وكذلك الصّلاة الجماعية وغيرها.

هذه الممارسات القمعية ضد المسلمين أجبرت الكثير منهم على ترك البلاد، ولكن رغم هجرتهم فإن الغالبية المسلمة مازالت تشكل الأكثرية في منطقة أرَكان.

ثم بدأ نظام حكم الجنرال "نِي وين" في زيادة الضغط على المسلمين من خلال تطبيق أنواع من التعذيب والاعتقالات العشوائية.

 ونتيجة لهذه الإجراءات التّعسفية اضطرّ نحو  مليون مسلم إلى مغادرة بورما ، ورفضت حكومة بورما لسنوات طويلة السّماح للصّحفيين الأجانب بالدخول، كما منعت حتى السياح من زيارة البلاد  بهدف إخفاء هذه الأعمال الوحشية.

وحسب تقارير منظمات حقوق الانسان, قُتل 20000 من مسلمي أرَكان في ظل هذا النظام المتعسّف خلال السّنوات الممتدة من 1962 إلى 1984م.

كما تم الاعتداء على المئات من النّساء ونهب ممتلكات المسلمين.  واستخدمت الدّولة وسائل الإعلام بغرض نشر معلومات كاذبة ومزوّرة عن الدين الإسلامي .

 

عملية الملك درغون

في شهر مارس من عام 1978 م  شنّ الجيش حملة الملك درغون ضدّ المسلمين بهدف تخويفهم وإبعادهم من أرَكان. وبدأت العملية في أكبر قرية مسلمة في  "أكْياب" وامتدت في فترة قصيرة إلى كافة أنحاء أرَكان.

هذه الحملة دفعت  ما يقارب الـ 200000 مسلم للنّزوح إلى بنغلادش في ظل ظروف غاية في القساوة. وفي عام 1979 م عادوا إلى وطنهم تحت حماية الأمم المتحدة.

تعاقبت عدة حكومات عسكرية ومدنية بعد استقالة "ني وين" عام 1988 م.

وخلال هذه الفترة قُتل أكثر من 3000 شخص خلال النتفاضات التي وقعت. ولم تخف أبدًا حدة هذه الممارسات الوحشية بل زادت وأصبحت أكثر ضراوة.

في شهر يناير من عام 1992  تم الكشف عن موت 700 شخص من الأقلية المسلمة التى تعيش في بورما غرقًا بالقرب من حدود بنغلادش. وكذلك تم الحكم بالإعدام التعسفي على ما يزيد على 1000 مسلم  في عام 1994م .

 

تقرير حول الوضع الرّاهن:

 

  • موقف الحكومة الحاليّة
  • الحياة في أرَكان
  • الإخلال بالحقوق
  • قضية اللاّجئين
  • أحداث يونيو 2012 م

 

موقف الحكومة الحالية :

 

أسفرت نتيجة الانتخابات التي أجريت في ميانمار عام 2011 م عن وصول نظام للحكم أكثر مدنية من ذي قبل،  

بالرغم من الاصلاحات التي أدخلها الجنرال القديم رئيس الدّولة الحالي "ثِينْ سِينْ" من أجل إبعاد الدولة عن  النظام العسكري الذي استمر قرابة نصف قرن، فإنه لم يفلح في وقف الصراع في ميانمار بشكل كامل.

كانت ميانمار محط أنظار العالم مرة أخرى من خلال الاشتباكات التي وقعت هناك في يناير من عام 2012م،

ما فعلته الحكومة  هو أنها استبدلت فقط البدلات العسكرية الخضراء باللّباس المدني،  وهي في الواقع ما تزال على النهج الاستبداي والدكتاتوري نفسه ، فالجنرالات هم من يتحكمون في زمام أمور السّلطة  من وراء الستار، وهم يعتقدون أنّ الاصلاحات قد زادت عن حدها.

ما قاله رئيس الدولة ثِينْ سينْ كان مؤشّرًا "حقيقيا"على أن  الحكومة التي تزعم أنها مدنيّة  لم تغير بعدُ موقفها إزاء المسلمين في ميانمار.  فقد جاء في تصريح للرئيس سِينْ : "إنّ مهمة الأمم المتحدة الأولى تُجاه المسلمين هي أن تجمعهم في مخيّمات للاّجئين وإرسالهم إلى دول أخرى".

 

الحياة في أرَكانْ:

 

المشكلة الأساسية التي يعيشها المسلمون العُزّل في أرَكان تكمُن في عدم قدرتهم على التّواصل مع العالم الخارجي، وبالتّالي عدم قدرتهم على نقل الأحداث الوحشيّة التي يتعرضون لها.  

منعت الحكومة الدّخول إلى الدّولة برّا, وحتى من يتمكّن من الوُصول إليها عن طريق الجوّ من الأَجانب فإنّه يتم منعهم من الدّخول إلى العديد من المناطق،

في أرَكان لا تُوجد وسائل إعلام مستقلة، توجد وسيلة واحدة فقط تابعة للحكومة  تبث الأخبار الصادرة عنها فقط.  

في الحقيقة ، من الصّعب جدّا نقل مظاهر الظلم التي يتعرض لها المسلمون في أرَكان على أرض الواقع، ولكن  في الآونة الأخيرة بدأت تصل صور ومشاهد حول حقيقة ما يحدث في أرَكان عبر وسائل التّواصل الاجتماعي.

في ميانمار يبدأ القتل ليلا، ولهذا لا يخرج المسلمون إلى الشّارع في ذلك الوقت، وحركة 969 النّازية الجديدة  التي يؤيدها المجلس العسكري تستخدم أشخاصا في هيئة رهبان بوذيّين لكي يضعوا إشارات على البيوت ليلا.

هذه الاعتداءات التي استمرّت حتى وقتنا الحاضر تسبّبت في حرق الجوامع و البيوت، ثم تم فيما بعد إنشاء معابد للبوذيين مكانها.

إن مسلمي أرَكان لم يعودوا يضْمنون سلامة أرواحهم وممتلكاتهم، وهم يحاولون الوصول إلى الدّول المجاورة برغم كل الصّعاب وحتى خطر الموت في الزّوارق. ولكنّ هؤلاء المسلمين الذين يحاولون الهرب من ميانمار لا تَستقبلهم  بنغلادش، ولا تايلاند ولا أندونيسيا كلاجئين، ولا تفتح لهم أبوابها.

و الأكثر من هذا أن المسلمين الذين يحاولون الهروب من الظلم في ميانمار يتعرضون لأخطار أخرى في هذه الدول،  فالسّفن التي تصل إلى أندونيسيا وتايلاند وبنغلادش تنتشر فيها أعمال النّهب، ويتمّ بيعهم بالقوة لتجار البشر أو تشغيلهم كعمال  بدون أجر. وهذه بعض من المخاطر المنتظرة للّذين يبقون على قيد الحياة.

 

الإخلال بالحقوق:

 

  • اعتقالات غير قانونية، التعذيب والمعاملة السّيئة
  • التمييز الدّيني والعنصري، التّجريد من الجنسيّة
  • إبعاد المسلمين عن مناطقهم،
  • حظر السّفر
  • حظر الزّواج،
  • تدمير التّراث الثقافيّ،

 

فالوضع الذي تعيشه ميانمار يشغل حيّزاً واسعًا من تقارير حقوق الإنسان التي تعلن سنويّا، ولكن لسبب مّا يتم تجاهل هذه التقارير من قبل الدّول الغربية.

 

تعود جذور هذا التّمييز العنصري  والدّيني إلى البريطانيين أكثر من البورميّين، فعندما كانت الدّولة مستعمرة بريطانية تمّ إسكان المسلمين في المناطق السّاحلية ليعملوا في مجال الزراعة، ولكّن المسلمين الذين ما زالوا يعيشون في هذه المنطقة حتى وقتنا الحاضر يحملون صفة المهاجرين لدى حكومة ميانمار.

 

أغلبية شعب الروهينجا المسلم تتركز في الغرب من ميانمار, وهم يعيشون في راخينْ بالقُرب من حدود بنغلادش، ولكنّهم لا يُعتبرون من مواطني ميانمار لأنّ الدّولة لم تصنّفهم من بين الـــ135 نوعا من الأقليات العرقيّة التي اعترفت بها رسميّا في دستورها عام 1982م، ولهذا فإنّهم مازالوا معرّضين للتّمييز العنصريّ.

 

في انقلاب عام 1962م أصبحت المؤسسات الخاصة والمصارف ملكا للدّولة, وتم سحب القوة الاقتصادية من يد المسلمين، وبعد ذلك استبدل المجلس العسكري المسلمين الذين يشغلون المناصب السياسيّة في الدولة ووضع البوذيين مكانهم.

 

في هذه الفترة بدأت كذلك الاعتقالات التّعسفية ضدّ أهمّ الرّواد المسلمين في المجتمع، ويتمّ اعتقالهم ليلا من منازلهم بدون أيّ سابق إنذار، ويتعرّضون لشتّى أنواع التّعذيب.

لم يكن لشعب الرّوهينجا المسلم بطاقات شخصية لأن أفراده لا يُعتبرون مواطنين داخل الدّولة, بل يَنظر إليهم شعب بورما على أنهم لاجئين بنغاليّين, كما أنّ بنغلادش لا تعترف بهم على أنهم رعاياها.

وهم لا يتمتّعون بشيء من الحقوق الاجتماعيّة الأساسيّة كالتّعليم والصّحة, ولا يستطيعون دخول المستشفيات، ولا يمكن أن يكُونوا أصحاب ممتلكات كالأراضي وغيرها ...

ولا يمكنهم إنشاء بيوت من الاسمنت، ولذلك يعيشون في بيوت من الخيزران أو الخشب، وهي معرّضة لخطر الحريق في أي وقت،  

كما لا يمكنُهم العمل في دوائر الحُكومة, ولا يمكنهم كذلك تأسيس أيّ حزب سياسيّ، ولا حتّى جمعيات، ويُمنع عليهم توقيع عقد عمل بدون أن يكون ذلك في نطاق شراكة مع بوذي.

شعب الرّوهينجا محروم من التّنقل، ولا يمكنه التجوّل بين المدن أيضا, ولا يمكنُ لأفراده حيازة درّاجات ناريّة. إنّ الضّغط على المسلمين كبير لدرجة أنه لا يمكنهم شراء بعض الحاجات إلاّ بشكل محدود جدّا (منها وحدات الهاتف النقال مثلا).

إن المسلمين هنا مقيّدون في موضوع الزّواج كذلك، كما تم تقييد عدد الأطفال بـ 2 لكل أسرة، وهذا مطبق فقط على المسلمين في بورما،

وهم لا يتمتّعون بشيء من الحقوق الاجتماعية الأساسية كالتّعليم والصّحة، ولذلك فنسبة الأمّية بينهم تصل إلى  80% . ****************

 

في غرب ميانمار هنالك نحو 40000 من الروهينجا الاطفال الذين لم يتقيد ابائهم بشروط الحكومة في عقود الزواج اوزاد عدد الاطفال عن 2 , هؤلاء الاطفال منعوا من حقوق التنقل والذهاب الى المدرسة وحتى من الزواج فيما بعد .هؤلاء الاطفال هم في القائمة السوداء لا يمكنهم الحصول على  شهادة ميلاد . ولهذا اسماؤهم لا توجد في سجلات العائلة ويتم اخفاؤهم عند التعداد السكاني .

عندما توجه تهمة الى مسلم ليس لديه الحق في الدفاع عن نفسه وانما يلقى مباشرة في السحن . وكذلك يمكن للشرطة او الامن مداهمة منزل مسلم واتهامه باي تهمة كانت .

لا يملك المسلمون جوازات سفر . عند رغبتهم السفر الى بنغلادش تنظم لهم وثائق سفر ولكن في بعض الاحيان هذه الوثائق لا يتم قبولها عند عودتهم وبالتالي لا يستطيع هؤلاء العودة الى وطنهم .

 

مسألة اللاجئين

دفع هذا الظلم والقمع الذي يتعرض له المسلمون في اراكان للعيش كلاجئيين خارج حدود ميانمار .

عدد اللاجئيين :

200000 في الباكستان – 500000 في السعودية  - 10000 في ماليزيا . اللاجئيين من اراكان وغيرها من الدول الى ماليزيا لا يتمتعوا بهذه الصفة وانما تعتبرهم  وتعاملهم ماليزيا على انهم مهاجرون غير شرعييون علما" أن ماليزيا لم توقع اتفاقية جنيف التي تحدد اوضاع اللاجئيين  .

في بنغلادش وفق الارقام الرسمية يوجد 22000  لاجئ بينما في الارقام الغير رسمية هنالك حوالي 200000 – 300000 لاجئ .

حتى يومنا هذا مازال المسلمون يهربون الى بنغلادش ولكن لا يستقبلون في المخيمات هنالك .

ويتم اجبارهم  على العودة . من المعروف ان هنالك اكثر من 100000 من اللاجئيين الذين يحاولون العيش في الغابات والقرى 

 

احداث يونيو 2012

 

بدات الاحداث وانتشرت الى كافة ارجاء اراكان عندما هاجم اشخاص على هيئة بوذيين  لعشرة مسلمين اثناء تنقلهم بالحافلة الى قرية تاونغوب في 3 من يونيو عام  2012 ,

اجتمع المسلمون في جامع بمدينة موانغداو بهدف  الاحتجاج على هذا الوضع  وتعرضوا عندها للهجوم من قبل الشرطة

الشرطة في بورما وصفت هذا الحدث على انه ثورة وامرت  بمعاقبة المسلمين .وعندها بدات بمداهمة القرى المسلمة . تم حرق ما يقارب نحو  300 قرية بحجة انها تاوي المتهميين . اضطر المسلمون للعيش في الغابات بعد أن هجرّوا من قُراهم  .

 

المسلمون الذين هربوا من اعمال العنف هذه الى بنغلادش وعبروا نهر الناف والمحيط الهندي بالزوارق كان مصير المئات منهم الموت غرقا" لعدم قبول حكومة بنغلادش لللاجئين  كونها هي الاخرى  تصارع البؤس والفقر  .

 

خلف الستار

  • من المسئول الحقيقي عن العنف ؟
  • هل يوجد في البوذية مكانة للعنف ؟  ؟
  • التحويل الى بوذية هل يمكنه ان يكون تفسير ا"موضحا"؟
  • ماهي الاهمية الاستراتيجية من موقع اراكان ؟

 

يمكننا القول ان هناك اكثر من عامل وراء هذا العنف ضد المسلمين  .العامل الاكثر اهمية هنا والذي يتكلمون كثيرا" حوله هو مسئولية البوذيين عن هذا العنف . ولكن هنالك بعض النقاط الهامة تم التغاضي عنها حول صحة وموضوعية هذا الادعاء . الان سنرى ماهي هذه النقاط التي تغاضي عنها ونتكلم عن اجوبة الاسئلة المطروحة .

 

المرتع الاساس لهذا الظلم :

 

في البداية اريد ان اقول ان محاولة  اظهار البوذيين كسبب في هذا الظلم ليس الا جزء مما يريدون اظهاره حول حقيقة ما يحدث في اراكان  .كما ذكرنا في قسم الخلفية التاريخية  ان وراء هذه العدائية المزعومة تكتلات  فاشية عرقية .

كما ذكرنا من قبل ان المسلمين والبوذيين كانا يعيشان في سلام على هذه الجغرافيا .

منذ  القرن التاسع عشر والى وقتنا هذا  استمرت حملاتهم التحريضية   ( بان المسلمون يشكلون خطرا" كبيرا" على البوذيين وانهم في حال عدم السيطرة عليهم  ومنعهم  يمكنهم أن يقضوا على البوذيين  ) بهذه الفتن بدات العدائية بين البوذيين والمسلمين .

من هو صاحب الحملات التحريضية ؟ من الذي يريد ان يدمر السلام ؟

جواب هذا السؤال هو عصابات المافيا التي تتحرك وفق ايدولوجيات داروينية عنصرية .

عصابات المافيا التي تطبق هذا العنف , تساندها في ذلك حكومة ميانمار والجنرالات ذوي النزعة العنصرية وحكومة الصين الشيوعية . هذه العصابات طورت فلسفتها  العنصرية و اسسها على ايديولوجية  الداروينية  المنحرفة  التي تهدف الى اشعال فتيل الاشتباكات وتثبيت فكرة ( القوي هو الذي سيعيش ) هذه الايديولوجية التي دخلت الى ميانمار في فترة الاستعمار الانكليزي  .

تعتبر حركة 969  النازية الجديدة من اكثرها شيوعا" في ميانمار , تقوم على حرق بيوت وجوامع المسلمين ويحاولون تطهير البلاد منهم باستخدام وسائل هتلر .

في اعتقاد اصحاب هذه الحركة  ان اصحاب البشرة ذات اللون الفاتح هم اكثرا" اعتبارا" من اصحاب البشرة الداكنة في الشرق الاقصى ودول الجنوب الشرقي و آسيا   , يجمعون جاليتهم با قاويل كاذبة حول ان المسلمين هم السبب في فقر الشعب .

 

هل العنف موجود في الطائفة البوذية ؟

ان التعاليم البوذية رغم التغيرات التي طرأت عيلها فيما بعد فهي  في الاصل تعود جذورها الى دين حق , لا يوجد فيها مكانه للعنف العدائية لا تتناسب مع تعاليمها ابدا" . لدى البوذية الانسان يتامل ويتفكر ويتعلم كيف يشفق على من هو مختلف عنه . ومن التعاليم الاخلاقية الاولية التي يدرسها الرهبان البوذيين هي ( عدم القتل )  .

وبهذا تختفي مصداقية الادعاءات الوادرة بشأن ظلمهم للمسلمين .  هذه الاشتباكات بين البوذيين والمسلمين ليست الا عبارة عن تحريضات يقوم بها الحكم العسكري الممزوج بهذه الدولة 

حتى الرهبان البوذيين يتعرضون للظلم . بعض الرهبان الذين يخالفون الحكم العسكري يتعرضون للعنف . رغم  ان ميانمار دولة بوذية وتحاول نشر الطائفة البوذية  الا انها تضغط على الرهبان ايضا"  .

غير انه ارتداء ملابس البوذيين والقيام بأعمال عنف لا تدل على انهم هم بالفعل بوذيين .

بما ان البوذيين المؤمنون ليسوا عدائيين فإنه من غير الصواب رد العنف الى  هؤلاء البوذيون المتعصبون .

بالتالي هنا نتكلم عن اناس هم تحت تاثير ايديولوجية فاشية وعنصرية  . محاولة اظهار البوذيين على انهم السبب في هذه الاشتتباكات  وقولهم بان سبب النزاع هو ديني عنصري ليس الا محاولة لاخفاء الحقيقة .

هل القول بفكرة نشر البوذية هو تفسيرٌ كاف  ؟

فكرة ان اساس الظلم الذي يعانى منه المسلمين تكمن  في  الرغبة بنشر البوذية في المنطقة  يمكن ان يكون هذا فيه شئ من الصحة ولكنه لا يعد بمفرده التفسير الوحيد للمشكلة . لانني كما ذكرت قبل قليل فإن الرهبان البوذيين يتعرضون ايضا" للضغط والعنف .

هنالك نقطة مهمة هي ان المسلمون ليسوا هم فقط المضطهدين جراء هذا الظلم . انما هنالك المسيحيون الذين يعيشون في المناطق النائية هم ايضا" يواجهون صعوبات في اجراء طقوسهم الدينية  والعيش كذلك وفق معتقداتهم الدينية .

ما اهمية  موقع اراكان استراتيجيا" ؟

ميانمار موقعها الجغرافي يجعلها تتحكم في الطرق البحرية الاستراتيجية في المحيط الهندي و خليج البنغال .

هذه الطرق البحرية ذو اهمية كبيرة بالنسبة لكل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية .

بالاضافة الى ما تملكه من البترول والغاز الطبيعي والمعادن الثمينة , فإنها تقع ايضا" في نقطة استراتيجية بين الصين والهند .

ولهذا تعد ميانمار ذات اهمية كبيرة بالنسبة لهذه الدول لتواجد حقول البترول والغاز فيها .

في عام 2004  في شمال ميانمار حيث اراضي المسلمين عثر على احتياطي  يعادل 1 تريليون و 2 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي وما يعادل  2 مليار و1 مليون برميل من البترول.

 

  في الاشهر الماضية اعلنت شركة  النفط الوطني في الصين عن بدء تفعيل خط الغاز الطبيعي بين ميانمار و الصين   . خط الغاز الطبيعي هذا الذي يبلغ طوله 2500كم  , يعبر  793 كم منه من بين اماكن توضع المسلمين  في  ميانار ليصل الى الصين .                                     

لهذا المشروع اهمية كبيرة  وتهدف الصين باستخدام هذا الخط كونها تراه آمنا" أكثر من خط  مضيق ملقة .

حين بدأ انشاء هذا الخط  منذ حوالي السنتين لم تقف المجاز ضد المسلمين ابدا" .كما لم تتوقف حملات التطهير العرقي في المناطق المسلمة المجاورة لهذا الخط  .

لهذا استقبل بايجابية  تهجير المسلمين من اراكان لان وجودهم يشكل تهديد على استقرار المنطقة ورغبة منهم في حماية وامان الطاقة الصينية .

في الحقيقة ان اصل المعاناة التي يعيشها المسلمون ليست فقط كما يظهرها البعض ذات منشأ عنصري ديني وانما تلعب  المنافسات على هذه المنطقة  دورا" فيها . التنافس بين الصين التي ستحقق ارباح كبيرة بفضل هذا الخط وامريكا التي لا تريد تفوق الصين عليها في هذه المنطقة  قي ظل هذا التنافس يدث ما يحدث للمسلمين هناك .

 

مسارات الحل

اعمال العنف التي تعود الى سنوات طويلة ومردها الصراع  الديني والعنصري في اراكان نرى  على انها سياسة مدعومة بشكل رسمي .

اليوم ليس فقط في اراكان بل في جميع انحاء العالم يتعرض المسلمون للظلم والتعذيب تحت وطأة سياسات قمعية يُهجرون من اوطانهم , يحرمون من القيام بعبادتهم بحرية  .

عند البحث عن الحلول يجب علينا ان ننظر الى الوقائع من وجهة نظر صحيحة .

الحلول والاقتراحات التي جاءت بها المنظمات العالمية المختلفة هي حلول من الممكن ان تحقق نفعا" ولكنها ليست حلول دائمة .

    عن النظر الى الصورة بشكلها الكامل يمكننا رؤية نظام الدجال في ما يعيشه المسلمون من ظلم . عندما ندرك حقيقة ذلك فإننا نعلم انه بروح المهدية المعاكس لنظام الدجال فقط نصل الى حل دائم .

اليوم ليست اراكان فقط في انتظار الحل وانما فلسطين – العراق – مصر – سوريا – تركستان الشرقية – افغانستان  وغيرها ...

هذا الظلم الذي يعيشه المسلمون اليوم اخبرنا به رسولنا الكريم قبل 1400 عاما" نورد لكم هذا الحديث الذي يحدثنا فيه عن مسلمي اراكان وكل المسلمين :

فوالله لتشهد امتي شدة وبلاء و لن يجد الناس مكان يلجؤون اليه من هذا الظلم ,في هذا الزمن سيرسل الله لهم شخص من أهل بيتي ( الموت والقيامة  - علامات آحر الزمان )

رسولنا الكريم ( ص)  يوضح  للمسلمين ايضا"  ما يجب أن يفعلوه تجاه هذا الظلم . كما ورد قول الله عز وجل في القرآن بوجوب جمع الشمل والوحدة. ويبشر الناس بظهور سيدنا المهدي .

ستستمر المعاناة مالم يطبق المسلمون لاوامر القرآن الوادة بخصوص جمع شملهم واتحادهم .

وقف المعاناة في جميع انحاء العالم وكذلك وقف سفك دماء المسلمين يمكن  ان يتحقق بوحدة الاسلام . هذا الاتحاد هو الحل الوحيد الذي من شأنه أن ينقذ كل من فلسطين والعراق – افغانستان – تركستان الشرقية – شبه جزيرة القرم – كركوك . اتحاد الاسلام التركي سيكون مصدر يثق به كافة الناس من جميع المعتقدات من المسلمون – اليهود -   المسيحيون –البوذيين – وحتى الملحدون  .عند قيام هذا الاتحاد فإن اليهود – المسيحية – البوذية – الملحدون سيعيشون بكل اطمئنان .

 

صحيح ان فرض حصار اقتصادي وعبارات التنديد بهذا الظلم تخفف من حدة الظلم قليلا" الا انها  ليست كفيلة لتحقيق حل دائم انما الحل هويقيام  اتحاد قوي بين الدول الاسلامية .

الفاشية والشيوعية التي استوحت مبادئها من الداروينية  في تصنيف الناس حسب اعراقهم وان القوي هو الذي سيعيش وضرورة ازلال الضعيف , يجب علينا الوقوف ضد هذه الايديولوجية الوحشية الدموية البعيدة عن مشاعرالحب والرحمة ونكافحها بافكار ايديولوجية اخرى .

طالما لم نغير العقلية والذهنية فلا نفع لتغيير الحكام او الحكومات بغيرها . لان الحكومات تاتي وتذهب ولكن الايديولجيات هي الباقية , نستطيع عن طريق الكفاح العلمي ان نظهر حقيقة هذه الايديولوجيات للناس الذين يقتدون بها .

السكوت عن الظلم في ميانمار وفي أي مكان من انحاء العالم  يجعلنا جزء منه

 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/219917/وجهة-نظر--أَرَكان-http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/219917/وجهة-نظر--أَرَكان-http://imgaws1.fmanager.net//Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_1_arakan_arapca_03.jpgWed, 20 Apr 2016 17:22:38 +0300
وجهة نظر : العنصريّة في أوروبّا

وجهة نظر : العنصريّة في أوروبّا

أهلا ومرحبا بكم في برنامج وجهة نظر…

من المعلوم  أن الحديث قد دار من جديد عن العنصرية والقومية المتطرفة في انتخابات البرلمان الأوروبّي، ولا جَرَم أنّ نجاح الأحزاب المعروفة بآرائها العنصرية القومية المتطرفة كان له صدى واسع في جميع أنحاء العالم.

فبعد ظهور المنظمات الإرهابية العرقيّة في أوروبا ظهر تأييد كتل عريضة من الشّعب للأحزاب العنصرية في مجال السياسة؛ وهذا الأمر يرسم صورة مرعبة إلى حدّ ما. فما هي الأسباب الكامنة وراء ظهور تيّار العنصرية والقومية المتطرفة في أوروبا؟ وما هي النشاطات العنصريّة التى يتمّ القيام بها؟ وما نتيجة هذه النّشاطات والفعاليّات؟

سنبحث عن إجابة  لهذه الأسئلة في برنامج وجهة نظر الذي يفتح ملف العنصرية في أوروبا..

وملخص برنامجنا اليوم سيكون على النحو التالي، المقدمة وفيها سنعرّف ببعض الأحزاب والجماعات والمنظمات العرقية والقومية المتطرّفة، وفي المسار الزمني سوف نتناول بالبحث ظهور العنصرية في أوروبان ونلقي نظرة على الأحداث المتولدة من زيادة الحركة العنصرية والقومية المتطرفة في أوربا  والهجمات التى وجهتها الجماعات القومية المتطرفة للمسلمين في أوروبا. وفي تقرير الوضع الراهن سنقيّم نتائج الانتخابات الأخيرة للبرلمان الأوربي، كما سنتحدث عن قضية  المنظمة  الاشتراكية الوطنية  السّرية. وفي النّهاية في ما وراء الستار سنتحدث عن العوامل التى أدّت إلى ظهور دعم مادي ومعنوي يغذّي فكر الجماعات العنصرية والقوميّة المتطرفة.

ملخص البرنامج:

·      المقدمة

·      المسار الزمني 

·      تقرير الوضع الراهن

·      ما وراء الستار

في البداية، لنتعرّف باختصار في قسم المقدمة على الأحزاب العنصرية والقومية المتطرّفة في أوروبّا.

المقدمة:

ولنبداء بـ"حزب البديل من أجل ألمانيا" في ألمانيا. إن الهدف الأساسي لهذا الحزب هو خروج ألمانيا من الاتّحاد الأوروبي، ويدافع عن فكرة أنّ اليورو العملة الموحدة للاتحاد الأوربي تضرّ بمصالح ألمانيا، ويستخدم عبارات قوميّة مغالية، ويعارض عضويّة تركيا الدّائمة في الاتّحاد الأوروبي.

ومن الأحزاب الأخرى في ألمانيا "الحزب الديموقراطي الوطني"  وهو حزب يمينى متطرّف، كما أنّه قوميّ راديكاليّ، وصاحب مواقف سياسيّة اِشتراكيّة، وبرنامج هذا الحزب يشبه برنامج حزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني الذي كان يرأسه أدولف هتلر، خاصة أنّه من المسلم به أنّ "الحزب الديموقراطي الوطني" هو الذي كونّ النازية الجديدة. فهو حزب يعارض المهاجرين ويريد إخراج المواطنين المهاجرين الذين يشكل الأتراك أغلبيتهم من ألمانيا،  ويدافع الحزب الديموقراطي الوطني عن انفصال ألمانيا القوية اقتصاديّا عن الاتّحاد الأوروبي والعودة إلى المارك الألماني.

ومن المعروف أن "حزب استقلال المملكة المتحدة" الموجود مقرّه  في انجلترا هو حزب يمينيّ متطرّف، يعارض أوروبا والاتحاد الأوربي، ويدافع  بشدة عن فكرة ضرورة التحكم في الهجرة وضرورة عدم التوحّد السّياسي مع أوروبا أكثر من ذلك.

عند النظر إلى فرنسا نجد "الجبهة الوطنية"، والجبهة الوطنية حزب سياسي قومي متطرّف، معروف بعداوته للمهاجرين والاتّحاد الأوربي. ويعتبر الحزب أنّ أكبر مشاكل فرنسا هي البطالة والأمن، ويزعم أن سبب المشكلتين هو المهاجرون، ويوضح أن اليورو هو سبب العديد من الأزمات الاقتصادية التي تحدث في أوروبا.

والآن لننتقل إلى الدنمارك، فـ"حزب الشّعب الدنماركي" معارض للمهاجرين ، ويعادي المسلمين رافعا شعار الدنمارك للدّنماركيين. ولقد منع حزب الشّعب الدنماركي دخول الأجانب إلى الدولة، والمقصود بالأجانب هنا هم المسلمون. ويريد الحزب تذويب المسلمين الموجودين في البلاد، ويعتقد أنه يجب نقد الأنظمة الإسلامية بأسلوب حادّ. وعند الحديث عن السياسية الخارجية فهو معارض شرس لليورو، كما أنّه معارض لعضوية تركيا إلى الاتّحاد الأوربي .

وعند الانتقال إلى إيطاليا نجد "حزب الاتحاد الشمالي"، وهو حزب معروف بأطروحاته العنصريّة. وهو يتبنى "رفض المهاجرين واليورو والإسلام"، كما يتبنى من الناحية الاقتصادية فكرة "انفصال الجزء الشمالي الغني عن الجزء الجنوبيّ". 

وهناك حزب عنصريّ آخر، وهو "حزب الحرية النمساوي" الذي ظهر في النمسا، واستخدم الحزب في انتخابات فيينا الأخيرة شعارات عنصرية مثل "يجب ألا تكون فيينا مثل استانبول"، وفي انتخابات 2010 استخدم في الدّعاية الانتخابية لعبة اسمها "مع السلامة أيّها الجامع"، وهدفه حشد تأييد النمساويين ضدّ الجوامع والمؤذّنين.

ولنلقي نظرة على المجر ، فإن " حركة من أجل مجر أفضل " يعني (Yobbik) تعطي صور تشبه صور الحزب النازي ، ويوضح أنه ليس فاشي عنصري ولكنه " محب للوطن "، ولكنه رفع شعار " المجر للمجريين " في الانتخابات، ولا جرم أن  اختياره عبارة عنصرية كهذه أمر يظهر حقيقته.

ثم نلقي الآن نظرة على جارتنا اليونان،  فحزب "الشفق الذهبي" مؤيد للنازية الجديدة، وأعضاء مجلس الشّعب والتابعون لحزب الشفق الذهبي لديهم أفكار متطرفة تحمل كراهية للمهاجرين وعداوة للسياسيين  وتشجع على التفرقة العنصرية تجاه الأقليات. والمؤيدون لهذا الحزب لهم سجل حافل بأعمال العنف والترهيب ضدّ الأتراك وخاصة الأتراك الذين يعيشون في قبرص.

أريد الحديث قليلا عن الجماعات والمنظمات العنصرية في أوروبا، وعلى سبيل المثال  فـ" المنظمة الاشتراكية الوطنية السّرية تمثل النازيين الجدد الذين يدافعون عن فلسفة النازية الجديدة. الاشتراكية الوطنية تعني الاشتراكية القومية، والحزب جمع بين الاشتراكية والقومية العرقية، وهو فكر عنصري ، وهو حزب تأثر بتيار بالفاشية المؤسسة تحت قيادة بينتو موسولينى. وأول مرة يظهر في ألمانيا، ولقد وضعت مبادؤه الأساسية من قبل أدولف هتلر. وإن دُفن قادة فاشيون مثل هتلر وموسولينى في أعماق التاريخ فهذا لا يعنى القضاء على أفكارهم  التى دافعوا عنها.

واليوم يوجد في العديد من الدّول الأوروبية الكثير من المنظمات التي  تتخذ من أفكارهم نموذجًا يُحتذي به، وخاصة في السنوات الأخيرة حدثت نهضة جديدة للحركات العنصرية والفاشية في العديد من الدول الأوروبية. وتأتي على رأس هذه الحركات  حركة النازية الجديدة في ألمانيا. والنازية الجديدة اسم مشترك يطلق على كلّ الحركات والأفكار السّياسية  التى تدافع عن الاشتراكية الوطنيّة. والفلسفة السياسية للنازيّة الجديدة مثل تعاليم هتلر، أي أنها حركة قومية راديكالية جديدة تعتمد على الاشتراكية ومعادية للسّامية وعنصرية وقوميّة وشوفينيّة، أي وطنيّة متطرّفة.

والنازيون الجدد في ألمانيا مرتبطون بالأفكار الرّاديكاليّة القومية الألمانية والأفكار العنصرية، وهم ضد المواطنين المهاجرين الذين يشكل الأتراك أغلبيّتهم، ويريدون إخراجهم من ألمانيا، وهم أيضا معروفون بمعاداة اليهود، وفي الكثير من الأحيان يلجؤون إلى العنف .

إذا كنتم تذكرون فقد حدثت مذبحة في 29 مايو عام 1993م من قبل النازيّين الجدد، فقد أحرقوا منزل عائلة تركيّة وأدى هذا الأمر إلى وفاة خمسة أتراك.

إن المنظمة الاشتراكية الوطنية السّرية منظمة مسلحة تابعة للنّازية الجديدة، ولديها أفكار يمينيّة متطرّفة وعنصرية وتقوم بنشاطها في ألمانيا. ومن المعروف أنّ أتباع هذه المنظمة يقومون بهجمات على المهاجرين الموجودين في ألمانيا. هذا بالإضافة إلى الهجمات بالقنابل واقتحام البنوك وسرقتها. وفي كل مكان في العالم توجد تقريبا حركة نازية جديدة، ففي أوروبا وأمريكا تحمل النّازية الجديدة اعتقادًا يقوم على تفوق الجنس الأبيض.

أما في الشّرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، وفي كل مكان في العالم فالنّازيون الجدد يصنعون قوميات الشعوب، وفي روسيا يقومون بعمليات إرهابية وأعمال إجرامية بين حين وآخر، وحزب صوماقا في إيران والحزب الاشتراكي القومي في سوريا  يعدّان من الأحزاب النازية الجديدة في الشّرق الأوسط.

والآن تحت عنوان "المسار الزمني" نلقي نظرة على كيفيّة نشأة القومية المتطرّفة والعنصرية في أوروبا وتطوّرهما، ولنتحدث عن الأحداث المنبثقة من الحركات القوميّة المُتطرفة والعنصريّة التي تطورت في أوروبا وسلوك الجماعات المتطرّفة تجاه المُسلمين.

 

المسار الزّمني:

 إن مستوى معيشة الأوربيين قد تحسنت كثيرًا بفضل الثّروات التى حصلوا عليها من المستعمرات في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر، ولكنهم في الوقت نفسه بدأوا يحتقرون من ليس منهم. وفي تلك الفترة بدأ بعض الفلاسفة الأوروبّيين مثل دارون وبعض رجال العلم في الدّفاع عن فكرة تفوّق بعض الأجناس والأعراق البشرية على غيرها من الأجناس والأعراق الأخرى. كما أنّ التنافس العسكري والاقتصادي بين الدول الأوروبية جلب معه القوميّة المتطرفة التى تطوّرت في أوروبا، فأدّى ذلك إلى اندلاع الحرب العالميّة الأولى التي أودت بحياة  ملايين البشر، وتسبّبت في حدوث كوارث كبرى، ولكنهم لم يأخذوا عبرة من المصائب التى عاشوها بسبب القومية المتطرّفة.

بل على العكس زادت القومية المتطرفة مع مرور الوقت، وظهرت فكرة العرق الصّافي، وظهر موسولينى في إيطاليا وهتلر في ألمانيا. وكانت الأنظمة العنصريّة سببا في الحرب العالمية الثّانية التى قُتل فيها سبعون مليون إنسان. وإلى جانب كل هذا فقد شهد العالم الإبادة العرقية لليهود والغجر من قبل النظام النّازي العنصريّ.

ولقد استفادت أوروبا من هذا الدّرس، وسعَت للتوحّد والاتفاق حتى لا تتكرر هذه  المصائب مرّة أخرى. ولقد تأسس الاتّحاد الأوربي بناء على اتفاقية الاتحاد الأوربي التى دخلت حيّز التنفيذ في 1 نوفمبر عام 1993م. وسعت هذه الدول لكي تكون مفاهيم الحرّية والديموقراطية ودولة القانون وحقوق الانسان هي المتحكمة في هذه الدّول. ولكنّ الأوروبّيين الذين يعتقدون أنّهم أعلى قدرًا من الأعراق الأخرى أرادوا هذه الميزات لأنفسهم من دون الآخرين. وبالتدريج ظهر هذا الفكر في أوروبا، وزادت بسرعة أعداد العنصريّين والجماعات القومية المتطرفة.

وبدأ صوت الأحزاب والتّيارات المتطرفة في دول الاتحاد الأوربي يعلو يوما بعد يوم. وقد اتخذت من مسألة المهاجرين القادمين من الدول الإسلامية هدفًا معلنًا في البرلمانات الوطنيّة. فمُعاداة الإسلام التي تفاقمت في دول أوروبّا كانت بالنسبة لهؤلاء مصدر قوة لم يتم اكتشافه إلا حديثًا. وقد خرج هؤلاء بشعارات معادية للإسلام بزعم  الدّفاع عن القيم الأوروبية، وغفلوا عن أنّ من بين هذه القيم الأوروبية حرّية الدّين والعقيدة، فبسبب نظرتهم العنصرية يعتقدون أنّ من ليس منهم فليس له الحقّ في الحرّية .

وعند النظر إلى ما بعد سنة 1990م نجد أنّه تم تنفيذ أعمال عنف لم يحدث مثلها من قبل، وخاصة ضدّ الأتراك. وفي الأعوام الخمسة عشر الأخيرة فقد 150 مهاجرًا حياتهم في أعمال عنف في ألمانيا. وأغلب هؤلاء القتلى من الأتراك، ولقد أعلنت ألمانيا أن هجمات العنصريّين وأعداء الأجانب في ألمانيا في سنة 2000 ارتفعت إلى 15 ألف و951 حالة، وأوضحت أنه يوجد حوالى ثمانية آلاف عنصر من عناصر النازية الجديدة متأهبون للتحرّك.

وقد أصدرت لجنة مراقبة حقوق الإنسان في مجلس الأمة التّركي الكبير تقريرًا بعنوان "الأعمال العنصرية وعداوة الأجانب الموجهة ضد ذوي الأصول التركية في أوربّا"، وطبقا لهذا التقرير فإن المساجد كانت الهدف الأول للأعمال العنصريّة وعداوة الأجانب. وفي السنة الماضية تم الهجوم على ثلاثين مسجدًا، وعلى عشرين شخصًا وعلى عشرة منازل،

وقد تم كذلك:

·      كسر زجاج المساجد والمنازل وإحراقها.

·      تخريب مقابر المسلمين.

·      وضع خطابات تحتقر الدّين والقومية في صناديق بريد الجوامع والمنازل.

·      التهديد بالقتل

·      الاعتداء بالضّرب

إن هذه العنصرية المتزايدة في أوروبا قد انعكست في انتخابات البرلمان الأوربي الأخيرة، وفي العنوان التالي "تقرير الوضع الحالي" سنتحدث عن نتائج الانتخابات، وعقب ذلك سنتحدث عن القضيّة التي ما زالت تنظره في أطوارها المحكمة الخاصة بالمنظمة الاشتراكية الوطنية السّرية العنصريّة.

 

تقرير الوضع الرّاهن:

كما هو معروف يوجد في الاتحاد الأوربي 28 دولة ، وقد تم الذهاب للاقتراع  المباشر ثمان مرات من أجل شغل 751 مقعدا في البرلمان الأوروبي، وغلب على الانتخابات صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة ومعارضو الاتحاد. ولقد تضاعف عدد مقاعد هذه الأحزاب في البرلمان إلى الضّعف.

إن هذه الزيادة  وهذا الارتفاع دليل على زيادة أعداد أصحاب الفكر القومى المتطرف والعنصري، ويرون أنّ النتائج كانت اعتراضا على الأزمة الاقتصادية وسياسات التقشّف وزيادة نسبة البِطالة .

نعم عرفنا في بداية البرناج بالاحزاب القومية المتطرفة والآن فلنلخص نتائجهم في الانتخابات :

فاز حزب استقلال المملكة المتحدة في انجلترا وحصل على نسبة 26.77 %، وتبعا لذلك حصل على  أربعة وعشرين مقعدًا في برلمان الاتّحاد الأوروبي  من حصة انجلترا التى تبلع ثلاثة وسبعين مقعدًا، وبهذا انتقل 24 % من الادارة السّياسية الانجليزية إلى السّياسيين التابعين لليمين المتطرّف .

كما أصبح حزب الجبهة الوطنيّة في فرنسا الحزب الأول في البلاد بفوزه في الانتخابات بنسبة 24.95% وأرسل إلى برلمان الاتّحاد الأوربي  24 عضوًا.

وفي ألمانيا حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على نسبة 7.00% ويمثله في البرلمان الأوربي سبعة أعضاء.

كما فاز الحزب الديموقراطي الوطنى من ألمانيا  أيضا لأول مرة بمقعد في البرلمان.

في الدنمارك أيضا فاز حزب الشّعب الدنماركي،  وبلغت نسبته 26.60 % وأصبح له في البرلمان الأوربي 4 مقاعد.

وفي ايطاليا فاز اتحاد الشّمال بنسبة 6.15% وبخمسة مقاعد في البرلمان الأوربي .

وعند النظر إلى النمسا نجد أن حزب الحرية النّمساوي قد حصل على نسبة 19.70%، وحاز على 4 مقاعد في البرلمان الأوربي

وفي المجر حصل حزب "حركة من أجل مجر أفضل" (Yobbik)  على المرتبة الثانية في الانتخابات بنسبة 14.67%، وبتلك النتيجة سيمثله في برلمان الاتّحاد الأوربي ثلاثة أعضاء.

أما في اليونان فقد جاء حزب الشفق الذّهبي في المرتبة الثالثة بنسبة 9.38% وسوف يمثله في البرلمان الأوربي ثلاثة أعضاء.

إن الصفة المشتركة بين كل هذه الأحزاب هي أنها أحزاب عنصرية وقومية متطرفة، وصعود هذه الأحزاب العنصرية التى تسمّي نفسها اليمين المتطرف والتى تعادي الأتراك والمسلمين تحت شعار عداوة الأجانب في أوروبا وعلى رأسها ألمانيا، قد احتل حيزا كبيرًا في الإعلام العالمي تحت عنوان صعود  العنصرية في أوروبّا.

وقبل الانتقال إلى "ما وراء الستار" أريد الحديث عن قضية  المنظمة الاشتراكية الوطنيّة السّرية.

لقد قتلت المنظمة الاشتراكية الوطنية السرية عشرة أشخاص في 13 سنة، وقامت بهجومين بالقنابل، وسرقت 14 بنكًا، وجميع ضحايا هذه المنظمة  من الأتراك.

وما زالت لجنة التحقيق التابعة  للمجلس الألماني تحقق في جرائم النّازيين الجدد الخاصة بقتل عشرة أشخاص منهم ثمانية أتراك في ألمانيا. ومن النقاط المهمة التي تمت مناقشتها بعمق هي عدم ظهور علاقة بين جرائم اليمين المتطرف والارهاب طوال هذه السّنوات.   

ولقد صرح عضو المنظمة الاشتراكية الوطنية السّرية والمتهم في أحداث صولنجان عن  كيفية تحويله ثلاثة من الشبان إلى إرهابيين، وكيف جعلهم يرتكبون جرائم دون علم أحد، وبهذا يكون قد كشف طرف الخيط في العلاقة بين النازيّة والإرهاب.

والأكثر من ذلك، فإنّ هذا الأمر يعطى انطباعا عن كيفيّة وصولهم إلى هناك بعلم تشكيلات الأمن والمخابرات أو بدون علمهم وكيفيّة تعاميهم عنهم،  وإنّ تصريح أحد أعضاء اللجنة عن المشتبه به ملفت للنّظر:

"إن هولاء المشتبة بهم لم يولدُوا إرهابيّين أو يمينيّين متطرّفين، ولقد تبنّوا هذه الآراء في بيئة راديكاليّة أصوليّة معيّنة، خاصة أنه في التّسعينات في شرق ألمانيا كان يتم تجاهل موضوع اليمين المتطرّف، وظلت تلك المشكلة مستورة  في تلك البيئة،  وقد انتحر اثنان من المتّهمين أمّا الثالث فقد تم القبضُ عليه". 

وهناك الكثير من الأسئلة التى لم تتم الإجابة عليها في هذه القضيّة، والحقيقة أنه عند النظر إلى  "ما خلف ستار" الأعمال العنصرية فلن يكون الجواب على هذه الأسئلة أمرًا صعبًا، فعلى أي شيء يعتمد فكر الجماعات العنصرية والجماعات القومية المتطرفة؟ وكيف صعدوا في انتخابات البرلمان الأوربي ؟ وما هي أسباب الدّعم الكبير الذي يتلقّونه؟ سنجيب على هذا كله في قسم "ما وراء السّتار " فلنتابِع سويّا.

ما وراء السّتار

·      الدّاروينية

·      الإسلامو فوبيا

·      الأزمة الاقتصادية

·      رفض المهاجرين

·      معارضة الاتّحاد الأوربي

قبل الحديث عن العوامل الكامنة خلف نجاح الأحزاب العنصرية والأحزاب القومية المتطرفة وفوزها في انتخابات البرلمان الأوربي علينا أن نرجع إلى أسس العنصرية ونري الأيديولوجية التى تغذي تلك العنصرية .

الداروينية:

إن العنصرية هي فلسفة العنف التى تطورت استنادا على نظرية التطور الداروينية، فدارون في كتابه "أصل الإنسان" يزعم أنّ البشر قد جاءوا من جدّ مشترك مع القرود، ويرى دارون أن هناك جنسا متطورا وهو الجنس الأوروبي، أمّا الآسيويون والهنود الحمر والأفارقة وكل الشعوب الأخرى فهي أجناس قد تأخرت في التطور.

فكما ترون ها هو دارون  شخص عنصري  بكل معاني الكلمة ، وكان يعتقد أن الأوربيين بمرور الوقت سيستعبدون الشعوب الأخرى ويقضون عليها. إن هذه النظرية التى تطورت بتطبيقها على الأجناس  التي زعم دارون أنها متأخرة في التطور قد سمّيت الداروينية الاشتراكية، وهي أكبر داعم ومساند لهذه العنصريّة.

ولقد عبر دارون في الخطاب الذي كتبه إلى و .جراهام في 3 يونيو سنة 1881م عن نظرته العنصريّة للتّرك كما يلي :

"أستطيع أن أؤكد لك أنّ الصّراع المستند إلى الاصطفاء الطبيعي قد حقق وما زال يحقق النفع في تطور الحضارة أكثر مما تظن، ففكر في الخطر العظيم الذي تعرضت له الأمم الأوربية عندما احتل التّرك أوروبا قبل عدة قرون، أمّا هذا الأمر فقد أصبح اليوم فكرا عبثيا للغاية. الأجناس الحضارية المعروفة بالأعراق الأوربية قد انتصرت على بربرية التّرك في صراع الحياة،  وعند النّظر إلى مستقبل العالم القريب فإنّني أرى أنّ هذه الأجناس الوضيعة سيتم القضاء على أغلبها من قبل الأجناس المتحضّرة  السّامية" . فرنشيش داروين ، حياة تشارلز دارون ورسائله، ج1 ، نيويورك ، ص 285 – 286.

ها هي عبارات  دارون بخصوص الأتراك التي كانت وما زالت تشكل دعما لأفكار الحركات العنصرية التى اكتسبت قوة في أوروبا. إن أفكار الداروينية تعدّ منسجمة بشكل كبير مع العنصرية النازية الجديدة في عصرنا الحالي. وفي صفحات النّازيين الجدد على الانترنت في القسم الخاص بعداوة الأتراك توجد الكثير من المزاعم التى لا يتخيلها عقل بخصوص مزاعم دارون عن الأمة التركية، وهكذا يظن النازيون الجدد أنهم قد أوجدوا توضيحا علميا ونظريا لعداوة الأتراك مثلما فعل العنصريّون في هذا العصر.

إن السّبيل الوحيد لمنع هذه الحركات والممارسات غير الإنسانية هو دحض هذه الأفكار التى تشكل أرضية لهذه الايدولوجيات وإظهار بطلانها، ذلك أنه من المحال منع الأشخاص أو الجماعات الصغيرة من القيام بمثل هذه الأعمال، خاصة أن أوروبا في هذا الوقت تعد عديمة الحيلة وفاشلة في حل الموضوع.  وإذا لم يجف هذا المستنقع  ستظهر هذه الأفكار المتعفنة مرة بعد أخرى. ولهذا السبب فإن هدم مفهوم الداروينية التي تعد مسندًا للعنصرية والفاشية في ضوء النّظريات العلمية ستكون نتيجته نهاية الحركات العنصرية.

ومن جانب آخر فإننا نعلم أن هناك حالة  من الكراهية والعنصرية نابعة من الخوف من  المسلمين وخاصة الموجودين في الدول الأوربية . حسنا ، ولكن لماذا يرفض الاتّحاد الأوربي وجود المسلمين بالذات في الدول التابعة له، لماذا كل هذه العداوة للإسلام، لماذا يخافون من الإسلام ؟ نعم فإن العامل التالي هو الاسلامو فوبيا أي الخوف من الإسلام .

الإسلامو فوبيا:

إن الدين الإسلامي سوف ينشر الأمن داخل المجتمعات الأوربية بشكل كبير، لأنه دين يحتوي على مفهوم متطور للغاية في موضوع الحريات والدّيموقراطية ، ولكن بعض الناس الذين يعيشون بالمفهوم المتعصب البعيد كل البعد عن روح الإسلام  قد أظهروا الإسلام وكأنه دين  القمع والاضطهاد. دين يُعارض الجمال والذّوق والفن والعلم والرّفاهية والمتعة، دين يعارض الحياة.  فعندما يقال الإسلام يرد على عقل  الكثير من البشر الأفعال والأعمال الإرهابية التى ارتكبتها المنظمات الإرهابية مثل القاعدة وبوكو حرام  باسم الإسلام،

  ولهذا السبب فإنهم يخافون من الإسلام لأنهم يعتقدون أن الإسلام  أسلوب حياة يحدّ من الحريات والتطور والفن والديموقراطية. فهم يخافون من الإسلام لأنهم يعتقدون أن المسلمين سيسعون لتغييرهم وإجبارهم على الحياة مثلهم، وأن هذا الأمر سيلحق بهم الضرر في كلّ الأحوال.

فالعالم الإسلامي يصارع خطر التّعصب والأصولية  منذ زمن بعيد . إنّ عدد الذين يسعون لإدخال التعصب في الإسلام قليل جدًّا. وعلى أية حال هناك عدد كبير يؤمنون بهذه الأقلية ، بخلاف هذا فإن الإعلام يصور هؤلاء الأشخاص على أنّهم مسلمين، وهؤلاء الأشخاص بصورة عامة  يفضلون الكراهية والسّلاح والتهديد والخوف والتهديد ويلجؤون إلى العنف، ولهذا السبب فإنهم يشكلون موضوع الحديث بصورة مستمرة. وعندما يقال مسلم ترد إلى أذهانهم تلك الوجوه القبيحة والحرب والكراهية والإرهاب والتعصب.

حسنا، ولكن كيف سنقضي على الكراهية في أوروبا ؟ فالإسلام لا يوجد فيه مكان للتعصب ولا للكراهية ولا للإرهاب،  فيجب أن نظهر للجميع أن الاسلام هو دين السلام والحرية والإتقان والحداثة والجمال، ونقضي على التعصب والخرافات عندما نعيش بروح الإسلام المذكورة في القرآن. وبهذا الأمر يمكننا كسر الصورة الخاطئة الموجودة عن الإسلام في أوروبا.  ولقد شاهدنا طوال البرنامج أنّ العنصرية والقومية المتطرفة قد زادت بسبب الهموم الاقتصادية التي حركتها الأزمة الاقتصادية التى استمرت في أوروبا منذ زمن طويل . والعامل الذي سوف نتناوله بعد ذلك هو الأزمة الاقتصادية.

الأزمة الاقتصادية:

إنّ الدّول الأوربية تعيش حالة من الاضطراب العام بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية المستمرة منذ عام 2007 حتى اليوم ، ولقد شعر الاتحاد الأوربي بالآثار السلبية للأزمة الاقتصادية بشكل كبير. ولقد تراجع اقتصاد منطقة اليورو في سنة 2009 بنسبة 4.1 % وعاشت أكبر ضائقة مادية، إن الأزمة الاقتصادية الدولية  كانت سببا زيادة الديون بصورة خطيرة وأدت إلى عجز الميزانية بصورة كبرى في دول الاتحاد الأوربي ، كما كانت  الأزمة سببا في تعرّض مالية الكثير من الدّول الأعضاء لخطر كبير، لاسيما أنّه في سنة 2006 م  بلغ حجم دين حكومات الاتّحاد الأوربي 7.1 تريليون يورو، وبحقائب الدّعم والمساعدة وصل حجم الدين  في نهاية 2009 م إلى 8.6 تيريليون يورو.

إنّ التّراجع الملحوظ في السنوات الأخيرة في أداء اقتصاديات دول اليورو  قد أخذ شكلا واضحا مع الأزمة الاقتصادية، وبالتالي أصبح عجز اقتصاد اليورو والاتحاد المالي واضحا، وفي النهاية زاد هذا الوضع من الهموم الخاصّة بمستقبل الاتحاد الأوروبّي.

 وعقب وصول اليونان التابعة لمنطقة اليورو إلى حد الإفلاس طلبت ايرلند والبرتغال المساعدات من الاتحاد الأوربي، وتم تجهيز برامج مساعدات مادية شاملة للدول المذكورة بدعم من البنك الدولي.

وفي هذا الوضع سعت كل دولة في الاتحاد الأوربي إلى المحافظة على وضعها، فالعديد من الدول لا تريد استضافة المهاجرين لأنها تعتقد أنهم سيشكلون عبئا اقتصاديّا كبيرًا عليها.

وهكذا فقد شكل مناخ الأزمة المالية واحدا من الأسباب التى أدت إلى زيادة القومية المتطرفة في أوروبا، وهذا لأنّ الدول الكبرى التى تشكل الأساس القوي للاتحاد الأوربي كانت ترفض دعم دول الاتحاد التى تراها ضعيفة وعبئا عليها.

حتّى إن التقكير كان جديا في فصلها من الاتحاد الأوربي. وعلى سبيل المثل فقد كانت انجلتر  تفكر في طرح هذا الموضوع في استفتاء عام. إنّ كل هذه الخطط بنيت على القومية المتطرفة وهي بالطبع سياسات أنانية  تأثرت بآراء الدّاروينيّة. ومن العوامل الأخرى التي وفرت الدعم للأحزاب اليمينية المتطرفة موقفها العدائي من المهاجرين.

رفض المهاجرين:

إن المهاجرين الموجودين منذ فترة طويلة في أوروبا وضغط المهاجرين الذي زاد خاصة بعد أحداث الربيع العربي قد أدت إلى ظهور مخاوف اجتماعية في أوروبا. فأوروبا التى تدافع عن حقوق الإنسان والحرية والسلام والديموقراطية تخاف من توفير فرص للعيش الآمن والحر للمهاجرين الذين لا يجدون في بلادهم  الظروف المُلائمة للحياة، وأصبحت أوروبا عديمة الاهتمام وضعيفة الإحساس بتلك المآسي الإنسانية، وأدارت ظهرها للبشر الذين أتوا إليها يصارعون من أجل حياة أفضل طالبين اللجوء إليها.

ولهذا السبب حدثت انتهاكات كبيرة في حقوق الإنسان. إن الأحزاب القومية المتطرفة تعرف جيدًا طريق الاستفادة من مخاوف الشّعوب الأوربية، وهي تنتهج سياسات عدائيّة ضدّ المهاجرين، وتدافع بكل قوة عن فكرة طرد المهاجرين من بلدانهم، هؤلاء المهاجرون الذين يشكل المسلمون أغلبهم.

إن السّبب الأهم  في زيادة الخوف في أوروبا  هو أن الإسلام لا يطبق كما هو على حقيقته في دول الشرق الأوسط والعديد من الدول الأخرى ، فأوروبا التى ترى نفسها رائدة للفن والديموقراطية تجد نفسها معارضة ومخالفة  لمفهوم الإسلام الذي تقدمه الجماعات المتطرفة، وهذا الأمر يزيد من معارضتهم للمهاجرين، والحقيقة أن تغيير هذه الرؤية أمر بيد المُسلمين؛

فإذا عاش المسلمون طبقا لروح الإسلام بطريقة عصرية للغاية وثقاقية وتربوية واهتموا بالجمال والفن فسوف يزول الخوف الذي تشعر به أوروبا إن شاء الله. ولقد شاهدنا شيوع فكرة أنّ الاتحاد قد جلب أضرارا أكثر من المنافع في كثير من دول الاتحاد الأوربي،  وهذا الرأي كان سببا في حصول الأحزاب السياسية القوميّة المتطرفة على تأييد كبير، ولننتقل الآن إلى عامل آخر وهو رفض الاتّحاد الأوروبي.

رفض الاتحاد الأوربي :

هناك خلاف في الاتحاد الأوربي بدأ بصفة خاصة منذ ظهور الأزمة الاقتصادية،  فدول مثل اليونان التى تلقت ضربة قوية في الأزمة الاقتصادية وقبرص اليونانية وأسبانيا صارت تشكل عقبة ومشكلة أمام  اقتصاديات الاتّحاد الأوربي القويّة؛ فالدول الغنية مثل ألمانيا وانجلترا وفرنسا قد تعبت من مواجهة المشاكل الاقتصادية الخاصة بهذه الدول، وأصبح يُنظر إلى الدول التى تحتاج دعما ماليا واقتصاديا على أنها حلقة ضعيفة في الاتحاد.

وكما شاهدنا فإن المشاكل المالية قد سببت أضررا لهذا الاتحاد الذي شيّد على أسس مادية، أمّا الاتحادات المبنية على أسس الحب والصداقة فتكون اتحادت قويّة ومستقرة، وبناء عليه فإنّ الدولة الضعيفة ماديا لا تعتبر حلقة ضعيفة ولكنها تعتبر صديقا يجب إنقاذه. وفي هذا الوقت تتقوّى الاتحادات بصورة مستمرة من النّواحي المادّية ومُستوى الرّفاهية.

الخاتمة:

 إن الاتّحاد الإسلامي التّركي الذي سيتم تأسيسه إن شاء الله تعالى هو الاتّحاد الذي سيجلب للعالم أجمع السّلام والأمان والرفاهية الاقتصاديّة. فإذا اتّحد العالم الإسلامي والتّركي لن يتعرض أحد من المسلمين للظّلم، ولن يحقره أحد ولن يتعرض للاستبداد ولن يسفك دمه أحد، وليس هذا فحسب، بل  لن يفكر أحد حتّى في إلحق أيّ أذى به.

فبتأسيس الاتّحاد الإسلامي التّركي ستستريج الدّول الإسلامية وأوروبا والصّين وروسيا وإسرائيل والعالم أجمع، وستنتهي مشكلة الإرهاب وسيكون هناك ضمان للوصول إلى مصادر المواد الخام، وسيتحقق النظام  الاقتصادي والاجتماعي  والعدالة الاجتماعية، وسيُقضى تماما على صراع الحضارات باذن الله.

أعزائي المشاهدين وصلنا إلى نهاية برنامجنا اليوم، وسوف نلتقي بإذن الله تعالي في الأسبوع القادم في حلقة جديدة من برنامجكم وجهة نظر، وإلى اللقاء.

 


 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/215779/وجهة-نظر--العنصريّة-فيhttp://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/215779/وجهة-نظر--العنصريّة-فيhttp://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_12.jpgSat, 06 Feb 2016 08:14:01 +0200
وجهة نظر- حقوق المرأة

 أهلا  ومرحبا بكم في برنامج وجهة نظر

نعرض لكم  في هذه الحلقة الجديدة موضوعًا عن " حقوق المرأة "

إن حقوق المرأة موضوع يتم نقاشه في العالم أجمع، وكما نعلم جميعا إن يوم المرأة هو  يوم دولي عالمي حدّدته منظمة الأمم المتحدة وخصّصته للاحتفال بنجاحات المرأة في الحياة الاقتصاديّة والسياسية والاجتماعية طبقًا لمعاهدات حقوق الإنسان.

والسؤال الذي يرد على الذّهن هو التّالي: كيف ضُيّعت حُقوق المرأة الطبيعيّة ؟ وكيف اُعتبر اِسترادها لهذه الحقوق نجاحًا يُحتفل به؟ مع أنّ المرأة وُلدت بتلك الحقوق، وقد أعطاها الله الذي خلقها هذه الحقوق. ولقد تمّ تعريف هذه الحقوق في القرآن، ومدح القرآن المرأة لمزاياها العالية؛ فالمرأة في القرآن الكريم تحكم دولةً، ويتمّ الرّجوع إلى آرائها، وهي صاحبة دعوة، كما أنّها ترمز إلى الجمال واللطف. فهي نعمة كبيرة للبشريّة بجمال أخلاقها وبأعماق روحها وبعمق الرحمة التي في قلبها وبفكرها الرّاقي، وبقوة حبّها وشفقتها وتضحيتها.

ولكن هل نالت المرأة التّقدير والقيمة التي تستحقّها في هذا العالم رغم كل هذه المزايا الّتي تمتلكها؟ مع الأسف لا، فلماذا لم تنل هذا التقدير؟ وما هي وجهات النّظر المختلفة التى تعيق هذا الأمر؟ وما هي وجهة نظر القرآن الكريم؟ سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة من خلال برنامجنا هذا.

ويبدأ الملف الخاص بحقوق المرأة في برنامج "وجهة نظر"...

ولنلق الآن نظرةً على ملخّص برنامجنا، وعناوين برنامجنا اليوم على النّحو التّالي:

ونبدأ في قسم "الخلفيّة التّاريخيّة"، لنذكر فيه المكانة التى نالتها المرأة في المجتمعات في الأزمنة الماضية، ثم في "تقرير الوضع الرّاهن" سنتناول حقوق المرأة في العالم في هذا العصر والعنف المُوجّه للمرأة والتّدابير التى تمّ إتخاذها حيال ذلك . أمّا في قسم "ما وراء السّتار" فسوف نتحدّث عن الأسباب التي تؤدي إلى الإساءة للمرأة ووجهات النّظر المُتباينة تُجاه المرأة، وفي النهاية  تحت عنوان "سبل الحل" سنتحدث عن كيفية منع العنف المُوجه للمرأة، وكيف يمكن للمرأة أن تنال التّقدير الذي تستحقّه.

·  

ملخص البرنامج:

-       الخلفية التاريخية

-       تقرير عن الوضع الرّاهن

-       ما وراء الستار 

-       سبل الحلّ

الخلفية التاريخيّة:

سنبدأ برنامجنا بالخلفية التّاريخية، ويمكن أن نتناول هذا االعُنوان تحت ثلاثة مراحل وهي:

-       مرحلة ما قبل الإسلام

-       مرحلة الإسلام

-       مرحلة الفَساد وظهور الخُرافات

مرحلة ما قبل الإسلام:  

والآن لنلق نظرةً على مكانة المرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام.

كانت هناك نظرة سلبية للمرأة في المجتمع الجاهلي، فالعربُ في الجاهليّة كانوا لا يهتمّون برأي المرأة وكلامها ولايأخذون برأيها، وكانوا يَرون أنّ المرأة مصدر إحراج ومجلبة للعار. ولهذا السبب كانوا يخجلون من الأنثى ويدفنونهنّ أحياء، ولقد ذكر هذا الأمر في القرآن الكريم كما يلي: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" ( سورة الزّخرف، 17).

فالنّساء في الزواج كن يُبعن ويُشتريْن ، ولم تكن لهن حقوق في الميراث، وإذا مات زوجها تبقى المرأة ميراثا لأهل زوجها. والآن ننظر في أحوال المرأة ووضعها في المجتمعات الأخرى:

ففي إنجلترا حتّى القَرن الحادي عشر كان الرّجال في انجلترا يستطيعوا بيع نسائهن، وكانوا ينظرون إلى المرأة على أنّها شيطان، ولم يكن يُسمح للنّساء بمس الإنجيل، ولم يكن للمرأة الحقّ في الجلوس على مائدة واحدة مع الرّجل، ولا تستطيع الحديث إلا إذا سُئلت، ولم يكُن الأولاد الذّكور يُعطون لأمهاتهم أهمّية أكثر من كونها خادمة.

أما في الصين فلم يعتبروا المرأة إنسانا أصلاً. وطبقا للقانون الرّوماني فالنساء ناقصات عقل، وفي اليونان القديمة كانت المرأة من الناحية القانونية شيئًا يُباع ويشترى، وفي بابل كان يسوى بين المرأة والحيوانات المُستأنسة. نعم كانت هذه الخُطوط العامة قبل الإسلام، أمّا الُعنوان التّالي فهو الوضع في مرحلة ما  بعد الإسلام.

مرحلة ما بعد الإسلام:

مثلما رأينا، فقبل الإسلام كانت تسيطر على كلّ مكان في العالم عقيدة تَعتبر المرأة متاعًا، وتحتقر المرأة لا لشيء إلاّ  لكونها امرأة، ولقد غيّر القرآن الكريم هذه النّظرة تماما، وبالاسلام مُنع العرب من النظر إلى المرأة تلك النظرة السّيئة الخَاطئة، ولقد ذكر القرآن الكريم ما كانت تصنعه العرب من وأْدٍ للبنات، هذا الأمر الذي كان شائعا في الجاهلية في قوله تعالي:

"وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ" (سُورة التّكوير،  آية 8- 9).

" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ"( النحل ، آية 58- 59).

فكان العربُ يفضّلون قتل بناتهم لعدّة أسباب، وأول هذه الأسباب هي قساوة العيش والخوف من الفقر، ويوضح القرآن الكريم أنّ هذا الأمر غير صحيح ونهى عنه  في قوله تعالى:

"وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا " ( سورة الإسراء، 31).

وطبقا لما جاء في القرآن الكريم فلا يُوجد فرقٌ بين المرأة والرّجل من جهة العبودية لله،  وطبقا لآيات القرآن والأحاديب النّبوية  فالفضل يكون بالتّقوى والعمل الصالح. كما أنّ النّساء والرّجال في عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم قد احتلوا مكانًا مميزًا في نواحي الحياة الإجتماعية، فكان من الصحابيّات من عملن بالتّجارة والطبّ ونظم الشّعر، وخاصّة بعد الهجرة إلى المدينة أظهرت الصّحابيات تضحيات عظيمةً وقدّمن خدمات كُبرى في مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي الجَديد.

إن الكفاح من أجل حقوق المرأة كان واحدًا من أكبر أنواع الكفاح الذي خاضه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولقد أكّد عليه الصلاة والسّلام على مُساواة المرأة بالرّجل، حتّى إنّه شجّع النّساء على أن يكن في المقدمة في كثير من المواقع،  ولقد اهتم النبيّ صلى الله عليه وسلم بتعليم المرأة.

فكان النّساء يأتين إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم للاستماع إلى أحاديثه، ويُشَاركن في صلاة العِيدين، ولقد أوضحت السّيدة عائشة رضي الله عنها مُعاملة الرّسول صلى الله عليه وسلم لأزواجه كما يلي: "كان أليَنَ الناس، وأكرَم الناس، وكان رجلاً مِن رجالكم إلا أنه كان بسامًا"  (ج. أحمد ضياء الدّين، رموز الحديث ، ج2 ، مطبعة كونجه، استانبول 1997، 531/ 7)

ولقد أعلى الرّسول صلى الله عليه وسلم في الكثير من أحاديثه من شأن المؤمنات، فقال " الدّنيا متاع وخير متاع الدّنيا المرأة الصالحة " ( صحيح مسلم ، باب الرّضا، 46 ، (1467)، النسائي ، النّكاح  15 ، (6/69)، الكتب السّتة ، مختصر التّرجمة والشرح ، الأستاذ الدكتور إبراهيم جانان، ج 15 ، مطبعة أق تشاغ، أنقرة ، ص 514).

إنّ كلّ هذه المعلومات تبين لنا مقدار ما للمرأة من قيمة في القرآن الكريم، ولكن الخرافات التى ظهرت بعد موت النّبي صلى الله عليه وسلم وعصر الخلفاء الرّاشدين بدأت تقلّل مرّة أخرى من القيمة التي مُنحت للمرأة ، وفي العنوان التالي سنوضّح مرحلة التّراجع هذه.

مرحلة الفساد وظهور الخرافات:

لقد أعطى الإسلام للمرأة المكانة التى تستحقها وأعلى من شأنها، وفي مرحلة الفساد والانهيار ظهرت العديد من الخُرافات وظهرت مرة أخرى النّظرة الخَاطئة للمرأة، فقد بدأ يُنظر إلى المرأة على أنّها تمثل نصف الرّجل ، ويجب عليها ألاّ تتزيّن ولا تتعطر ولا تتنقل، ومُنعت النساء حتى من مسّ المُصحف، ومنعوهنّ كذلك من تعلّم أمور الدّين. إنّ النساء اللاّتي تعرّضن لهذه الخرافات لا يعلمن أنّ القرآن قد مدحهُنّ وأنّهن قد خُلقن على درجة واحدة مع الرّجال. إن هذا المفهوم المتعصّب قد هضم المرأة حقّها وزاد من ظلمها.

وقد تم نقل هذه الخُرافات وتعليمها وكأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد قالها بالفعل، وافتروا على النبي صلى الله عليه وسلم بعض الافتراءات ، وها هي بعض هذه الخُرافات:

"يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ ]الحائض[وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ" قال أبو ذر: يا رسول الله ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" صحيح مسلم ، الصّلاة 265 ؛ التّرمذي، الصّلاة 253/ 338 ؛ أبو داود ، الصّلاة ، 110/ 720).  

"عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ لَهُمْ أَدَبٌ" (الشّوكاني ، الفوائد ، النّكاح ، ص 137، هـ 389/ 61).

"من تسع وتسعين اِمرأة واحدة في الجنّة وبقيّتهن في النّار"  (صحيح البخاري)

" شاوِروهُنّ وخَالفوهُنّ" (المقاصد الحسنة، 248، تذكرة الموضوعات: 128، تنزيه الشّريعة: 2/ 204 ، سلسلة الحديث: 432).

ولا يوجد في القرآن الكريم آية تدل على هذه الخرافات، ولقد تحدّث المولى عزّ وجلّ في القرآن الكريم عن النّساء كما يلي:

"إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" ( سورة الأحزاب، 35).

وكما نرى فلا يوجد في القرآن هذا الفهم المتعصّب الخطير الذي يُحقر من المرأة. أمّا الآن فسوء الفهم لمكانة المرأة هو المسيطر على شرائح كبيرة من المجتمعات في العالم. وهنا ينتهي القسم الخاص بالخلفيّة التّاريخية، وننتقل إلى القسم الخاص بتقرير الوضع الرّاهن.

 تقرير الوضع الرّاهن:

في هذا القسم المسمّى تقرير الوضع الراهن نتناول الأضرار التي تسببها هذه العقليّة على وضع المرأة في العالم عموما، وفي العالم الإسلامي وفي أوروبا وفي تركيا بشكل خاص، وسنتحدث عن التّعديلات القانونية اللاّزمة للحيلولة دُون وقوع هذه الأضرار.

الوضعيّة في العالم عامة:

كل عام يتم الاحتفال بحقوق المرأة في تواريخ معيّنة، ولكن النّساء لم يحصلن على حُقوقهن بعد، فاذهبوا إلى أي مكان في العالم وسوف ترون انتهاكاتٍ جسيمةً لحقوق المراة، فأحداث العنف والتّعذيب والاغتصاب لا تنتهي.

ولقد استمرت مساعي البحث عن حلول لهذه المسألة لقرون طويلة، ولتحقيق هذا الهدف صدرت العديد من القوانين وأُسّست الجمعيّات، وظهرت الكثير من المفاهيم مثل الحركات النسائية، أو المؤيدة للنّساء.

وطبقا لتقارير الأمم المتّحدة فإنّ 70 % من نساء العالم يتعرضن للعُنف؛ ففي العام الواحد يتعرض 500 ألف إلى مليونيْ شخص للظّلم بأشكاله المختلفة من الاتّجار بالبشر بأهداف مثل الدّعارة والعبوديّة، والنّساء والبنات يشكلن 80% من هذا العدد.

والآن نعرض على الشّاشة الغرامات المالية السّنوية النّاتجة عن استخدام العنف ضدّ الزّوجة؛  ففي انجلترا تبلغ 32 مليار جنيه، وفي استراليا 13.6 مليار دولار، وفي الولايات المتحدة الامريكية 4.1 مليار دولار، وفي نيوزلندا 1.2 مليار دولار، وفي كندا 1.16 مليار دولار.

وطبقا لبرنامج التّنمية التابع للأمم المتّحدة فإنه في أكثر من 35 دولة لا يُعتبر اعتداء الأب على ابنته جريمة، فهناك أكثر من 603 مليون امرأة  يعشن في دول لا تَعتبر الاعتداء البدنيّ داخل العائلة جريمة. أمّا منظّمة الصّحة العالميّة فتوضّح أنّ ثلث نساء العالم تعرّضن للاعتداء البدنى أو الجنسى، والنسبة الأعلى للاعتداء البدني على النّساء داخل العائلة تحدث في أفريقيا والشّرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

في الدول الإسلامية:

والآن لنوجه النّظر ناحية الدّول الإسلامية، وسنتناول حالة العراق من خلال التّقرير الذي أعدّته  منظمة مراقبة حقوق الإنسان، ونشرته في 6 فبراير  تحت عنوان " لا أحد في أمان".

وطبقًا لهذا التقرير فإنّ الآلاف من نساء العراق اللاّتي اُحتجزْن في السّجون بدون جريمة  تتعرضّن للتعذيب والاغتصاب. يقول السّيد جو استوك نائب رئيس منظمة حقوق الإنسان  في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "إنّ مسئولي قوى الأمن العراقيّة يتصرّفون كأنّ استغلال النّساء الظّالم سيجعلُ العراق أكثر أمنًا وأمانًا".

إن تلك العقلية المضطربة المشوشة مسيطرة على كل دول العالم الإسلامي، وطبقا للبحث الذي قام به وقف طومسون روترس في 22 دولة عربية فإنّ مصر تحتل المرتبة الأخيرة في ترتيب حقوق المرأة.

فنسبة 99.3 % من النّساء في مصر يتعرّضن للتحرّش الجنسي، و91% من النّساء يتعرّضن للختان، ولا يُسمح لهنّ باعتلاء أي منصب سياسي. ولا توجد امرأة واحدة في البرلمان العراقي.  كما أنّ اللاّجئات السّوريات تتعرّضن  للاعتداءات الجنسيّة، ويُجبرن على الزّواج. وأكثر من 99% من النّساء في ليبيا يتعرّضن للعنف داخل العائلة، و70 % من النّساء الأفغانيات يتعرّضن للعنف والاعتداء الجنسى من قبل الشّرطة، ولا يوجد أيّ قانون يمنع العنف الجنسي في الكويت وجيبوتى والجزائر.

والنساء في السّعودية ممنوعات من قيادة السّيارات، ونسبة النّساء الأمّيات في الدّول الإسلاميّة عالية للغاية، وتصل هذه النسبة في أفغانستان إلى 97.6%، وفي اليمن إلى 91.3 %، وفي باكستان إلى 89.2%، وفي بنجلادش إلى 86.6%.

في الدول الأوربية:

من الإحصائيات السابقة يتّضح لنا أن النّساء في الدّول الإسلامية بعيدات كل البعد عن التعليم، ولكن الدّول الأوروبية التى تزيد فيها نسبة التّعليم لا تخلو هي بدورها من مظاهر تعنيف المرأة. وطبقا لمنظمة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي فإنّ واحدة من كل عشرة نساء في الاتّحاد الأوروبي تتعرّض للاعتداء الجنسي، وواحدة من كلّ عشرين إمراة تكون ضحية الاغتصاب. وطبقا لهذه الأرقام فإنّ ضحايا الاغتصاب في الاتّحاد الأوروبي أكثر من 9 ملايين وضحايا العنف نحو 62 مليونا.

أمّا الدول التى تقع فيها هذه الانتهاكات بكثرة فهي: الدّنمارك بنسبة 52%، وفنلندا بنسبة 47%، والسّويد بنسبة 46%، وانجلترا وفرنسا بنسبة 44%.  إنّ وجود هذه الدول التي تُمتدح فيها المساواة بين الجنسين على رأس القائمة يشكل تناقضا صارخًا.

تركيا:

لا يختلف الوضع كثيرا في تركيا عما رأيناه في الدّول العربية والأوربية. والآن لنلقِ نظرةً على الاحصائيات الخاصّة بتركيا؛ ففي سنة 2013 م حدثت 783 واقعة عنف ذكوري، وفي سنة 2013م قتل 214 شخصًا، وفي السنوات الأربع الأخيرة قتلت 853 امرأة . وفي سنة 2013 م تعرّضت 167 اِمرأة للاغتصاب، وفي آخر أربع سنوات تعرّضت 626 امراة للاغتصاب. وفي سنة 2013م تعرضت 241 امرأة للعنف، بينما وصل هذا العدد في آخر أربع سنوات إلى 835 حالة. وفي سنة 2013 تحرّش الرّجال  بـ 161 امرأة .

التعديلات القانونية:

رأينا أن العنف ضد المرأة قد وصل إلى مستويات مخيفة، وحدثت تعديلات قانونية عديدة لمنع ارتكاب هذا العُنف، وآخر تطوّر في هذا الأمر كان توقيع القانون المقترح من قبل جمعية وزراء الاتحاد الأوروبي لمنع العنف ضدّ المرأة والعنف داخل الأسرة وتوقيع الاتّفاقية الخاصّة بالكفاح ضد العنف تجاه المرآة  من قبل المجلس الأوروبي في استانبول سنة 2011م.

أما العنف ضد المرأة في تركيا فقد طرح على السّاحة للنقاش سنة 1890 م، ووضعت الكثير من القوانين منذ ذاك اليوم حتّى الآن، واتّخذت الكثير من التدابير لمنع هذا العنف، ولكن ما تمّ اتخاذه لم يكن كافيا لمنع العنف. إنّ عدم اِتّخاذ تُركيا التّدابير اللاّزمة لمنع العنف داخل الأسرة جعلها الدّولة الأولى التى حكمت عليها محكمة حقوق الانسان الأوربية بدفع غرامه ماليّة.

بعد هذا القرار تم التوجه لعمل التّعديلات الدستورية، وسعت التّعديلات التى تمّت في القانون المدني  والدستور إلى تعزيز المُساوة بين الرّجل والمرأة، وتم تفعيل القانون الخاص بحماية الأسرة ومنع العنف ضد المرأة في 2012م. ورغم هذه التّعديلات الأخيرة زادت بالتّدريج وقائع العنف المؤدية إلى الموت.  

وكل هذا يُظهر لنا أنّه من المحال منع العنف ضد المرأة بواسطة القوانين فحسب،  فلن ينتهي العنف ضد المرأة ولو أُصدرت أفضل القَوانين طالما بقيت تلك العقليّة التى ترى المرأة نصف إنسان. والآن لنرى في قسم "مَا وراء السّتار" ما هي العوامل المُؤدّية إلى ارتكاب أحداث العنف ضدّ المرأة والانتهاكات بحقّها.

ما خلف الستار:

سنبحث العوامل المؤدية إلى العنف تحت ثلاثة عناوين رئيسية هي:

-       عامل نظرية داروين

-       عامل حرّية اللباس

-       عامل موازين القوى

عامل نظرية دراوين:

إنّ الفرق بين الجِنسين المسيطر على العالم نابع من نظرية التطور، فيرى تشارلز داروين أنّ المرأة أقل شأنا من الرّجل سواء من النّاحية البيولوجية أو من النّاحية الذّهنية العقليّة:

بل إنّ بعض أصحاب النظريّات قد أرجعوا الرجل والمرأة إلى نوعين مختلفين. إنّ سبب تعريف داروين للمرأة بأنّها كائن أقلّ شأنا هو عدم تعرّضها لاختبارات الطبيعة بطرق مثل الحرب. وطبقًا لهذه النّتيجة غير العلمية جعل الرّجال أعلى من النساء لأنّ الرجال مرّوا بمراحل تطور أكثر من النّساء. وهناك سبب آخر هو اعتقاده أنّ من خصائص النّساء قلة  الوعي والإدراك وبطء الفهم.

والآن للنظر إلى توضيحات داروين الخاصة بإثبات أفضليّة الرّجال على النّساء:

"إنّ أهم الفروق هي القوى العقلية بين الجنسين، فالرّجال يتميّزون بعمق التفكير والمنطق وقوة الخيال ولا يعتمدون على المشاعر، ونظرهم ليس قاصرًا. وقد وصلوا في كل عمل يُنجزُونه إلى أعلى المواقع على عكس النّساء. ولو عملنا قائمة باسم الرّجال والنّساء الذين بَرَعوا في الشّعر والرّسم والنّحت والموسيقى والتّاريخ والعلم والفلسفة فسنجد أنّه من المحال المقارنة بين القائمتين ...."

" شخص يهتم بك  من المُمكن أن يسلّيك أفضل من كلبك، ويتحمّل مسؤولية المنزل وأهله".

الكثير من الباحثين يرون أن آراء داروين كانت مشجّعة على التّفريق بين الجنسين، وعلى سبيل المثال فإنّ إيفلين ريتشارد أستاذ التّاريخ والفلسفة ترى أنّ آراء داروين عن طبيعة المرأة التى ظهرت في نظرية التطور قد استمرت من جيل إلى جيل، وأدّت إلى تغذية العنصريّة ضدّ المرأة. أمّا عالمة الطبيعة إلينا مورجان فتقول: "لقد استخدم داروين البُيولوجيا وبعض فروع العلم الأخرى وشجّع الرّجال على الاعتقاد بأنّ النساء كائن دنيء  من الدّرجة الثانية ".

عامل حرّية اللّباس:

 إن عقلية داروين المضطربة التى ترى المرأة  "نوعا دنيئًا"  لا تختلف عن العقلية المتعصّبة في العالم الإسلامي التى ترى المرأة  "نصف رجل". إنّ تلك النّظرة جعلت النّساء في كفاح ضد الانتهاكات المستمرة، ولهذا السّبب فإنّ "لباس المرأة" كان من الموضوعات التى تم تناولها كثيرًا في كلّ بقعة من بقاع العالم.  وهناك العديد من التّوضيحات والتطبيقات الخاصة بلباس المرأة. ورغم أنّ الأصل في الدّين هو الإخلاص، فسفور المرأة لا يمنع من كونها مسلمة مخلصةً. فالمرأة المنقّبة والمرأة المحجبة والمرأة السّافرة مسلمة مخلصةٌ. وهؤلاء المتعصبون يسعون لحرمان المرأة من حريّتها. غير أننا نلاحظ من الأمثلة الحيّة أنّ المجتمعات التى تظلم المرأة وتنتهك إنسانيتها ليست مجتمعات سعيدة آمنة، وهذا لأنّ حرية المرأة شرط من شروط راحة المجتمع. فزيّ المرأة وتبرّجها وزينتها يجب أن تكون باختيارها طبقا لما يُعجبها، وليس لأحد الحقّ في التدخّل في هذا الحقّ الطبيعيّ.

يجب ألا ننسى أنّه عند تحقيق المساواة بين الرّجل والمرأة وظهور النساء في جميع مجالات الحياة فسيكون المجتمع كله سعيدًا أمنا، والفيديو الذي سنعرضه الآن هو للمدير العام لوحدة المرأة في الأمم المتحدة، وهو يُدافع فيه عن هذا الرّأي.

التّرجمة التحتيّة: نحتاج إلى التمثيل الذي يُنصف المرأة بالتّساوي في الاتفاقيات وفي المجتمع وفي السّياسة وعالم الأعمال وفي رئاسة المؤسسات الدّينية. إنّ منع العنصريّة  والعُنف الذي يتم مُمارسته تجاه المرأة سوف يُساهم في جعل العالم مليئا بالسّلام والأمن وهذا لأنّ المُساوة بالنّسبة إلى المرأة هي تطور ونجاح للجميع).

عامل موازين  القوى:

نلاحظ أنّ الرّجال لا يُؤيّدون منح النساء حرّيتهن في الحياة العملية، وهذا لأن دعم النّساء سيعنى تغيّر الموازين في حياة العمل والحياة الاجتماعية والعلاقات الأسريّة. والرّجال لا يرغبون في إفساد النّظام الذي أسّسوه والدور الذي يلعبونه، ويريدون أن تكون القوّة في أيديهم باستمرار. وهم يَعتقدون أنّهم إذا أطلقوا الحرية للمرأة فستنافسهم في كلّ مجالات الحياة. إنّ تلك الاعتقادات دفعت الرّجال إلى صناعة وابتكار مجموعة من العبارات لتحقير المرأة  عبر العُصور.

وهذه بعض آراء الفَلاسفة والمثقّفين:

يقول أفلاطون: "المرأة باب جهنّم ". أمّا أرسطو فقد وصف المرأة بأنها "نصف الرّجل  بالنظر إلى طبيعتها". أمّا تشيشرُو فيقول: "لقد خُلقت المرأة حتى تمنع الرّجل من النّجاح في الأعمال الكُبرى". ويرى أنّ المرأة عائق أمام نجاح الرّجل. أمّا نيتشه فيقول: " لا تنس الإمساك بالكرباج أثناء الحديث مع النّساء" وقد جعلها جارية. أمّا تولستوي فيقول: "إنّها كائن تافه، ولهذا فإنّها تجعل روح زوجها تافهة". ويقول كلِمنْت: "يجب أن تموت من الخجل كلّ امرأة لأنّها إمراة ".

إن تلك العقلية التى سيطرت على المادية المُعاصرة ترى المرأة أداة ينبغي استغلالها، ومن جانب آخر فإنّ العقليّة الدّاروينيّة والمادّية والعقليّة المتعصّبة باسم الدّين تمنع  اليوم المرأة من الوصول إلى المكانة التي تستحقّها.

سبل الحلّ:

هناك جهود على مستوى العالم للقضاء على هذه المُشكلة، ومنها إصدار القوانين وتقديم المحاضرات وتطبيق العقوبات الرّادعة وإعداد التقارير والبحوث العلمية، ولكن مثلما رأينا في الإحصائيّات التى ذكرناها طوال هذا البرنامج فإنّ كل هذه المساعي وهذه الجهود لم تحقّق نتيجة مؤثّرة. ولذلك يجب أن نحلّ المشكلة من جذورها، إذا فما هي المشكلة الأساسيّة ؟ وتحت عنوان "سُبل الحلّ" سوف نطّلع على أصل المشكلة وكيفية حلّها.

إنّ أصل المشكلة هي البعد عن أحكام الدين في حياتنا العامة والخاصّة، وحتى نتمكن من العيش طبقا لأحكام الدين بشكل صحيح يجب على كلّ فرد من أفراد المجتمع أن يخاف الله، فالله تعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" ( سورة الحشر، 18). فالإنسان الذي يخاف الله ويعلم أنه سيُسأل عن كلّ ما عمله في الدنيا لا يعامل النساء بعنف، بل يُعاملهنّ بالحُسنى. وهو يقدّر المرأة ليس لأنه مُجْبر على ذلك بل لأنّه يخاف الله فيها، فهو يتجنب إيذاءهنّ، ويتصرّف بضمير ويظهر معهنّ أجمل الأخلاق.

لا يقتصر الأمر على منع العنف الموجّه للمرأة، بل يجب تعويد المجتمع على حبّ المرأة واحترامها. ولا يكون هذا الأمر إلاّ بحبّ المرأة باعتبارها إحدى المُعجزات الإلهية. فالإنسان الذي ينظر إلى المرأة بهذه النّظرة يرى المزايا الجميلة في المرأة ويدرك قيمتَها ويقدّرها ويُكْرمُها، ويحميها دائمًا ويتصرّف معها برحمة وعدل.

يجب أن يفهم كلّ من تربّي على الخُرافات ويعتبرُ المرأة  نصف عاقلة، وأنها تستشار ليُعمل بعكس ما تشير به، وأنها كائنٌ خُلق حطبًا لجهنم؛ إن كلّ تلك الأفكار لا علاقة لها البتة بالإسلام ولا علاقة لها أبدًا بطبيعة المرأة، وقد بين الله تعالى ذلك في قوله: " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا " ( النساء، 124).

ويجب أن نفهم أنّه في عصر المهدي عليه السلام سيتحقّق الجوّ الآمن الذي تنال فيه النّساء التقدير والحرّية والتنقّل براحة، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يذكر في معنى حديث له أنّ الأمن سوف يعمّ وجه الأرض حتى إنّ النّساء يذهبن إلى الحجّ بكل راحة دون أن يرافقهنّ رجل.  (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، ص 33).

 

في النهاية هناك واجبات تقع على عاتق النّساء وهي أنّه على المرأة أن تطوّر نفسها من جميع النّواحي، ويجب على المرأة أن وتهتمّ بكل  المجالات وتكون نشطة ومُبادرة ورائدة في كلّ  المجالات .

لقد وصلنا إلى نهاية حلقتنا من هذا البرنامج لهذا اليوم، دمتم في سعادة وهناء، وإلى اللّقاء في حلقة قادمة.

 


 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/214198/وجهة-نظر--حقوق-المرأةhttp://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/214198/وجهة-نظر--حقوق-المرأةhttp://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/Bakis_Acisi_04.jpgMon, 04 Jan 2016 21:23:00 +0200
وجهة نظر: اسطنبول أهلا ومرحبا بكم في برنامج وجهة نظر…

نحن معكم في حلقة جديدة من برنامجنا الذي يتناول موضوعات تشغل مكانا مهما على الساحة العالمية، وفي هذه الحلقة سنتناول أفريقيا الوسطى.

فالصراعات المستمرة في جمهورية أفريقيا الوسطى من المواد المهمة التي شغلت العام في الفترة الأخيرة.

إن ما حدث في الفترة الأخيرة في هذه الدولة قد وصل إلى حد الهمجية، فمشاهد العنف القادمة من هذه المنطقة تجمد الدم في عروق الإنسان، وتبين التزايد المستمر في هذا العنف.

فكيف تكونّ مناخ هذا النزاع في جمهورية أفريقيا الوسطى؟

حتى نفهم هذا الأمر فعلينا أن نبحث في تاريخ وماضي الدولة وما خلف الستار، والآن نعرض على شاشتكم البرنامج المقترح الذي اعددناه لكم.

وجهة نظر يفتح ملف جمهورية آسيا الوسطى

وستكون عناوين برنامجنا اليوم كما يلي :

في البداية تحت عنوان  " اسم الدولة  والخلفية التاريخية " سنذكر معلومات عن خصائص جمهورية أفريقيا الوسطى وتاريخها ، وتحت عنوان " تقرير الوضع الحالي " سنعرض لكم أحداث العنف الموجودة حاليا في هذه الدولة ، أما في " ما خلف الستار"  سنسأل عن سبب ومصدرا هذه الصراعات  وهدف التدخلات الدولية وسنشرح السبب الحقيقي للأحداث التى انعكست على إنها صراع دينى ، في النهاية  تحت عنوان " سبل الحل" سنتحدث عن كيفية قتل هذه الفتنة الكبرى في أفريقيا الوسطى قبل الانتشار في القارة كلها.

ملخص البرنامج:

  • اسم الدولة
  • الخلفية التاريخية
  • تقرير الوضع الحالي
  • ما خلف الستار
  • سبل الحل

التعريف بالدولة

الموقع الجغرافي

 التوزيع العرقي

 خصائصها الأخرى

الموقع الجغرافي:

 إن جمهورية أفريقيا الوسطى التي تعد من أفقر دول أفريقيا ليس له آية شواطئ على البحر، وهذه الدولة محاطة بالسودان وتشاد والكاميرون والكونغو وجمهورية الكونغو الديموقراطية و جنوب السودان ويبلغ تعداد سكانها 4.5 مليون، واللغة الرسمية لجمهورية أفريقيا الوسطي التي استقلت عن فرنسا سنة 1960م هي اللغة المحلية السنغاوية مع الفرنسية

التوزيع العرقي :

يعيش في جمهورية أفريقيا الوسطى ثقافات وعنصريات مختلفة، فخمسين في المائة من سكانها مسيحيين ( كاثوليك وبروتستنت), وثلاثين في المائة منهم انيمست أي يعبدون بالأرواح، وعشرون في المائة من السكان مسلمون، ونسب هذا التوزيع تختلف من مدينة إلى أخرى في الدولة، إن الدولة الغنية بالثروة المعدنية مثل الذهب والماس واليورنيوم ويعتمد اقتصادها على الزراعة، إن هذه المنطقة التي كانت مستعمرة فرنسية تسمى “ بانغي تشاري" ثم أضحى اسمها بعد الاستقلال جمهورية أفريقيا الوسطى، وعاصمتها بانغي وهي أكبر المدن الآهلة بالسكان، المسلمون يعيشون في المناطق الشمالية من البلاد في جهة تشاد والسودان،  ولكن العاصمة بانغي بها عدد غير قليل من المسلمين.

خصائصها الأخرى :

توجد في الدولة مشكلات كبيرة في مجال التعليم والصحة ، وقسم كبير من السكان يعيش بأمراض مثل الإيدز والجذام والحمى، ومتوسط العمر في الدولة 43.5 سنة، ومستوى القراءة والكتابة في الدولة منخفض للغاية فستين في المائة من السكان أميون لا يعلمون القراءة ولا الكتابة، ومشكلة السكن في هذه الدولة مشكلة كبيرة جدا، ففي هذه الدولة يعيش حوالي 2.2 مليون إنسان بشكل يحتاج إلى عناية تحت ظروف غير إنسانية، وحوالي  800 ألف شخص تركوا منازلهم بسبب الحروب واضطروا للمعيشة في الخيام في فقر مدقع.

نعم، عرّفنا بجمهورية أفريقيا الوسطى باختصار ولنلقي نظرة سريعة على تاريخ هذه الدولة.

الخلفية التاريخية

·       الاحتلال والاضطرابات الداخلية

·      فتنة  الداروينية  

·      الانقلابات والصراعات

الاحتلال والاضطرابات الداخلية:

عند النظر إلى تاريخ جمهورية أفريقيا الوسطى سنرى أن أول من احتلها هم الفرنسيون، فحركة الاحتلال التي بدأت عام 1890م قد انتهت باحتلال الفرنسيون للدولة كلها عام 1900م، وصارت الدولة بعد ذلك مستعمرة فرنسية ، وغير اسمها وصارت الأكوادور الأفريقية.

نالت الدولة  الحق في الحكم الذاتي  سنة 1958م بعدما استمر نظام المستعمرات  فيها حوالي ستين سنة ، واستقلت عن فرنسا سنة 1960م، وبدلا من أن يجلب هذا الاستقلال الرفاهية والبركة للدولة زاد من سعير في الحروب الداخلية.

ولقد توفي ملايين البشر في جمهورية أفريقيا الوسطى أثناء الانقلاب والاضطربات الداخلية وتعرض المسلمون لأذى كبير، ويقال إن السبب  في هذا الضرر هو سبب عقائدي، ولكن سببه هو الداروينية مثلها مثل ما هو موجود في كل العالم.

فتنة الداروينية:

ظهرت أولى الاضطرابات الداخلية في جمهورية أفريقيا الوسطى سنة 1890م  مع حركات المستعمرات التي بدأها الفرنسيون، إن حركة الداروانية الاجتماعية التي طبقت في المستعمرة توضح أنه  من المشروع استعمار المجتمعات الضعيفة، فالمجتمعات الغربية التي تعتقد في هذا الأمر ترى أنه من المشروع احتلال واستعمار الزنوج  لأنهم يعتقدون أنه اسما وأعلى منهم.

 فمواطني هذه الدولة خلال ستين سنة منذ عام 1890م قد تعرضوا للأسر وأنواع الأذى التي تراها الداروينية مشروعة، ولقد استقلت الدولة نتيجة لحركات الاستقلال التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن الفرنسيون لم يفقدوا قوتهم في الدولة وتحكموا في رئيس الدولة الذي تم انتخابه بشكل أو بآخر واستمروا في الاستعمار بصورة غير مباشرة، إن هذا الوضع قد أجج الحروب الداخلية في جمهورية أفريقيا الوسطى حتى يومنا هذا، فمؤيدي الفرنسيين ومعارضيهم في الدولة يتصارعون مع بعضهم منذ عشرات السنين، وتستمر الحرب الداخلية بكل سرعة، وما زالت الدولة تحكم بالجوع والقمع والأساليب غير الإنسانية. والآن لنلقي نظرة مختصرة على تاريخ الانقلابات التي لا تنتهي في هذه الدولة.

الانقلابات والنزاعات

مذبحة 1890:

شن الفرنسيون هجوما كبير سنة 1890 لجعل الدولة مستعمرة فرنسية ، وبعد الاحتلال الذي استمر عشر سنوات حدتت خسائر بشرية كبيرة وسيطرت القوى المسلحة الفرنسية على السكان الذين لم يكن لديهم إلا  سهامهم ، وجعلتهم عبيدا، فإن فرنسا التى استخدمت الطاقة المعدنية والبشرية الموجودة في هذه الدولة لمدة ستين سنة  اضحت مسئولة عن هذا الأمر الذي انتهى بقتل ملايين البشر.

نزاعات 1958:

عقدت أول انتخابات في الدولة التي نالت الحكم الذاتي سنة 1958م، ولقد ظهرت في الدولة نزاعات واضطرابات كبيرة في هذه السنة وفي السنوات العشر  التى تلتها، وفقد آلاف البشر أرواحهم في الصراع على السلطة حتى إن بعضهم اضطروا لترك منازلهم.

الانقلاب العسكري 1966م:

حكمت الدولة من قبل بوكاسا قائد الانقلاب العسكري الذي حدث في هذه السنة وسفك الكثير من الدماء، وزادت النزاعات أكثر في الدولة وبهذا الانقلاب العسكري تم إلغاء الديموقراطية وتحولت الدولة إلى نظام  الملكية.

نزاعات 1979:

انتهى النظام الملكي سنة 1979م بالحروب الداخلية التي وقعت في الدولة، وتم التحول إلى النظام  الديموقراطي مرة أخرى واستمرت النزاع الدامي بكل قوة.

الانقلاب العسكري 1981:

حدث انقلاب عسكري أخر سنة 1981م بدعم فرنسا لانديرا كولنجبا ، وفي هذه النزاع الداخلي مات العديد من أعضاء الأحزاب في الدولة واستمر حكم الحزب الواحد بالنزاعات الداخلية الدامية.

محاولة الانقلاب 1996-1997:

حدثت محاولات مختلفة  للانقلاب سنة 1996-1997 م تسببت في قتل العديد من البشر.

الانقلاب العسكري 2003م :

استمرت مساعي الانقلاب العسكري في الدولة منذ سنة 2000م في سنة 2003 م قام الجنرال بوزيزي بعزل باتاسيا الرئيس المنتخب وصار بوزيزي رئيس الدولة، ولقد مات في هذا الصراع الداخلي. آلاف البشر

النزاعات الداخلية في 2010م :

كان يجب عمل انتخابات في الدولة سنة 2010م ، ولكن لم تعقد تلك الانتخابات بسبب هذه النزاعات الداخلية وحدثت صراعات وصدامات كبري بين الطرفين ووقعت أحداث دامية.

صراعات  سيليكا  و بيليكا  2013:

في سنة 2013 م تولى حكم الدولة ائتلاف  سيليكا  المسلم، وحدثت أيضا صراعات وأعمال عنف دامية في الدولة. وما زالت أحدث العنف هذه مستمرة في الدولة بكل قوة وخاصة الجماعات الإرهابية المسماة تقوم بهجمات على ائتلاف  سيليكا  المسلم للانتقام للجنرال بوزيزي. سنشرح في القسم التالي هذه الهجمات وأطرافها والوضع العام الموجود في الدولة.

 

تقرير الوضع الحالي

نعم . نستمر في برنامجنا مع القسم  الخاص بتقرير الوضع الحالي والآن سنذكر كل جزء منه على حدة.

  • ائتلاف  سيليكا  
  • عصابة ضد  بيليكا  
  • عملية سان جريش
  • الحياة في جمهورية أفريقيا الوسطى

ائتلاف  سيليكا :

بدأت سلسلة الأحداث في نهاية سنة 2012م، بدأ ائتلاف  سيليكا  المنظم في شمال شرقي الدولة المكون أغلبه من المسلمين بالكفاح المسلح ضد رئيس الدولة المسيحي الأصل فرنسوا بوزيزي.

إن حكم فرنسوا بوزيزي الذي استمر في الحكم من 2003- 2013م قد أثار الشعب بفساده وسياساته القمعية طوال تلك الفترة، فتكون ضده ائتلاف  سيليكا  الذي عارض النظام ، وتكون هذه الائتلاف من خمس حركات مسلحة مختلفة في المنطقة الريفية في شمال البلاد، إن الحركة المسلحة التي تكونت في القسم الريفي من المنطقة بدأت في السيطرة على بعض المدن في 2011م، وفي سنة 2013 م استولوا على العاصمة بانغي وأسقطوا الحكومة، وأسس ائتلاف  سيليكا  حكومة مؤقتة، ووضع في رئاسة الدولة ميشيل ديتوديا الذي يكون واحدا من قادة  سيليكا ، وطلب عقد انتخابات في الدولة خلال 18 شهر.

كان ميشل ديتوديا أول رئيس مسلم للبلاد، وطبقا للاتفاقية فإن ديتوديا وأعضاء  سيليكا  سيحددون إدارة الدولة ولن يكونوا مرشحين في الانتخابات، وبهذا الشكل تشكلت حكومة جديدة في الدولة مكونة من المسلمين والمسيحيين ، وأعطيت رئاسة الوزراء  لواحد من المحاميين المسيحيين  المشهورين في الدولة وهو نيكولس تينجايا.

في يناير الماضي أجبر ديتوديا رئيس الدولة و نيكولاس تينجايارئيس الوزراء على تقديم الاستقالة ، لقد تحققت تلك الاستقالات بضغط الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول أفريقيا الوسطى، وصار السكندر فرديناند رئيسا مؤقتا للدولة حتى 20 يناير.

عصابة أنتي  بيليكا :

في فترة معارضة ائتلاف  سيليكا  لحكومة بوزيزي ظهرت مجموعة مسيحية معارضة، إن هذه  الجماعة التي دافعت عن نفسها في البداية استهدفت المدنيين المسلمين بعد ذلك ، إن هذه الجماعة التي أطلقت على نفسها اسم أنتي  بيليكا  وتعنى في اللغة المحلية “ ضد بالا" أضحت تشكل خطرا عظيما اليوم. وتتكون عصابات أنتي  بيليكا  من المجموعات المسيحية المتعصبة، ترك فرنسوا بوزيزي الذي عزلته  سيليكا  عن كرسي الحكم الدولة ثم ذهب إلى الكاميرون ثم لجأ بعد ذلك إلى بنين، جمع بوزيزي حوله مؤيدوه في فترة قصيرة وجلب معه الكثير من النقود وبدأ في الهجوم على قوات  الحكومة، وبهذا الشكل بدأت تطور أحداث العنف الأخيرة في الدولة.

 إن عصابات  بيليكا  المخلصة لبوزيزي قد هاجمت قرى المسلمين وجوامعهم ونفذت عمليات اغتيال لأعضاء ائتلاف سيليكا  ، وظهرت أعمال عنف غير إنسانية بالمرة مثل ذبح الأطفال وإسقاط الأجنة من أرحام الحوامل ورميهم كطعم للتماسيح وهم أحياء ، تتصارع  هذه العصابات مع قوى الحكومة وتسعى لإقالة الحكومة . أما أعضاء أنتي  بيليكا  فتتهم ائتلاف  سيليكا  بدعم المسلمين في أعمال العنف الموجهة للمسيحيين، ويريد أعضاء أنتي  بيليكا  الذين صاروا أكثر تنظيما بمرور الوقت طرد كل المسلمين من الدولة.

إن سلسلة الأحداث التي أدت إلى هذه الأزمة قد بدأت في بداية شهر ديسمبر 2013م ، واعتبارا من  2 ديسمبر كثفّ أعضاء أنتي  بيليكا  هجماتهم على  المسلمين العزل، وفي 5 ديسمبر تم الهجوم على منازل قادة  سيليكا  وتمت تصفيتهم ، أما أعضاء  سيليكا  القدامى الذي نجوا من المجزرة  قد لجاءوا إلى الجوامع والمدارس والمعسكرات التي رأوها آمنة ، وصرحت هيئة الصليب الأحمر أنه قد جمع من الشوارع 281 جثة ممن ماتوا في أعمال العنف في هذه الليلة.

عملية سان جريس:

في 5 ديسمبر 2013م توصل مجلس الأمن بالأمم المتحدة إلى قرار بوجوب التدخل الخارجي، وقبل المجلس القرار الذي يسمح للقوات الفرنسية وقوات الاتحاد الإفريقي بالدخول إلى البلاد، واستخدمت فرنسا قدرتها السياسية وبدأت بعملية سان جريس العسكرية في جمهورية أفريقيا الوسطى التي كانت مستعمرتها القديمة بهذا القرار الذي جعلت الأمم المتحدة  تأخذه.

أعلنت فرنسا أنها وضعت في هذه الدولة حوالي 1.600 جندي وأنها ستتولى حماية المدنيين، وصاحبت القوات الفرنسية قوات الاتحاد الأفريقي  يبلغ تعدادها حوالي 4000 ، ورغم وجود حاجة ملحة وماسة  لحماية الأقلية المسلمة الموجودة في الشمال بدأت  القوات الفرنسية بعمليتها من جهة الغرب والجنوب الغربي .

تطبق فرنسا سياسة نزع السلاح للقضاء على أعمال العنف في جمهورية أفريقيا الوسطى، ولكن هذه السياسة تطبق على وطرف واحد من طرفي النزاع، وتحت اسم نزع سلاح  سيليكا  تدخل القوات الفرنسية أحياء المسلمين وتجمع الأسلحة والآلات الحادة، وتفتش الجميع، إن مساعي نزع السلاح من جانب واحد تضعف المسلمين وتزيد من شجاعة أعدائهم من أعضاء عصابة أنتي  بيليكا ، وعقب أعمل العنف التي وقعت بدأ المسلمون الذين يعتقدون أن فرنسا قد حادت عن الإنصاف في توجيه النقد إلى فرنسا، وعبروا عن رفضهم واعتراضهم بمظاهرات جابت في  الشوارع.

  ويستمر أعضاء أنتي  بيليكا  الذين سلحهم الفرنسيون في أعمال العنف والضغط الجماعي،  ثم بدءوا في إحراق الجوامع التي لجاء إليه 4000 مسلم هربا من العنف، ويحاول 100.000 لاجئ إلى مطار العاصمة بانغي إلى الانتقال إلى الدول المجاورة.

الحياة في أفريقيا الوسطى:

طبقا لتقرير الأمم المتحدة فهناك 2.2 مليون شخص في جمهورية أفريقيا الوسطى يحتاجون إلى الرعاية والدعم، واضطر 785 ألف شخص لترك منازلهم، وهؤلاء الأشخاص يعيشون بعيدا عن منازلهم في ظروف صعبة للغاية.

إن سكان جمهورية أفريقيا الوسطى يعيشون في مستوي معيشي أقل من ظروف الحياة العادية، فتوجد أزمة في الكهرباء والمياه النظافة  في كل مكان، والتعليم والتربية يكاد يكون منعدما، والمدارس في قطاع كبير من الدولة مغلقة.

إن الحرب الداخلية تصّعب من  دخول العلاج والطعام والشراب والمواد الأساسية للحياة، فتنتشر فيها الأمراض المعدية وهناك أزمة كبيرة في العلاج، والأغلبية من أهالها يقاسي الجوع.

وأعلن برنامج الغذاء العالمي إنه بسبب الصدام القائم بين المسيحيين والمسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى يتعرض 15 في المائة من السكان إلى خطر الجوع.

ورغم هذا فالإعلام العالمي يتابع الأحداث، ولكن المظالم التي تقع على الأرض لا تُذكر في نشرات الأخبار العالمية، واغلب الدول الإسلامية لا يعلم بالضرر الواقع على المسلمين في تلك الدولة، ومن لديهم علم بهذا الأمر لا يتدخلون.

يزيد عدد القتلى رغم وجود القوات الفرنسية في العاصمة بانغي :

إن وضع المسلمين في الدولة ليس جيدا ، فالغارات على الجوامع وقتل المسلمين في وسط الشوارع في بعض المناطق يعد من بين الأحداث اليومية  ، وبعض المناطق في الدولة محرمة على المسلمين لوجود عصابة  بيليكا  التى تحاول قتل المسلمين حيثما ثقفوهم في هذه المناطق.

ما خلف الستار

·      منبع الظلم

·      الذهب والماس

·      عنصر فرنسا

·      نقاش التدخل الدولي

·      عبارة صراع الأديان

هناك الكثير من العوامل الواجب الانتباه إليها في "ما خلف ستار الحروب الداخلية الواقعة في جمهورية أفريقيا الوسطى" وأحداث العنف الموجهة للمسلمين خاصة. تعالوا لنعرض هذه العوامل واحدا تلو الآخر.

منبع الظلم:

في البداية نود أن نقول إن المسيحية لا يوجد بها عنف أو ظلم، فالمسيحية طبقا لما أوضحه الإنجيل هي دين حب، ورغم أنها فسدت بعد ذلك إلا أن الإنجيل الذي يضم أحكام الله يهدف إلى الحب والرحمة والسلامة ليس العنف.

"لو تحدثت بلغة البشر إذا لم يكن لدي حب فلن يكون هناك فرق بين صوتي وصوت النحاس أو صوت الجرس ( 13:1)

لقد قيل حب جيرانك واكره أعدائك وقد سمعتم هذا، أما أنا فأقول لك أحبوا أعدائكم وادعوا لمن ظلموكم " ( متى، 4، 43-44)

كما نرى فإن الحب يعد جانبا أساسيا من جوانب المسيحية ولا مكان أصلا للعنف فيها، ولهذا فإن عصابات  بيليكا  التي تزعم أنها مسيحية لا تطبق تعاليم المسيحية بل تعاليم الداروينية.

إن الهمجية والوحشية من موجبات الداروينية ويدافع الكثير من المؤمنين بنظرية النشوء والارتقاء عن ضرورة سحق الضعفاء، ذكر ب.ج  درلنتون في كتابه عن نظربة النشوء والارتقاء من أجل المذهب الطبيعي"  إن الهمجية نتيجة طبيعية  لنظرية النشوء ويعترف الفكر الغربي بمشروعيتها ووجوبها كما يلي:

" النقطة الأولى إن الأنانية والهمجية شيء طبيعي في داخلنا وهو ميراث لنا من أبعد جد... ، وعلى هذا فالوحشية والهمجية من الأشياء الطبيعية بالنسبة للإنسان وهي نتيجة للنشوء والتطور"(P.J. Darlington, Evolution for Naturalists, 1980, s. 243-244)

الذهب والماس :

 إن العنصر الأساسي الذي زاد من أهمية جمهورية أفريقيا الوسطى هو مناجمها الغنية بالذهب والماس واليورنيوم، ويوجد في هذه  الدولة معادن بملايين الدولارات من الذهب والماس واليورنيوم. فجمهورية أفريقيا الوسطى غنية بالمعادن، إن اغلب هذه المعادن تشكل حاجة ماسة للمجتمعات الغربية.

في سنة 2010 تم استخراج 323 ألف و575 قيراط من الماس و72 ألف و834 جرام من الذهب، في سنة 2010 م استخرجت تلك الدولة الصغيرة 312 ألف قيراط من الماس كما أنها صاحبة منجم غني باليورنيوم في منطقة بوكوما. إن هذه الدولة الغنية بالمصادر الطبيعية تحمل أهمية جيوسياسية بالنسبة لفرنسا، إن هذه الدولة التي ما زالت توجهها فرنسا من خلف ستار لم تستفد بعد بأي قسم من ثراوتها الطبيعية، ولقد غير الاستعمار غطاءه ولكنه ما زال مستمرا.

عنصر فرنسا:

فمنذ استقلال الدولة عام 1960م وتستمر الصدامات والصراعات بين مؤيدي فرنسا ومعارضيها والمسيحيين المتعصبين وعدد من المسلمين وبين القبائل، ومن العناصر التي أفقدت الدولة الحكم هي الإطاحة برؤساء الدولة وتولى حكومة عسكرية، وسعت فرنسا لتولي حكومة تعمل لمصالحها طوال الفترات السالفة، ولكن تولي المسلمين للسلطة في الفترة الأخيرة أمر أغضب المسيحيين وأغضب فرنسا أيضا، و العنف في جمهورية أفريقيا الوسطى لا ينتهي ولا يتوقف.

ورغم أن جمهورية أفريقيا الوسطى صغيرة إلا أنها تحتل موقعا مهما في استقرار المنطقة، فليس هناك تهديد إرهابي موجه مباشرة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، ولكن وجود بعض المنظمات الإرهابية مثل " أقامي " التابعة للجناح المغربي للقاعدة في شرق وشمال الدولة  يجعل فرنسا تحجم عن المخاطرة، ففرنسا تهتم بمصالحها الاقتصادية في الموجودة في جمهورية أفريقيا الوسطى وفي الدول المحيطة بها مثل الكاميرون وتشاد والكونغو. وإن الهدف من" عملية سان جريش " التي بدأتها فرنسا بزعم  حماية أفريقيا الوسطى يعد محل نقاش وجدال عند النظر إلى موقفها الجيوسياسي، وهذا لأن فرنسا ترغب التواجد في الدول المحيطة بها أكثر من  رغبتها حماية جمهورية أفريقيا الوسطى، وهذا الأمر أدي إلى حدوث نقاش وجدال حول تواجد فرنسا في المنطقة. وقبل فترة قصيرة وعد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتقديم دعم لوجستي للعملية العسكرية.

الجدال حول التدخل الدولي:

إن قرار الأمم المتحدة بالتدخل شكل أملا كبيرا لوقف المذابح الموجهة نحو المسلمين، ولكن هذا التدخل لم يعط النتيجة المرجوة منه حتى اليوم فلم يحقق الأمن في الدولة، ومن جانب أخر فإن القرار الذي أخذته الأمم المتحدة تحت تأثير فرنسا مع أن الأمم المتحدة لم تأخذ قرار التدخل في الحرب الداخلية في سوريا التي مات فيها 150 ألف إنسان قد جعل هذه التدخل محل نقاش وجدال، والأخبار القادمة من المنطقة تستفسر عن مصداقية الأمم المتحدة، فلم تتفق الأمم المتحدة في موضوع سوريا.

وتلفت منظمة العفو الدولية النظر  إلي أن قوات حفظ السلام الدولية قد فشلت في منع التطهير العرقي الموجه للمسلمين في غرب البلاد. وفد نشرت المنظمة الموجود مركزها في لندن تقريرا بهذا الشأن  في الأيام الماضية على موقعها على الانترنت.

في التقرير الذي انتقد عدم اهتمام المجتمع الدولي بالمذابح الواقعة قد ورد فيه " أن قوات حفظ السلام الدولية تظهر تسامحا مع أعضاء عصابة أنتي  بيليكا  وتتصرف ببطء في حماية المسلمين الواقعين تحت التهديد". أما بيتر بوكرت مدير المواقف العاجلة بمنظمة مراقبة حقوق الإنسان يقول " إذا استمرت أعمال العنف بهذه الصورة لن يبق هناك مسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى، والبشر الذين يعيشون في سلام منذ مئات السنين في هذه الدولة قد اضطروا لترك منازلهم أو لترك الدولة بسبب أعمال العنف التي تستهدفهم ".

ويوضح التقرير أن خبراء منظمة مراقبة حقوق الإنسان قد زارت مدنية يالوكا التي يكون أغلبيتها من المسلمين في 6 فبراير، وأوضح في التقرير أن المدينة التي كانت تضم 30 ألف نسمة قد صار فيها 500 نسمة، ولقد هدمت سبعة جوامع من عدد ثمانية جوامع كانت في المدينة، إن كل هذا أدى إلى مناقشة قرار الأمم المتحدة بالتدخل مرة أخرى. فإذا لم تتمكن الأمم المتحدة التي أسست للتحقيق السلام في العالم من منع الصراعات في العالم فماذا سيكون الحل.؟ وبأي طريقة سيتحقق الأمن والسلام في العالم كله؟ ونريد أن نوضح في القسم الأخير من برنامجنا سهولة وبساطة حل هذا الأمر، ولكن قبل أن ننتقل إلى القسم الخاص بسبل الحل نريد أن نلفت النظر إلى خطر يهدد السلم وربما يكون واحد من المواضيع التي سيتم تناولها كثيرا في الفترة القادمة وهو عبارة صراع الأديان.

عبارة صراع الأديان:

في ظاهر الأمر يبدو أن الصراع في أفريقيا الوسطى هو صراع بين المسلمين والمسيحيين، والبعض يتحدث عن احتمالية وقوع صراع بين الأديان قد يتسع ليشمل المنطقة كلها، ولكن هذا الأمر خطاء بالغ وهي عبارة خطيرة للغاية، كما أنها تحمل فكر مصطنعا يجعلها الصراع حيا مشتعلا، ولو وضعنا أمام أعيننا أن أفريقيا بصورة عامة يعيش فيها البشر من أديان مختلفة سنفهم بوضوح الخطر الكبير الكائن خلف هذه الفكرة.ويجب أن يتفق المؤمنون بخطورة هذا الأمر أن عليهم إيضاح عدم وجود  مجال ومكان للصرع في أي دين كان وتكراره مرة بعد أخرى.

 انظروا ماذا يقول رجال الدين المسيحيون والمسلمون الذين يعيشون في أفريقيا الوسطى والذين يعرفون هذا الخطر عن هذا الموضوع في الفيديو التالي ( ترجمة " راهب: لا يوجد بيننا ويينكم حرب، انظروا فعند الضرورة نفهم بعضنا بعضا، وعند حدوث شيء نتحدث مع بعضن البعض، لو كنا في حالة حرب كنا سنتمكن من فهم السبب في عملهم هذا، ولكن الحال ليس كما تقولون، فلا توجد مشكلة، فأنت جاري، فما المشكلة إذن؟".  نعم عرضنا عليكم كل المعلومات التي وجدناها مهمة عن أفريقيا الوسطى والآن لننتقل إلى الحل الذي نريد التأكيد والتشديد عليه.

سبل الحل:

ذكرنا في القسم الأول من برنامجنا، أن النظر بنظرة صحيحة إلى ما يحدث عند البحث عن سبيل للحل أمر يحمل أهمية كبرى، وإن دليلنا إلى وجهة النظر الصحيحة موجود في القرآن الكريم   

فيقول تعالي " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " ( سورة البقرة ، آية 208)

إننا نعيش في آخر الزمان طبقا لعلامات هذا العالم ، وأكبر فتن آخر الزمان هي فتنة الدجال  الذي يريد سفك الدماء في العالم أجمع ، ويلجأ إلى كل السبل للوصول إلى هذا الأمر فيحرض بكل أنواع التحريض و الداروينية  تعد من أسلحته الكبرى ، والمهدي هي القوى الوحيدة التي تستطيع أن توقف الدجال.

وقد قلنا إنا الحل سهل وقريب ، فماذ علينا أن نفعل ؟ وكيف نساهم في الحل ؟ هاهو ما يجب علينا عمله...

 1- يجب أن يتفق كل أتباع الديانات السماوية على غلبة الحب والسلام، كما شاهدنا في الفيديو السابق.

2- يجب أن نشرح بالطرق العلمية إلى المجتمعات الغربية التي تقوم بنشاطات الاستعمار تحت تأثير  الداروينية  إن الدورونية خطاء وغلط.

3-يجب على عصابات الإرهاب التي تتحرك تحت تأثير الرجعية التعصب أن تتطهر من الجهل ومن وجهة النظر الخطاء، ويجب ألا ننسى أن كل دين وكل اعتقاد يوجد في أتباعه المتعصبون، والتأكيد على أن كل الأديان قد حرمت القتل.

4- يجب دعم هذا الأمر بكل وسائل التعليم الممكنة.

5- توضيح أن السبيل الوحيد لتحقيق الحب والسلام في العالم هو طريق المهدي.

6- يجب أن يتوحد العالم الإسلامي ويكون لها رد فعل رادع وقوي بينما يقتل المسلمون في كل أنحاء العالم.

7- ويفهم أن تحقيق هذا الاتحاد لا يكون إلا بواسطة المهدي وشرح علامات المهدي في كل مكان.

8- يجب أن يتجنب المسلمون الاختلاف فيما بينهم.

وإلا فإن التدخلات العسكرية والشجب والمساعدات المؤقتة لن تكون وحدها حلا دائما لهذا الأمر، فلن تنتهي هذه الأعمال ما دامت الداروينية تسيطر على العقول ويري أن عنف وهمجية الداروينية أمر مشروع.

وبالطبع فإن هذه الأمر لن يتحقق إلا بإذن الله تعالى، والله يريد أن يفهم المسلمون أن عليهم أن يكونوا متحدين وأن يفهموا أنه لا يوجد حل غير المهدي.

وهنا ينتهي برنامجنا ، والي اللقاء في حلقة جديدة ودمتم في خير.


 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/212187/وجهة-نظر-اسطنبول-http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/212187/وجهة-نظر-اسطنبول-http://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_2.jpgThu, 26 Nov 2015 07:11:25 +0200
وجهة نظر- بُوكو حرام وجهة نظر- بُوكو حرام

 أهلاً ومرحبًا بكم في برنامج "وجهة نظر"،  

كما تعلمون يتحدث العالم الآن عن اختطاف حوالي ثلاثمائة فتاة تتراوح أعمارهنّ ما بين 12 و 17 عاما من قبل منظمة بوكو حرام الإسلامية الإرهابية في نيجيريا، ولقد سمعنا في الفترة الأخيرة أنّ منظمة بوكو حرام الإرهابية تهدد أفريقيا بصورة مستمرّة .

فلماذا اِختطفت تلك المُنظّمة البنات؟ وما هي هذه المُنظّمة التى باتت تهدد أمن نيجيريا، وكيف تم تأسيسُها؟ سنجيب على هذه الأسئلة في برنامج "وجهة نظر: ملفّ بوكو حرام".

وملخص برنامجنا اليوم سيكون على النحو التّالي: سنتحدث في المقدّمة عن منظمة بوكو حرام الإرهابيّة، ثم سنتحدّث في المسار الزمني عن أنشطة منظمة بوكو حرام والمنّظمات الراديكاليّة الإرهابيّة الأخرى. وفي تقرير الوضع الرّاهن سوف نقدّم بعض المعلومات عن الأعمال الإرهابية التي قامت بها منظمة بوكو حرام وخاصة بعد خطف حوالي 300 فتاة. وفي النّهاية سنوضّح العوامل الكامنة خلف هذه العمليّات الإرهابيّة.

·  

 ملخص البرنامج:

-       المقدمة

-       المسار الزّمني

-       تقرير عن الوضع الرّاهن

-       ما وراء السّتار

ونبدأ بالمقدّمة، وسنقوم في البداية بعرض بعض المعلومات عن بوكو حرام.

المقدّمة:

 إذا دخلت على أيّ موقع بحثيّ  وكتبت بوكو حرام وبحثت عنها ستُظهر لك بعض هذه النّتائج؛ الكنائس التى تم تفجيرها ومراكز الشّرطة التى تعرضت لهجمات، والطّلابَ والمدرّسين الذين تم إطلاق النّار عليهم والناس الذين تمّ خطفهم، وأخيرًا الفتيات المسيحيّات اللاّتي تم خطفهنّ والكثير غيرها من الأخبار...

إن الاسم الرّسمي لمنظمة بوكو حرام هو "جماعة أهل السنّة للدّعوة والجهاد".  وقد ظهرت سنة 2002م في مدغشقر عاصمة ولاية محافظة بروناي في نيجيريا تحت رئاسة محمد يوسف. ومن المعلوم أنّ هذه المنظمة قد أضحت اليوم أخطر المنظمات الإرهابيّة.  وبوكُو حرام تعنى بلغة الهُوسا التى تتكوّن من لغات القبائل النيجيريّة "تحريم التّعليم الغربي". وقد أعلنت بوكو حرام أنّ هدفها هو تأسيس دولة إسلامية في شمال نيجيريا تطبّق الشّريعة الإسلامية. تأسّست هذه الجماعة في البداية من الشّباب المتعصّب، ثم أنشأت بعد ذلك منظّمة أصوليّة متعصّبة. وفي البداية قال عنهم البعض إنّهم "طالبان نيجيريا"، فالمسلمون الّذين يعيشون في نيجيريا يقولون "إنّ بوكو حرام ليست منظّمة إسلامية، وهذا لأنّ 99 % من الأذى الذي تسبّبه منظمة بوكو حرام يمسّ المواطنين المُسلمين القاطنين في شمال نيجيريا".

وطبقا لبُوكو حَرام فكلّ شيء يتعلّق بالغَرب دنيءٌ وحرام على المُسلمين، ولهذا يجب على العالم الإسلامي نبذ كلّ ما هو متعلق بالغرب، وعلى رأس هذه الأشياء نظام التّعليم في نيجيريا. ولهذا فإنّ هذه المنظّمة ترى أنّ هدفها هم المدّرسون الذين يُعلّمون الدّروس والطّلاب والمسيحيّين الذين يَذهبون إلى الكنائس وأولئك الذين يقصدون الخانات للتّسلية.

وبالرّغم من أنّ نيجيريا ثاني أكبر دولة منتجة للبترول في أفريقيا إلاّ أنّ القسم الشمالي الذي يعيش فيه المسلمون معروف بتخلّفه وفقره المُدقع. إنّ المنظمة التى استفادت من هذا الوضع قد قدّمت دعمًا مادّيّا كبيرا للأسر الفقيرة، وأتاحت لأولادهم فرصة التّعليم المجاني في الجوامع، فانتشرت تلك المنظمة بين الفقراء. ومن الأشياء التي استفادت منها المنظمة بشكل كبير كذلك فساد الحُكومات المركزيّة في نيجيريا وغياب العدالة في توزيع الدّخل القومي. إنّ بوكُو حرام التى جمعت بين الاهتمام بدعم الفُقراء وبالتّعليم الإسلامي تُناهض التّعليم الغربي وتُكافح الفساد السّياسي، فقد صارت قوة خطيرة في المنطقة في فترة قصيرة جدًّا.

فمن الذي يحرّك بوكو حرام، هذه المنظمة التى اتركبت هذا الكم الهائل من العمليّات الإرهابيّة واسعة النّطاق؟

إنّ بوكو حرام التى وضعت على قائمة االمنظمات الإرهابية من قبل الولايات المتحد ة الأمريكيّة سنة 2002 م قد اعتبرها الكثير من خبراء الإرهاب الغربيّين امتدادًا للقاعدة في غرب أفريقيا. وطبقا لبعض المصادر فإنّ ثمّة علاقة بين بوكو حرام وطالبان في أفغانستان، وأنّها تدعو إلى تطبيق الشّريعة على طراز ما تدعو إليه طالبان. ووفقًا للتّقرير الذي أعدّه قسم الأمن الدّاخلي في الولايات المتّحدة الأمريكية فإنّه يوجد تعاون بين بوكو حرام وبين منظّمات القاعدة في المغرب الإسلامي وأن أعضاءَها يتمّ تعليمهم في معسكرات القاعدة في المغرب الإسلامي. وحسب هذا التقرير أيضا  فإنّ هذه المنظمة يتمّ إدارتها من قبل مجلس شُورى مكوّنٍ من ثلاثين فردًا، وهؤلاء الأفراد هم الذين يُديرون الخلايا الأخرى، وتلك الخلايا لا تلتقي مع بعضها البعض بصُورة مُباشرة. ويُعتقد أنّ عدد أفراد أعضاء تلك المنظّمة المُتمرّسِين يَبلغ مائة فرد. أمّا عدد الأعضاء ككلّ فهو غير معلوم. والشّيء المعروف أنّ قوانين الشّريعة الخاصة بالمنظمة يتم تطبيقها بالقوة والترهيب في 12 مدينة في شمال نيجيريا حيث يسكن المُسلمون، وهم يخططون لتطبيقها في البلاد كلّها.

والآن لننتقل إلى المسار الزّمني، هنا نجد أنّ عدد المنظمات الأصولية والمتعصّبة على نمط بوكو حَرام كثير جدًّا، لكننا سوف نلقي الضّوء على أشهر هذه المنظمات، وسف نحاول الاطّلاع على الدّور الذي لعبته مُمارسات تلك المُنظّمات - التي لا علاقة لها بالاسلام - في تشكيل الإسلامُوفوبيَا أو الخَوف من الإسلام.

المسار الزّمني:

كان أوّل صِدام بين بُوكو حَرام والدّولة في نيجيريا سنة 2003م، وفي هذا الصّدام هجمت المنظمة على مراكز للشّرطة واستولت على أسلحتها وقتل أتباعها عناصر من الأمن ثم احتلّوا المَساجد وأخذوا عشرات الأشخاص كرهائن.

وفي سنة 2009م قتلت الجَماعة أكثر من ألف شخص في الصّدامات التى وقعت بينها وبين الشّرطة، وفي العمليّة نفسها أعلنت  الشّرطة التى قامت بالغاّرة على جامع "مَاديجرو" أنها حرّرت أكثر من مائتى امرأة وطفل. وبعد قتل زعماء بوكو حرام في صدامات عام 2009م قامت المنطمة بارتكاب عمليّات مماثلة واستهدفت المدارس ومراكز الشّرطة والمباني العامّة. وبعد ذلك قامت بعمليّات ضدّ المسيحيّين والصحفيين والمسلمين. وفي تلك الصدامات قُتل آلاف الأشخاص، واُضطر أكثر من 500 ألف شخص للنّزوح من مساكنهم، وبسببها زادت المناطق الفقيرة فقرًا على فقرٍ.

استمرّت عمليّات بوكو حرام الإرهابيّة في السّنوات الخمس الأخيرة بدون انقطاع؛ ففي هَجمات عيد الميلاد التى ارتكبتها المُنظمة في سنة 2011م على العاصمة أبُوجا وكلّ أنحاء نيجيريا ومدنها قُتل 39 شخصًا وجُرح 57 آخرون.

وفي 6 يوليو عام 2012 م نفّذت الجماعة هجومًا على كنيسة في ولاية بوتشي أدّى إلى مقتل 15 شخصًا.

وفي 20 يناير عام 2012م نفّذت الجماعة عمليّات استهدفت مراكز للشّرطة ومباني حكوميّة في مدينة كانوا في شمال نيجيريا، وأوضحت منظمة الهلال الأحمر الدّولية أنّ الهَجمات التى نفذتها بوكو حرام قد قتل فيها على الأقل 178 شخصًا وسقط فيها الكثير من الجَرحى.

وفي 19 فبراير عام 2012م انفجرت قنبلة تمّ زرعها في السّوق الواقع أمام الكنيسة المُسماة " النّبي عيسي" الموجودة في منطقة سُولِيجه بالقرب من العاصمة أبُوجا، وقُتل في هذه العمليّة على الأقل خمسة أشخاص.

وفي مارس عام 2013م أعلنت بوكو حرام أنّها قد اختطفت عائلة فرنسيّة مكوّنة من سبعة أفراد، ثم أطلقت سراحها بعد شهرين. وأعلنت المنظمة أنّها قتلت الرّهائن الإيطاليّين والأنجليز واليونانيّين واللبنانيّين الذي اختطفتهم في مدينة بُوتشي في 11 مارس عام 2013م.

 أمّا في 26 إبريل عام 2013م فقُتل 44 شخصًا في الصّدام الذي وقع بين قوات الأمن النّيجيريّة وعناصر من بُوكو حرام. وفي 20 سبتمبر عام 2013م قَتل أعضاء المنظّمة الذين ارتَدوا الزّيّ العسكري  87 شخصا في مَدينة بُورنو في شمال شرق البلاد.

وفي يوم 22 إبريل عام 2013م قُتل 185 شخصا في الصّدام الذي حدث بين بُوكو حرام وقوات الأمن في شمال نيجِيريا.

إن العمليّات الإرهابيّة في هذه المنطقة لا تقوم بها بوكو حرام وحدَها، فقد شهد العالم خلال الخمسين سنة الأخيرة حدوث الكثير من أعمال العنف والإرهاب التى نفّذتها الجماعات الأصوليّة المتطرّفة في آسيا وفي الشّرق الأوسط وفي شمال أفريقيا. إن تلك الجماعات المتطرّفة المتعصّبة التى زعمت أنّها ظهرت باسم الإسلام تسعى إلى تطبيق فهمها الخاطئ للدّين وفرض أسلوب حياتها بالقوة على المجتمع. ومنظّمات مثل القاعدة والنّصرة والشّباب وبوكو حرام قد طبّقت بالفعل سياساتٍ منفّرة وعنيفة في الكثير من الأماكن. وهذه المنظّمات تعتبر كلّ من يُعارض تأويلها الخاطئ للإسلام عدوًّا لها. إنّ تلك العقلية المتعصّبة لا تتورّعُ عن ارتكاب أعمالها الإرهابية في المراكز التّجارية والأسواق والمطارات والمحلاّت والأماكن المزدحمة بالسّكان بهدف إدخال الرّعب في قلوب النّاس وزيادة شُهرتها. ويمكننا ضرب عدد من الأمثلة على ذلك، فهناك جماعة ذات علاقة بالقاعدة في الجزائر قامت باختطاف 41 شخصًا يعملون في شركة الغاز الطّبيعي بتاريخ 16 يناير عام 2013م، وقد تمّ قتل العديد من الرّهائن في هذه العملية. إنّ تلك الجَماعة أطلقت على نفسها اسم "المُوقّعون بالدّم" وتزعم أنّها تسعى إلى  نشر العداء للغرب والعمل على تأسيس حكم يعتمد على الإسلام.

وفي نيروبي عاصمة كينيا، قامت جماعة الشّباب بالهُجوم على مركز تجاريّ قتل فيه 68 شخصًا وجُرح 239 آخرون، ونفّذت الجماعة هذه العملية بحجّة قيام كينيا بعمليّة عسكرية في الصّومال. وقد دافعت الجماعة عن نفسها بالقول إنها أبعدت المسلمين من البِناية ونفّذت العملية في غير المُسلمين.

إنّ الرّأي العام العالميّ يعيش صدمةً كبيرةً بسبب هذه الكراهيّة والوحشيّة الأُصوليّة، وبالطّبع فإنّ أعداء الإسلام من أهل الفكر يستخدمون هذه الصّورة القاتمة من أجل تغذية مشاعر الإسلاموفوبيا. والذي ينبغي أن يكون عند التّعريف هو الخوف من التّعصب وليس الخوف من الإسلام، ذلك لأنّ منبع هذا الخوف ليس كلمة الإسلام التي تعنى السّلام بل منبعه هو العقائد المتعصّبة المتصلّبة.

نعم، لِنرجع الآن إلى موضوع حلقة اليوم وهو بُوكو حَرام، العنوان التالي هو تقرير عن الوضع الرّاهن.

تقرير عن الوضع الرّاهن:

قبل شهر نفذت مُنظمة بوكو حرام هجومًا مسلّحا بحوالي مائتي شخص على مقاطعة شيبوك التى يبلغ تعداد سكانها ستّين ألف نسمة، وهذه المقاطعة تابعة لولاية برُونو الواقعة في شمال شرق نيجيريا. إنّ عناصر بُوكو حَرام أدخلوا الرعب على قلوب الأهالي في هذا الهجوم وأكثروا في الأرض الفساد طوال خمس ساعات، ثمّ اختطفوا بقوة السّلاح حوالي 300 فتاة أغلبهنّ مسيحيّات يَدرسن في المرحلة الإعداديّة وكنّ يُقمن في سكن للطّالبات. وأعلن رئيس الجماعة أبو بكر شيخو عقب عملية الخطف أنّه سيبيع الفتيات في السّوق كعبيد وأنّه سيزوجُهنّ. وأعلنت المنظّمة في نهاية الأمر أنّه يجب وقف التّعليم على  النمط الغربي في الدّولة وسحب البنات من المدارس وتزويجُهنّ. والآن يوجد محتجزات لدى هذه المُنظمة يبلغ عددُهنّ 276 بنتًا. وقالت المنظمة أخيرًا إنها يمكن أن تُطلق سراح البنات مقابل إطلاق سراح أعضائها المُعتقلين.

وبتاريخ 4 مايو قامت المنظمة بخطف 11 بنتا تتراوح أعمارهنّ بين 12 و 15 من قرية وَارْبَه في لاية برُونو.

بعد أن تم خطف الطّالبات بأسبوع بدأت حملة على تويتر تحت هاشتاج "أَرْجِعُوا بناتنا" ، وهذا النشاط الذي تم في المواقع الاجتماعية نجح كثيرًا في لفت نظر الإعلام العالمي إلى هذا الأمر.

ولقد أيّد هذه الحملة كلّ من ميشيل أوباما زوجة باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة وهيلاري كلينتون وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة السّابقة والممثلون والفنّانون الأمريكان، ومَلاَلاَ يُوسف زايْ المُدافع عن حقوق الطّفل الباكستاني الذي أطلقت طالبان النّار على رأسه.

ولقد أُعلنت حالة الطّوارئ في ولاية بورنو منذ شهر مارس حتى هذا اليوم، ولهذا زاد عدد الجُنود في المنطقة، وإلى جانب ذلك تُوجد وحدات لقوى أسّسها عدد من الشّباب ومؤيدة من قبل الحكومة المركزيّة، ولكنّها لا تقوم بعمل مؤثّر.

أمّا بوكو حرام فتستمر في القيام بهجماتها، ففي 5 مايو قتل على الأقل 300 شخص في جَامْبارُو نَكَالا في بُورنو، ولقد نهب عناصر من المنظمة المدينة لمدة 12 ساعة، وتمّ قتل كلّ من واجَههُم. وليس من شك في أنّ هذه الأحداث لها جوانب خفيّة. والآن لنطّلع معا على العوامل التى كانت السّبب في تطوّر هذه العمليّات الإرهابية وتمددها بهذا القدر في قسم "ما وراء السّتار".

·  

ما خلف الستار:

-       الوضع في نيجيريا

-       الأساليب الخاطئة في مواجهة الإرهاب

-       الخطأ في النظرة إلى المرأة

-       خطأ ربط الإرهاب بالإسلام

 ولنلقِ أوّلاً نظرة على البنية العامّة لنيجيريا في "ما وراء الستار".

جمهورية نيجيريا الفيدرالية، وتسمّى اختصارًا نيجيريَا، تقع في غرب أفريقيا على خليج غنيا بين بِنين والكَاميرون وعَاصمتها أبُوجا، وأكبر مُدنها لاجُوس.

يبلغ تعداد سكان نيجيريا 176 مليون نسمة، وتعدّ السّابعة في العالم من حيث الكثافة السّكانيّة.

43.6% من سكان نيجيريا من المسلمين، وتبلغ نسبة البروتستانت 40.8% والكاثوليك 9.3%، ويوجد في دولة نيجيريا عدد قليل جدّا من اليهود.

ويبلغ احتياطى نيجيريا من البترول 37.2 مليار برميل، وتحتل المرتبة الثانية بعد ليبيا في احتياطي البترول في قارّة أفريقيا.

وبها أكثر حقول الغاز الطّبيعي في أفريقيا، وتحتلّ المَرتبة التّاسعة على مستوى العالم، وتنتج في اليوم 36 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وبهذا تحتل المرتبة الخامسة والعشرين عالميا في إنتاج الغاز الطّبيعي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ نيجيريا هي خامس دولة مصدّرة للبترول إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهي رابع دولة على مستوى العالم في تصدير الغاز الطّبيعي المُسال.

يعتمد 96% من دخلها على تصدير البترول والغاز الطبيعيى، ويبلغ دخل نيجيريا القومي غير الصّافي حوالي 510 مليار دولار، وهي بهذا تعدّ صاحبة أكبر اِقتصاد في أفريقيا.

يتمّ تشغيل مصادر البترول في نيجيريا مُشاركة بين الشّركات الدّولية والشركات المحلّية، ولكن الجماعات المحلية التى تسعى إلى أخذ نصيب من هذه المصادر الغنيّة كثيرًا ما تنفذ هجمات على المؤسّسات البترولية فتمنع الشّركات الأجنبية من نقل البترول.  ومنذ أواسط سنة 2000م تعيش نيجيريا حالة من القُصور الأمني بسبب ازدياد الهَجمات على خطوط البترول وبسبب النّهب واستيلاء الجماعات المسلحة على محطّات الإنتاج. ومن جانب ىخر فإنّ الجماعات المحلّية قد أحدثت أضرارًا فادحة في المنطقة أثناء أعمال الشّركات الكبرى، وقد أدّى هذا الأمر إلى التأثير سلبًا على مصادر المعيشة المحلّية الأساسية للشّعب مثل صيد السّمك والزّراعة.

وأكبر عائقٍ أمام في الكفاح ضدّ بوكو حرام هو الفقر السّائد في البلاد وقضايا الفساد التي تورط فيها فيها السياسيّون. فنيجيريا دولة غنيّة بالبترول ومعروفة بارتفاع رواتب أعضاء مجلس البرلمان فيها وانتشار الفساد. وقد صنّفت منظمة الشّفافية الدّولية نيجيريا في قائمة الفساد التى أعدتها لعام 2013م بأنّها الدّولة رقم 144 بين 177 دولة.

رغم ثراء البلاد بالبترول فإنّ 70 % من سكانها يعيشون تحت خط الفقر، وتبلغ نسبة السّكان الذين يعيشون بأقل من دولارين في اليوم 85% من عدد السّكان. والآن لننتقل إلى الأسباب التي تغذّي العمليّات الإرهابيّة وتشجع عليها.

الأساليب الخاطئة في مكافحة الإرهاب:

في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن قامت كثير من المنّظمات التى لها أفكار بوكو حرام نفسها بارتكاب العديد من العمليات الإرهابية. وردّا على سؤال "منذ ثلاثين عاما لم تكن هذه المنظمات موجودة فلماذا ظهرت في هذه الأيام؟" أجاب خبراء الإرهاب في الغرب والسّياسيون وعلماء الاجتماع على هذا السّؤال بأنّ السّبب في ظهور مثل هذه المنظّمات يرجع إلى عدة أسباب، أوّلها الأنظمة الفاسدة الدّيكتاتوريّة التى لم تلبّ مطالب مواطنيها السّياسية والاقتصادية. أما السّبب الثاني فهو تدخّلات أوروبا وأمريكا في الشّرق الأوسط وحدوث خسائر كبيرة في الأموال والأرواح بين أهالي المنطقة في كلّ تدخّل. أمّا السّبب الأخير، فهو فشل القوميّة العربيّة التى ظهرت بدعوى حماية الشّرق الأوسط والعرب ضدّ الغرب، وظهور الجماعات المتعصّبة التى لم تراع قيم الدّين وتعاليمه.

رغم أنّ كل هذه الأسباب بها نسبة من الحقيقة والصّحة إلاّ أنّ الدّول الغربية تعدّ فاشلة للغاية في الكفاح ضد هذه المنظّمات، فلم تكف العمليّات المحدّدة التى تنظّمها فرق مكافحة الإرهاب ولا القنابل التى تلقيها الطائرات بدون طيار لوقف المنظمات الإرهابيّة، بل على العكس زادت قوة المنظّمات الإرهابيّة في استهدافها الأبرياء من البشر.

فالعالم كلّه يحملُ همّ هذه المنظمات التي ظهرت تحت اسم الإسلام ولجأت إلى الإرهاب. ومن الواضح أنّه يجب معاقبة الإرهابيين وكل من دعمهم وساعدهم طبقًا لمعايير القوانين والعدالة الدّولية.

وأهمّ تدبير يُمكن اتخاذه ضدّ هذه المنظمات التى تدعي أنّها إسلامية هو توضيح مدى التّناقض بين الموجُود في عقولهم وبين الإسلام. وأول شرط فيمن يقوم بهذه الوظيفة هو الإسلام، وهذا لأنّ أحسن من يُوضح الإسلام هم المسلمون أنفسهم، إذا فما الذي يجب على المسلمين توضيحه وشرحه؟

وإليكم الحقائق التى تعتمد على الآيات القرآنية الواجب قولها بدل خُطب المسلمين الضعيفة غير الهادفة:

" مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ  "( سورة المائدة ، 32).

" وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "(سورة يونس، 47).

" وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"(سورة آل عمران ، 104).

" وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (سورة المائدة، 2).

"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (سورة آل عمران، 104).

"وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"(سورة فصلت، 34).

" خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ "( سورة الأعراف، 199).

" وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (سورة آل عمران، 159)

" لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ "(سورة البقرة، آية 256)

" وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "(سورة يونس، آية25 - 26)

 

الخطأ في النظرة إلى المرأة:

إن الفكر المتعصّب المعتمد على الخرافات النّابع من مصادر غير القرآن والمسيطر على أغلب دول العالم الإسلامي ينسب إلى الإسلام بصورة خاطئة، وفي تلك العقلية المتعصبة المعارضة تماما لروح الإسلام القرآن لا تعطى أيّة أهمية للمرأة. فالنساء في البلاد الإسلامية يشكلن القسم الأكبر الذي يتعرض للأذى من قبل المُجتمع بسبب عدم تطبيق أخلاق القرآن. فالعقلية المتعصبة في هذه الدّول لا ترى في المرأة سوى مخلوق من الدرجة الثانية تقوم بالخدمة والنّظافة فحسب على عكس ما هو موجود في القرآن الكريم. بل إنّ هناك اعتقادًا بأنّ شخصية المرأة محدودة بنسبة تتوافق مع خصائصها الأخلاقية ومهاراتها وبنيتها الجسدية. وبالطبع فإنّ المؤمنين من البشر يعلمون القيمة التى أعطاها الله للنساء. وهُم لم يُؤمنوا أو يصدّقوا أيّا من هذه الخرافات الخاصّة بالمرأة. ولكن بسبب بعض الخُرافات التى أنتجها الأشخاص ذوو الفكر المتعصب يرى البعضُ أنّ النّساء مخلوقات أقلّ من الرّجال. هؤلا الأشخاص ذوو المنطق المتعصب باسم الإسلام يرون المرأة نصف رجل، ويسعون لإظهار هذا الأمر. ومن الواضح أن المجتمع المتعصّب الذي لم يعط المرأة حقها ويراها أقل من الرّجل ويدّعي أنّ لها حدودًا معيّنة ويتعيّن عقابها في كلّ الأمور سيكون مجتمعًا ظالمًا كريهًا.ونحن نلاحظ أنّ الدول التي انتشر فيها التعصّب تكثر في مجتمعاتها أضرار الخُرافات غير الواقعيّة المُخالفة لتعاليم القرآن. 

 

إنّ الفكر المتعصّب المُوجه للمرأة في الدّول الإسلامية يشكل خطرًا عظيمًا، وهذا أمرٌ واضح جليّ، ولقد لفت القرآن الانتباه إلى مهارة المرأة في العلم والقدرة على الحكم والإدارة من خلال نموذج ملكة سبأ، فالمولى عزّ وجل أخبر أنّ المرأة قادرة على أن تصبح حاكمًا في قوله تعالى:

"إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ "(سورة النمل، 23).

ولقد أوضح المولى عزّ وجلّ أنّ النّساء قادرات على إصدار القرارات الصّحيحة في قوله تعالى:

"قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (سورة النمل، 44).

ولا يمكن الحديث عن دولة سليمة وقوية إلاّ إذا نالت النساء ونال الشّباب أماكنهم التي يستحقونها في المجتمع بشكل حرّ. ولهذا السّبب فإنّ إعطاء النّساء المتضرّرات من التعصّب القيمة التى يستحققْنها وحماية حقوقهن وحرّيتهن وجعلهن على درجة من المساواة في المجتمع مع الرجل في كلّ الحقوق الاجتماعية والسياسية يعدّ مسألة مهمّة للغاية. وعندما تعيش النّساء في سعادة وراحة فإنّ المجتمع يكون سعيدًا. ولقد أمر القُرآن بأن يكون للنساء الحرّية مثل كلّ أفراد المُجتمع.  

وكما نلاحظ فإنّ بعض المنظمات المتعصّبة التى تعارض أوامر القرآن ترتكب أفعالاً وحركاتٍ تتعارض تماما مع تعاليم الإسلام. وفي العنصر الأخير نود أن نبيّن خطأ نسبة الإرهاب إلى الإسلام.

خطأ نَسب الإرهاب إلى الإسلام:

إن الجهل والتعصب هو منبع الإرهاب وعلاجه هو التّعليم، ومعلوم أنّ عقائد الجماعات الإرهابية تأسّست على قواعد فاسدة، ولذلك يجب البدء فورًا بالتّعليم والتّوعية بفساد هذه العقائد سواء منها التى ظهرت باسم الإسلام أو القائمة على الفكر الماركسيّ أو القوميّة العرقيّة.

ففي المناطق التى يوجد بها تعاطف مع الإرهاب يجب أن يُبيّن لهم أنّ هذا الأمر مُخالف تمامًا للإسلام، وأنّ هذه الأفعال تتسبّب في الضّرر للإسلام والمسلمين والانسانية جمعاء، كما يجبُ تنبيه الدّاعمين للمنظمات الإرهابية أنّ عليهم التخلص والتطّهر من هذه البربرية المُخالفة للإنسانيّة. ولا شك أنّ دعم الحكومة النيجيرية لسياسات التعليم الخاصة بهذا الاتجاه سوف يؤدي باذن الله تعالى إلى نتائج إيجابية.

ويمكن للمؤمنين المخلصين في كافة أنحاء العالم المساهمة في التوعية بهذا الحلّ، وذلك بكتابة الكتب والمقالات وتوضيح موقف الإسلام المندّد بالإرهاب في مواقع التّواصل الإجتماعي والإعلام. كما يتعين توضيح أنّ التعصّب ليس من الإسلام في شيء. ويمكن التصدّي للإرهاب بنشر هذا الكم الثقافي المشتمل على أساليب التّعليم المختلفة، ومن الضروري كذ   لك مكافحة الجهل. ونشر الرّحمة التى أمر بها الله والسّلام والوئام في العالم سيقضي على الإرهاب تمامًا بإذن الله.

إن الإسلام دين الرحمة، ووفقًا لأحكام القرآن الكريم"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" "(سورة البقرة، 256)، فلا يوجد في الإسلام تلك الأفكار المتوحّشة التى أظهرها المتعصّبون مثل "مَن غيّر دينه فاقتلوه". فالإسلام دين أعطى لكلّ البشر حرّية التفكير والعبادة، وحمى حقوق البشر. والأهم من هذا أنّه دين جاء بالحرّية الحقيقيّة للبشر. فالمولى عزّ وجلّ يرجو للبشر اليُسر والرّاحة والسّعادة والفرح، فالله ليس ظالمًا لعباده.  هذا الدّين يبيّن للنّاس كيف يعيشون في أمان وسعادة وأمن، وفي وضع أجمل وأكثر راحة وفي حياة كلها متعة وخير. ويجب أن يعلم العالم أجمع أنّ الإسلام ليس هو مصدر الإرهاب، بل على العكس يجب أن يعلم أنّ الإسلام هو الحلّ الأوّل والأمثل للقضاء على الإرهاب.

نلتقي من جديد الأسبوع القادم مع موضوعات تتعلق بالحياة اليومية بإذن الله تعالى، أستودعكم الله وإلى اللّقاء.


 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211098/وجهة-نظر--بُوكو-حرامhttp://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211098/وجهة-نظر--بُوكو-حرامhttp://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_11_boko_haram.jpgTue, 03 Nov 2015 16:38:11 +0300
وجهة نظر: تركستان الشّرقية وجهة نظر:

تركستان الشّرقية

مرحبا بكم، نحن معكم مرة أخرى في برنامج "وجهة نظر". اليوم سوف نتحدث عن تركستان الشرقية. يعيش الأتراك المسلمون في تركستان الشرقية مظالم لا تكاد تنتهي منذ سنوات طويلة. ويتم اعتقال الشباب من قبل النظام الصّيني بدون سبب. أما بالنسبة إلى الذين يتهمون بمعارضته فمصيرهم التصفية بالرصاص. ويمنع على المسلمين أداء عباداتهم بصورة جماعية. ويتم كذلك نهب ممتلكاتهم المالية عن طريق ضرائب مجحفة. ويصارع الشعب من أجل البقاء على قيد الحياة في ظروف قاسية من الجوع والفقر، وفي ظل التهديد المستمر بالقتل. وهناك تعد صارخ على حقوق الإنسان في هذه المناطق التي انقطعت صلتها بالعالم الخارجي، أما الدول الغربية فهي كالعادة، لا تسمع ولا ترى ما يحدث. وبالنسبة إلينا نحن المسلمين فسوف نبقى دوما نصغي لما يكابده إخواننا في تركستان الشرقية، وسوف نواصل شرح السبل الكفيلة بوقف هذه المظالم.

وجهة نظر: ملفّ تركستان الشرقية يبدأ....

محطات برنامجنا سوف تكون على النحو التالي؛ في قسم "بطاقة هويّة" سوف نقدم معلومات مختصرة عن الموقع الجغرافي لتركستان الشرقية وطبيعتها بشكل عام، بالإضافة إلى إلقاء نظرة قصيرة على مسارها التاريخي. وفي قسم "المسار الزمني" نتحدث عن المظالم التي تُرتكب من قبل النّظام الشّيوعي في الصّين، ونتطرق إلى الحوادث التي وقعت في الصين ماضيًا وحاضرًا.

وفي قسم "تقرير حول الوضع الرّاهن" نلقي نظرة على التطورات التي حصلت في تركستان الشرقية في المراحل الأخيرة، وما عليه الوضع حاليا. كما نتحدث عن القمح المسلط على الأهالي والممارسات غير الإنسانية من قبل النظام الصيني. وفي قسم "ما وراء الستار" نجيب على سؤال مهمّ وهو: لماذا تهتم الصين بأراضي تركستان الشرقية كل هذا الاهتمام؟

وفي قسم "سُبل الحلّ" سوف نتطرّق إلى الكيّفية التي تضع حدًّا لما يعيشه المسلمون من ظلم وقمع سواء في تُركستان الشّرقية أو في أماكن أخرى في العالم

ملخص البرنامج:

  • بطاقة هويّة
  • المسار الزّمني
  • تقرير حول الوضع الرّاهن
  • ما وراء الستار
  • سُبل الحل

أجل، وسوف نبدأ الآن بالحديث عن الهويّة.

  • بطاقة هويّة:
  • إنّ المنطقة التي تُوجد فيها اليوم كلّ من كازاخستان وقرغيزستان وأوزباكستان وتركمانستان تسمّى تُركستان الغربيّة.

أمّا المنطقة التي تقع في براثِن الهيمنة الصّينية فهي تُركستان الشّرقيّة. وتركستان تعني المنطقة التي يعيش فيها الأتراك, وتضمّ المنطقة الشّرقية، وتمتدّ من بحر الخزر غربًا إلى جبال الذّهب وألطاي شرقًا, ومن جبال خراسان وقره كوروم إلى جبال الأُورال في الشّمال.

وتبلغ مساحتها 1.828.418 كم مربّع، وهي تجاور من الجَنوب الباكستان والهند وكشمير والتّبت، أمّا من جهة الجنوب الغربي فَنَجد أفغانستان، ومن الغرب تُركستان، ومن الشّمال الغربي طاجكستان وقرغيزستان وكازاخستان. أمّا من جهة الغَرب فتقعُ الصّين ومنغُوليا.

يعيش في تُركستان الشّرقية الأويغور والكازاك والقرغيز والأُوزبك والأتراك والتاتار والهويّون (مسلمو الصين) والصّينيون التّابعون لشعب الخان، والمغول والشيبيّون. ويبلغ عدد الأتراك الأويغور الذين يعيشون في تركستان الشرقيّة حوالي 35 مليون نسمة. كما أنّ أعداد الصّينيين تتزايد بسرعة.

وتقوم الحُكومة الصّينية بتشجيع الصّينيين على الاستيطان في تركستان الشرقية، فتوفّر لهم السّكن وفرص الشغل. والهدف من كل ذلك هو تحويل الأويغور الأتراك إلى أقلية في هذه المناطق، والاستيلاء على الأرض وصهر السّكان داخل النّسيج الاجتماعي في الصّين.

عاصمة المنطقة هي أُورُومْتشي، وعدد السّكان 13 مليون نسمة، وعلى إثر سياسة النّزوح اِرتفع عدد الصّينيين ليصل إلى حوالي 10 ملايين نسمة.

وتمثل الفلاحة وتربية الماشية المصدر الرّئيس لمعيشة السّكان في تركستان الشرقية. والآن لِنُلْقِ نظرةً، إذا شئتم، عبر قسم "المَسار الزّمني" على تاريخ تُركستان الشّرقية والحوادث التي وقعت خلال مَاضيها القَريب.

  • المَسار الزّمني:

يرجعُ تاريخ أراضي تركستان الشّرقية إلى المائة الثانية قبل الميلاد، يعني إلى عهد الهُونِيّين والكُوكْ تُورْك. وكانت هذه المناطق هي موطن الأتراك الأصليّ. وهي أراض إسلاميّة منذ ألف عام. وعبر التّاريخ لم تَقمْ دولة أو مملكة باسم تركستان. وبالرغم من ذلك، فإن هذه الأراضي ونظرًا لاستقرار الأتراك فيها منذ عصور قديمة أطلق عليها اسم تركستان. كما عاش في هذه الأراضي على امتداد العصور الهُونِيّون والكُوكْ تُورْك والأُويغور والقَره خَانيّون والغَزْنويُّون والخَارِزْميُّون والسّلاجقة.

وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان دخل الأتراك في الإسلام بمحض إرادتهم، وهكذا أصبحت تركستان الشّرقيّة جزء من العالم الإسلامي. وبعد اِعتناق الخَاقان صَادق بُوغْرَا الدّين الإسلامي اُعتبر هذا العهد عهدًا ذهبيّا لتركستان الشرقية.

وفي هذه الفترة اشتهرت تركستان الشّرقية بمدارسها ومؤسساتها التّعليميّة. وقد استضافت الطلاب القادمين من جميع أرجاء العالم، كما استضافت سياسيين وعلماء غيّروا وجه التاريخ من أمثال؛ أحمد يَسوي وشاه نقشبندي والإمام التّرمذي وابن سينا وأبي نصر الفارابي والزمخشري والسكاكي. كما عاش في هذه الأرض محمود قشغرلي مؤلّف كتاب "ديوان لُغة الترك" ومؤلف "كودادغو بيليغ" يوسف خاص حاجب. وقام الأتراك الذين نزحوا من هذه المنطقة بنقل الإسلام إلى دول كثيرة من العالم. وكلّ هذا يُبرز الأهمّية التي تحملها تركستان.

وفي الفترة نفسِها عاشت تركستان الشّرقية مرحلة من الظّلم الشّديد، ففي عام 1700م وقعت تحت الاحتلال الصّيني، ونالت استقلالها لفترات قصيرة. بيد أنّ الأحداث التي مرّت بها المنطقة والعالم حالت دون أن يستمر الاستقلال بتركستان الشّرقية، ومارست الصّين سياسة تقوم على القمع والظلم في هذه البلاد. وبعد انهيار النّظام الامبراطوري في الصين، لم يقم نظام مركزيّ قويّ لمدة عشرات السّنين. غيرأنّه، وعقب وصول الحزب الشّيوعيّ إلى السلطة في عام 1949م عادت الصّين في وقت قصير جدًّا لتقع فريسة نظام يقوم على القمع، وانتهجت الثّورة الشّيوعيّة معاملةً خاليةً تمامًا من كلّ رحمة. وأول إجراء قام به الصّينيون بعد الثّورة الشّيوعية هو تغيير اسم المنطقة، وأصبح الاسم الجديد الذي ابتدعته الصّين هو "المنطقة المستقلة للأويغور بسنجان".

ثم بعد ذلك دأبت الصّين على تطبيق سياسة اِمبرياليّة على شاكلة سياسات الدّول الامبريالية، وانتهجت سياسة قاسية تجاه عقيدة الشّعب وعاداته وتقاليده وممارساته الدّينيّة. أما الدّعوات المطالبة بالاستقلال فقد وُوجهت بالعنف الشّديد. وتمّ إجلاء النّاس من أراضيهم وإسكان الصّينيّين في مكانهم. واعتبرت الحكومة الدّمويّة الصّينية تركستان الشّرقية أراضٍ تابعةً لها، ورفضت التخلّي عنها. وخاضت مواجهة قاسية مع شعب تركستان المسلم. وكانت أُولى تلك المواجهات ضدّ عقيدة المسلمين، فأغلقت جميع مدارس التّعليم الدّيني، واعتقلت رجال الدّين وقتلت الكثير منهم. وتم رفع صور ماوتسيتونغ و أعلام الحزب الشّيوعي على المساجد، وأجبرت المسلمين على الوقوف احترامًا لهذه الصّور والأعلام. وقد تمّ اعتقال الكثير من المسلمين إمّا بتهمة الانتماء التّركي أو الانتماء الإسلامي، ونُفّذ فيهم الإعدام. وفي مظهر آخر من مظاهر القمع نُفذت عمليات تهجير جماعيّة، والعديد من المسلمين الذين تم إجلاؤهم بالقوة فقدُوا حياتهم بسبب ظروف الطقس القاسية، وهذه محطّات دامية في تاريخ تركستان:

  • ما بين 1949م – 1952م 2.80000
  • ما بين سنتي 1952 – 1957م 3.509000
  • ما بين سنتي 1958- 1960م  6.700000
  • ما بين 1961 – 1965م
  • 13.300000

تم قتل مسلمي تُركستان الشّرقية بطرق مختلفة، ومنذ عام 1965م حتّى اليوم تم قتل 35 مليون مسلم من تركستان الشّرقية. وبالمُوازاة مع ذلك، تمّ خلال هذه الفترة العمل على صهر هويّة المسلمين والقضاء على كيانهم. ومن جانب آخر وقع إسكان الصّينيّين في مناطقهم. وهكذا مُنع المسلمون من المطالبة بحقوقهم  في هذه الأرض.

أراد النّظام الماوي جعل تركستان الشّرقية إيالةً من إيالات الصّين ومن الطّرق الأخرى المستخدمة الإجبار على عمليات الإجهاض في إطار ما عرف بـ" نظام العائلة"، والآن في النّظام الماوي الأحمر يتمّ إجبار النّساء الأيغوريات على الأجهاض. بل تقول الأخبار إنّه يقع قتل الأطفال في أول ولادتهم. وتتواصل سياسة الصّين الشّيوعيّة الظّالمة وعمليات تذويب الهوية القسريّة حتى يومنا هذا.

ونواصل الحديث عن هذا الموضوع في قسم "تقرير حول الوضع الرّاهن".

تقرير حول الوضع الراهن:

سوف نبدأ ببعض المعلومات الإحصائية:

الأرض التّركستانية تقع تحت الاحتلال منذ 65 عاما... وفي عام 1955م تمّ إعلان اسمها "منطقة الحكم الذاتي لأيغور سنجان"، وبالرغم من ذلك فقدت تركستان الشرقية حكمها الذاتي من جديد من قبل الصين.

مثلما هو معلوم استولت الصّين الشّيوعية على أُورمتْشي في عام 1994م، وفي ما بين سبتمبر 1999م وسنة 2000م تم القبض على 917 شخصًا في ولاية "هوتن" بتهم "انفصالي" و "متديّن" و"إرهابيّ". وفقد 7 من بين هؤلاء المعتقلين حياتهم في السّجن بسبب التّعذيب والمرض.

وبتاريخ 8 سبتمبر 1999م صدر الأمر بجمع المصاحف والكتب الدّينية من البيوت في تركستان الشّرقية، وأُعلن أنّه سوف يتمّ اعتقال كلّ من لا ينفّذ الأمر ويسلّم ما بحوزته.

واعتبارًا من تاريخ 1 سبتمبر سنة 2002م تمّ إلغاء التّعليم باللغة الأيغورية في المدارس العليا بتركستان الشّرقية واستبدلت التّعليم باللغة الصّينيّة.

وعند النّظر إلى التّاريخ القريب نعرف أنّه في عام 2009م سقط في أُورمْتشي 3721 من إخواننا المسلمين شهداء وجُرح الآلاف. وفي عام 2009م وجهت منظمة العفو الدولية نداء إلى حكومة بيكين وطالبتها بالإعلان عن عدد الذين تم إعدامهم. بيد أنّ الحكومة الصّينية صمّت أذنيها عن هذا النّداء.

ولقيت الأحداث التي وقعت في رمضان الماضي صدًى واسعًا في وسائل الإعلام العالميّة، وصرّحت الصين أن 96 شخصًا فقد حياته في هذه الأحداث، لكن لا يُعرَف إلى أيّ مدى تعكس هذه الأرقام الحقيقة.

وعلى إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر شدّدت الصّين من ممارساتها القمعيّة بحجة محاربة الإرهاب، وقد حالت السّياسات القمعيّة دون وصول المنظمات العالمية إلى المنطقة، وهذا ما عرقل دخول المساعدات الإنسانية، وأصبح من غير الممكن تحديد ما يحصل من عبث بحقوق الإنسان على عين المكان. ومن بين مظاهر الإخلالات بالحقوق في المنطقة ما يلي:

  • التعدّي على الحقّ في الحياة
  • التّمييز العرقي والديني
  • منع التّعليم باللغة الأم
  • الحد من حرّية التعبير
  • منع التّعليم الديني
  • حرمان المنطقة من الاستفادة من المصادر المحلّية
  • التّهجير القسري
  • الحدّ من حرّية التنقّل

وضعت الصين في هذه المنطقة نحو مليون عسكريّ، وأصبحت أنفاس المسلمين في تركستان الشّرقية تُحصى عليهم، ويتم تفتيش السّيارات واحدة واحدة في الطّرقات ومراقبتها بواسطة نقاط التفتيش المنتشرة في كل مكان.

وأثناء عمليّات التفتيش يتعرّض الرّجال إلى الإهانة، ويتم الاعتداء على النّساء المُسلمات، واختطاف الفتيات واغتصابهنّ و إجبارهن على ممارسة الفاحشة. كما يتمّ نقل النّساء والفتيات إلى الصّين ومنعهن من العودة، وتحرم العائلات من معرفة أيّة أخبار عن الأقارب.

يتمركز الجيش الصّيني-  الذي يطلق عليه جيش التحرير الشّعبي - في كلّ مكان، فالتّحرك محدود ومراقبة الشرطة لا تتوقّف، ولا تُوجد هواتف إلاّ في قرى قليلة، وحتّى هذه الهواتف يتم التنصت عليها. ويمكن لأيّ شخص أن يقبع في السّجن لمدة سنوات بسبب شبهة فارغة.

يتمّ اعتقال المسلمين بشكل عشوائي واقتيادهم إلى مخيمات الأشغال، ويتم إعدامهم بتهم وجرائم لا أساس لها من الصحة. ويضطر إخواننا الأيغور إلى إخفاء عباداتهم لأن أداء الصلاة والصيام غير مسموح به، كما يُمنع عليهم التّعليم الدّيني.

ومن أجل الحدّ من زيادة أعداد المسلمين يتم انتهاج طرق بعيدة تمامًا عن أيّ

إنسانية، فيقع إجبار النّساء على إسقاط الحمل. ومن يكون لديه أكثر من طفل يُؤخذ منه عُنوةً.

في منطقة تركستان الشرقية يتمّ منذ عام 1985م إجراء مراقبة صارمة على الولادات وانتهاج سياسة الإجهاض، ويمنع الشّعب الأيغوري من إنجاب أكثر من طفل في المدن وأكثر من طفلين في الرّيف. ويقع تطبيق سياسة الإجهاض الجماعيّ دون اتّخاذ أية تدابير صحّية.

كان شعب الأويغور يمثّل الأغلبية، ونتيجة للسّياسة المتّبعة يراد تحويلهم إلى أقلية،  والشّعب الآن في صراع ضدّ خطر الذّوبان ... وأفضل طريقة للمقاومة هي تمكين الشعب من تعليم جيّد، والحكومة الصّينية تسعى إلى منع حدوث ذلك وتغلق الباب أمام التّعليم الجيّد للشّعب؛ فهي تعمل على التقليل من أعداد الوافدين على المدارس، وخلال 30 عامًا الماضية تم تغيير الحُروف ثلاث مرات، والآن يتم التّعليم بالصينية بشكل كامل. بمعنى أنه يتم انتهاج جميع السّبل من خلال التّعليم لحرف الشّعب عن هويّته.

وفي المجال الصّحي تُوجد مأساة حقيقيّة، هو وضع كارثيّ بأتمّ معنى الكلمة، فسبب ارتفاع أسعار العلاج لا يتمكّن الشّعب من تلقّي خدمات صحّية كافية. وبسبب النّقص في الخِدْمات الطّبية يكون الموت مصير 70% من المرضى، ونسبة الوفيات لدى لدى الأطفال 20%.

ولا تقتصر المظالم الصّينية على شعب تركستان الشّرقية فحسب، بل تشمل الشّعب الصّيني والمنتمين إلى الأعراق والدّيانات والمجموعات الأخرى. بيد أنّه إزاء كلّ هذه المآسي والمظالم لا توجد أيّة منظقة أودولة تستطيع وضع حدّ لها. ولم تتمكن الأمم المتحدة من عمل أيّ شيء لكون الصّين عضوا في مجلس الأمن، كما أنّ الدّول الكبرى لم تحرك ساكنًا بسبب المصالح الاقتصاديّة.

حسنا، لماذا تصرّ الصّين على الاستحواذ على هذه الأراضي؟ بعد قليل نطّلع على الأحداث من خلال "ماوراء الستار".

  • ما وراء الستار:

إنّ تُركستان الشّرقية مهمّة جدّا بالنسبة إلى الصّين لأنها تمثل كنزًا بسبب ما تحتوي عليه من معادن وبترول وغاز طبيعيّ.

فما يُستخرج من الصّين من معادن 78% منه يتم استخراجه من أراضي تركستان الشّرقية، وهناك 148 نوعًا من المعادن يتمّ اِستخراجه من أراضي جمهورية الصّين الشّعبية 118 نوعًا منها يتمّ تحصيله من أراضي تركستان الشّرقية. ونجد من بين هذه المعادن؛ الفحم والحديد واليُورنيوم والمنغنيز والكروم والرّصاص والبريليوم واللّيثيوم والذّهب.

وفي البلاد توجد  25 منطقة تحتوي على الذّهب و7 مناطق تحتوي على الفحم و7 مناطق تحتوي على الرّصاص، و10 مناطق تحتوي على الحديد، و3 مناطق تحتوي على الأورانيوم. وبالإضافة إلى ذلك يُوجد في تركستان الشّرقية 500 موقع لاستخراج البترول و30 موقعًا لاستخراج الغاز. وحسب المصادر الرّسمية الصّينية فإنّ المخزون الذي تم اكتشافه هو ما بين 20 و 40 مليار طن، وكلّ عام يتمّ نقل ما قدره 10 ملايين طن إلى الصّين. ويعتقد أنه في صحراء طَكْلَمَكان وحدها يبلغ المخزون نحو 50 مليار طن تقريبًا. وبالنّسبة إلى المخزون الذي تمّ العثور عليه من الفحم في تركستان الشرقية والذي يبلغ 22 تريليون طن فهو يمثل نصف المخزون الصّيني كلّه. ونظرًا لاحتواء الفحم في تركستان الشرقية على نسبة قليلة من الكبريت فإنّه يعتبر نوعيّة ذات جودة عالية جدّا، وهذا يجعله ذا قيمة كبيرة للغاية.

وبالإضافة إلى كل هذا تحتوي تركستان الشّرقية على مساحات زراعيّة تمتد على 150 كلم مربّع، وهي تنتج محاصيل متنوعة مثل القمح والذّرة والشّعير والعنب والبطّيخ والتين. وتمتد الغابات التي توجد في جبال الآلهة وجبال الألطاي على مساحة 12 ألف كلم مربّع. وهي توفّر نوعًا رفيعًا من الأخشاب. هذا الثّراء الطبيعي الذي تتميز به تركستان الشّرقية يفسّر لنا السّر وراء تمسك الصّين بأراضي تركستان الشّرقية وإصرارها عليها.

حسنا ما هو السّبيل إلى خروج الأتراك الأويغور من هذه المظالم والخلاص منها؟

  • سبل الحلّ:

ذكرنا أنّ الصّين أخلّت بحقّ تركستان الشّرقية في الحكم الذاتي، ولا يوجد استقلال لتركستان الشّرقية في المجال الاقتصادي، وجميع مصادرها يتمّ نهبها من قبل الصّين والشّعب الأُيغوري يُعاني أشدّ المعاناة من الفقر والجُوع. والحال أنّه وفقا للمواثيق الدّولية على الصّين أن تلتزم بمنح تركستان الشرقية الحقّ في الحكم الذّاتي وعدم الإخلال بذلك. وفي الحقيقة لو أنّ الصّين اعترفت بالحُكم الذّاتي لتركستان الشّرقية وباستقلالها الاقتصادي فإن ذلك يعود عليها بفوائد عظيمة جدّا.

فشعب تركستان الشّرقية سوف ينتج داخل حدوده بشكل مريح، ويعيش بكامل حرّيته ويتخلّص من الخوف والقمع ... وهذا المجال الجغرافي سوف يُصبح مركزًا مهمّا

 للاستثمار الصّيني. ومن الأمور الأخرى التي ينبغي على الصّين تغييرها هي عقوبة الإعدام، فعلى الصّين أن تلتحق بأوروبّا في هذا الموضوع. ومن الضروري قبل كلّ شيء رفع عقوبة الإعدام، لأنّ الإعدام ممارسة وحشيّة لا تمتّ للعصر بأيّة صلة.

إنّ الّذين يبنون سلطتهم على الخوف هم في الحقيقة يُطبّقون نظامًا بربريًّا ظالمًا. وإذا كانت الصّين تعتقد أنّها سوف تؤسّس للأمن والاستقرار بهذه الطريقة فهي ترتكب خطأ فادحًا، فهذا النّهج لا يجلب للبلاد سوى الخوف والبلاء.

والصّين باعتبارها دولة عظيمة ينبغي أن لا تتحوّل إلى امبراطورية للخوف بل امبراطورية للمحبّة وهذا هو ما يخدِم مصالحها.

الصين لا تريد للعالم أن يعرف ما يحدث في تركستان لاشرقية من مظالم، وهي تسعى إلى نسيان هذه المنطقة. ولهذا لاسبب أغلقت هذه المناطق أمام الإعلام لاعالمي وأصبح من لاغير ممكن أخذ معلومات سليمة عما يجري هناك. ومن الضروري وضع حد لهذا الوضع المتكلس، واتباع سياسة أكثر شفافيةز ويتعين تمكين المنظمات الحكومية والدولية ووسائل الإعلام العالمية من الدخول إلى هذه المنطقة المناطق والوصول إلى مصادر المعلومات الصحيحة.

من المَعروف أنّ الصّين تقوم بتجارب نوويّة في أراضي تركستان الشّرقية، وهذا الأمر لا يحتاج إلى كثير من الشّرح، والأسلحة النووية لايمكن قبولها وهي ممارسات غير إنسانيّة، وتأثيرات الأسلحة النووية على البشر والشّجر لا يمكن تخيّلها. وهذه التأثيرات المدمّرة تتجاوز حدود البلاد وتستمر عبر الأجيال.

تستمر التّجارب النّووية في الفضاء منذ سنين طويلة، ورأينا تأثير القنابل التي ألقيت على هيروشيما ونكازَاكي ... وهذه المآسي أثبتت إلى أيّ مدى لديها القدرة على إحداث تدمير واسع، ولهذا السّبب يتعيّن وضع حدّ لهذا الجُنون ليس لدى الصّين فقط بل لدى جميع الدّول التي تمتلك أسلحة نوويّةً.

من أجل وقف المظالم التي تحدث في تركستان الشّرقية هناك واجب كبير مُلقى على كاهل المسلمين، والشّيء الأكيد الذي يتعيّن علينا عمله هو تطبيق الحلّ الذي بيّنه الله تعالى لنا... فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكونُوا إخوةً مُتعاونين متوحّدين من أجل إحلال الطمأنينة في العالم أجمع.

الحلّ الوحيد لوقف المظالم التي ترتكبها الصّين، ومن أجل التّوصل إلى نتائج أكيدة وحاسمة هو تحقيق الوحدة الإسلامية... وما يتعين على جميع المُسلمين اليوم عملُه هو التأكيد على كوننا إخوة رغم اختلافنا، كما يتعيّن وضع الخلافات المذهبيّة والصّراعات الفكرية جانبًا والتوحّد سريعًا من أجل إقامة الاتّحاد الإسلامي على نحو عاجلٍ.

إذا توحّد أكثر من مليار مسلم في كتلة واحدة فإنّهم سوف يخلُقون قوّة مُؤثرة تأثيرًا عظيمًا، ولن يبقى هناك مجال لإذلال المسلمين وإهانتهم وقمعهم وإذاقتهم أنواع الظلم. بيد أنّ هذه الوحدة لا تعني أنّها سوف تكون موجّهة ضدّ طرف بعينه أو حركة للانتقام أو عنصر تهديد، بل سوف تكون مؤسِّسَةً للسّلام والأمن في العالم أجمع. وبتأسيس الاتّحاد الإسلامي سوف يعمّ النّور ليس المجتمعات الإسلامية والتّركية فقط، بل العالم كلّه.

  • الخاتمة:

إلى هنا نختتم حلقتنا من هذا البرنامج، وفي الأسبوع القادم سوف نكون معكم مجدّدًا في موضوع جديد مع برنامج" وجهة نظر"، نَرجو لكم أسبوعا مُمتعًا، وإلى اللّقاء.

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211068/وجهة-نظر--تركستان-الشّرقيةhttp://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211068/وجهة-نظر--تركستان-الشّرقيةhttp://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_17.jpgTue, 03 Nov 2015 03:25:40 +0300
وجهة نظر: أحداث الشّوارع

وجهة نظر: أحداث الشّوارع

 

أهلا ومرحبا بكم في "وجهة نظر" مع موضوعات جديدة تشغل الرّأي العام ، اليوم سنتناول موضوع "أحداث الشّوارع"، هذه الأحداث التى انتشرت كثيرًا في كلّ منطقة من مناطق العالم منذ فترة طويلة.

وجهة نظر: ويبدأ ملف أحداث الشوارع...

ولنلق أولاً نظرة على ملخّص برنامجنا: في "المقدمة" سنتناول الفرق بين الاحتجاجات السّلمية والاحتجاجات غير السّلمية، وسنتحدث قليلاً عن قانون المسيرات والمظاهرات، وعقب ذلك سنلقي نظرة في قسم " المسار الزّمني" على أحداث الشّوارع عبر التّاريخ، وسنرى أثر الثورة الفرنسية والثّورة الصّناعية على أوروبّا وعلى الدّولة العثمانيّة. وسنتناول الأحداث التى حدثت في التّاريخ القريب في الشّرق الأوسط وفي أوروبا والرّبيع العربي، ومظاهرات غازي بارك. أمّا في قسم "تقرير الوضع الرّاهن" فسوف نلقى نظرة على مظاهرات قوباني أو عين العرب، وسنتحدث عن قانون الأمن الدّاخلي الذي صدَر حديثا، وسنتناول أيضا أحداث الشوارع المُعاصرة خارج الوطن. وفي "ما وراء السّتار"  سننظر في الأسباب الرّئيسية لهذه الأحداث ومرتكزاتها العقائدية والفلسفة التى تشكّل أساس العنف، وفي النّهاية نختم حلقتنا بـ "سُبل الحل".

ملخص البرنامج :

* المقدّمة

* المسار الزّمني

 * تقرير الوضع الرّاهن

* ما وراء السّتار

 * سبل الحلّ

ويبدأ برنامج وجهة نظر بالمقدمة ...

المقدمة:  

إن التّظاهر السّلمي من مقتضيات الدّيموقراطية والحرّية ، وطبقا للدّساتير فمن حقّ الجميع تنظيم اجتماعات ومسيرات سلميّة. فحقّ التّجمهر السلمي معترف به في البيان العالمي لحقوق الإنسان، وفي اِتّفاقية الحقوق المدنيّة والسّياسية التى تعتبر تركيا عضوا فيها منذ سنة 1966م، وهي موقعة كذلك على الكثير من الاتّفاقيات الأخرى مثل اتفاقية الحقوق الأساسيّة وحقوق الإنسان الأوروبي التى هي عضو فيها كذلك منذ 1950م .

طبقا للمادة 34 من الدستور التركي  فلكل مواطن الحق في تنظيم اجتماعات ومسيرات ومظاهرات غير مسلحة أو عنيفة دون الحصول على إذن مُسبق، وهذا الحق يمكن تحديده بدستور أو بأهداف أخرى  مثل حماية الأمن  القومي والنّظام العام ومنع وقوع الجرائم، أي أنّ هناك بعض القواعد التى على المتظاهرين والمسئولين الالتزام بها، وقانون  الاجتماع والتّظاهر رقم 2911  ينظم هذه القَواعد .

والآن لنلقِ نظرةً على بعض مواد هذا القانون لكي نرى الفرق بين المظاهرات السلمية وأعمال العنف.

طبقا للمادة العاشرة من قانون الاجتماعات والمظاهرات يجب على الأشخاص المنظّمين لاجتماع أو مسيرة  إبلاغ المسئولين بالهدف من التّظاهر وزمانه ومكانه. وفي المادة 23 توجد قائمة بالأعمال المخالفة لقانون الاجتماعات والمظاهرات، وتتمثل في:

-       استخدام الأسلحة الناريّة والمواد المتفجّرة وكل الأسلحة البيضاء القاطعة والحارقة، أو الوسائل الأخرى مثل  الحجارة و العصيّ.

-        حمل شعارات خاصة بمنظمات غير شرعيّة.

-       تغطية الوجه بالقناع أو القماش.

-       حمل اللّوحات والإعلانات التى يعتبرها القانون جريمةً، أو إطلاق الشعارات المجرّمة.  كلّ هذا يعدّ من الأمور المخالفة للقانون.

وحتى تكون المظاهرة سلمية يجب تنظيمها بالشّكل الملائم للمعايير الدّولية، والمعلومات المتعلّقة بهذا الموضوع  تحتلّ مكانًا في تقارير الأمم المتحدة الخاصّة  بالحرّية في عمل الاجتماعات والمظاهرات السّلميّة، وبالإضافة إلى هذا فقد نشرت منظمة التّعاون والأمن الأوروبّية ولجنة الدّيموقراطية التّابعة للمجلس الأوروبّي  دليلاً للاجتماعات والمظاهرات السّلمية .

ولكننا في أغلب الأحيان نرى الأنشطة الدّيموقراطية السّلمية قد تتعرض للاستفزاز والتّهييج، ولأنّه يتمّ التّحرك وسط أعداد غفيرة فقد يدخل بين المحتجّين عناصر لا يمكن السّيطرة عليها، وقد يتحول الاحتجاج إلى عمل ارهابي ويتفجّر العنف. وإذا طال الأمر تتدخل في هذه الأحداث المؤسسات الدّولية والصحف الأجنبية والمؤيدة والجماعات المتطرفة والجماعات غير القانونيّة ، وهكذا يتحول التظاهر الذي بدأ سلميّا في فترة قصيرة إلى  تحرك عنيف.

وبالطبع لا يمكن الحد من حقّ التّظاهر السّلمي لأنّ هدفه في الأصل لم يكن ارتكاب العنف والجريمة ، وبالطبع أيضا لا يُعطى الإذن للفعاليات التى تحتوى على أعمال عنف. وقد أوضحت منظمة التعاون والأمن الأوربي في دليلها أنّه في هذه الأحوال يمكن التّدخل، فيمكن تفريق كلّ المتظاهرين في المظاهرة السلمية عند اللّزوم.

ولننتبه إلى الانطباعات العامّة المتعلقة بالمظاهرات، إذ أنه إذا لم يسمح في بلد ما بالاعتراض  والمُعارضة فعلى الفور يبدأ النقد واعتبار هذه الدّولة غير ديموقراطية. وإذا سُمح بالاعتراض والتّظاهر  فقد يتسلّل المحرّضون وتظهر أعمال العنف في أحوال معيّنه ، وقد يؤدي هذا الأمر إلى إفساد استقرار الدولة وأمنها، وقد يؤدّي إلى أضرار اقتصادية وتفاقم المشاكل الأمنيّة.

إذا شئتم لننطلق الآن في جولة تاريخية عبر "المَسار الزّمني" لنرَى كيف تحوّلت المظاهرات والأعمال التى بدأت ديموقراطيّة حرّة، وانحرفت بسبب التّحريض في طريق العنف والفَوضى.

 

المسار الزّمني:

كانت الثورة الفرنسيّة تمثل نقطة تحوّل في تاريخ العالم، وقد بدأت الثّورة الفرنسية عام 1789م بثورة الشّعب والطبقة البُرجوازية أو أهالي الطبقة المتوسطة على الملك والأعيان والرّهبان، وكان من أهمّ أسباب هذه الثورة هو الحصُول على الحرّية والمساواة بسبب نظام الحكم الذي اِتّبعه الامبراطور، والآن لننظر إلى تاريخ الثّورة الفرنسيّة عن قرب.

كانت الطّبقة الارستقراطية لها ميزات كبيرة في إدارة الدّولة، وعلى إثر التّطور الصّناعي زادت الطبقة البُرجوازيّة ثراء وسطوة وبدأ النّاس يُطالبون بحقوقهم. وهذا الاضطراب الاجتماعي أدى إلى اضطراب اقتصادي، فبينما كان المُلوك وكانت الطبقة الأرستقراطيّة في راحة ورفاهية، كان الشّعب يئنّ تحت وطأة الضّرائب الثقيلة ويُقاسي من الجوع والفقر. وتسبب انعدام المساواة والظلم الذي يُمارسه جامعو الضّرائب في اندلاع اضطرابات القروّيين، وعقب ذلك أعلن ممثلو الأهالي الذين يدفعون الضّرائب تشكيل مجلس الأمّة الخاص بهم في 17 يونيو سنة 1789م.

لم يرض لويس السّادس عشر ملك فرنسا في تلك الفترة بهذا المجلس الوطنى، وأمر بحلّه، ولكنّ أمره لم ينفّذ. وفي يوليو تحوّل إلى مجلس مؤسّسين، ثم إنّ الشّعب ضاق ذرعًا بالملك وبلغ درجة الغليان بعد حلّ المجلس فأعلن الثورة في باريس.

وفي 17 يوليو عام 1789م استولى المعتقلون السياسيّون على قلعة الباستيل التي كانُوا بدَاخلها وحرّروا المساجين، وهُدمت جميع الأديرة وقُصور الأقطاعيّين، وفقد الملك كل صلاحياته دفعة واحدة، وبدأ الارستقراطيون في الهروب من البلاد. وأسس المجلس نظام الولايات لمنع الاضطراب. وفي 28 أغسطس نُشر بيان حقوق الإنسان الذي يُعلن أنّ جميع المواطنين متساوون في الحقوق، وأًعلنت الجمهورية في عام 1792م وأُعدم الملك بعد أن اُتهم بالخيانة في عام 1793م .

بدأت الثورة الفرنسيّة بعد أن انتفض الشّعب مُطالبًا بالحريّة، ولكن تم سفك الكثير من الدّماء أثناء الثّورة، فقد قتلَ الثّوار أكثر من مليون من البشر بتهمة معاداة الجُمهوريّة، حتّى إنه قُتل أكثر من مائتى ألف شخص في منطقة "وندي"، وتعتبر هذه أوّل مجزرة معروفة في تاريخ أوروبّا.

ومن جانب آخر فإنّ المفاهيم السّياسية التى جلبتها الثورة مثل الحرّية والمُساواة والقوميّة قد أثّرت على العالم أجمع، وفتحت الطريق أمام الثورة لقطاعات كُبرى من البشر. في سنة 1830م بدأت الثورات بدوافع المطالبة بالحرية، ولمّا حلّ عام 1848م سيطرت على السّاحة الاشتراكية - الشّيوعيّة، وتحوّلت المظاهرات في فترة قصيرة إلى صراع طبقيّ.

والآن يَحسُن بنا أن نلقيَ نظرةً  تفصيليّة على كيفية تحرّك الكتلة الاشتراكيّة والشيّوعيّة.

في أواسط القرن التّاسع عشر كانت الثورة الصّناعية قد اكتملت معالمها بشكل كبير، وحدثت طفرة كبيرة في دخل الشّركات والمصانع ومواردها، ولكن الشّعب الفقير الذي يعيش في القرى والمدن لم يأخذ نصيبه من هذه الثروات. فالمصانعُ والمراكز الصّناعية الأخرى كانت تطبّق فيها الأخلاق الرّأسمالية المتوحشة والدّارونية الاجتماعية القاسية. وكان أصحاب المصانع  القاسية قلوبهم يعتبرون أنّ حياة العامل لا قيمة لها، فكان العمال يعملون في اليوم ما بين 13و 15 ساعة. وكانُوا يعيشون في  منازل غير صحّية في ظروف غاية في الصّعوبة. وقد أدت زيادة السّكان في القُــرى إلى زيادة البطالة وعدم كفاية الأرض.

كل هذه الأمور دفعت العمّال للمطالبة بحقوقهم، وبتلك الصّورة ظهرت الاشتراكية  الخاصة بطبقات الشّعب العامل. كان روّاد هذا الرّاي قد طوّروه إلى اشتراكيّة مثالية وخيّالية، وبعد ذلك طوّر كارل ماركس وفريدريك أنجلس الاشتراكيّة فظهرت الاشتراكيّة العلميّة.

بتاريخ 1 فبراير 1848م تمّ نشر"بيان الشّيوعية"، وأُلغيت الملكية الخاصّة، وكانُوا يزعَمُون أنّه يتعيّن تأسيس مجتمع بلا طبقات وبلا دولة. وفي نهاية المطاف تم تبنّي الاشتراكية وسيلةً للانتقال إلى المُجتمع الشّيوعيّ .

في تلك الظّروف وجد الفكر الثّوري العديد من المُؤيّدين في طبقات المجتمع المختلفة، وفي عام 1848م انفجرت الثّوارات في أعتَى قُوّتها.

ولقد عاشت إيطاليا وألمانيا وفرنسا والنّمسا وبُولندا ورُومانيا والمجر اِهتزازاتٍ عنيفةً في تلك الفترة، وتغيّرت الحُكومات. وبدأ الحكم الجُمهوري في فرنسا لمدّة أربع سنوات فيما بين 1848و 1852م . في سنة 1848م تغيّرت الحكومة أربع مرات في فيينّا، أمّا الحكومة التى أعلنت في بُودابست فقد أَعلنت استقلالها عن حكومة النّمسا.

ونريد الآن الحديث عن تجربة الثّورة الماركسيّة الشّيوعيّة التى حققت نجاحًا كبيرا بعد "البيان الشّيوعي"، فقد مكثت الشّيوعية في السّلطة بباريس طوال شهرين في ربيع عام 1871م ...

لقد زاد اضطراب توازن الدّخل بين أفراد الشّعب الفرنسي بسبب الحرب الفرنسيّة – النّمساوية ، وقد استخدمت قوى الانقلاب التى أعدّت لثّورة شيوعية غضب الشّعب على الحكومة، ثم إنّ الاحتجاجات التى بدأت بسبب المظالم التى تعرّض لها الشّعب قد اُختطفت من قبل الشّيوعيّين وبدأوا يتحكّمون فيها بعد فترة قصيرة. لمّا انتشرت في المدينة موجات الثّورة والإرهاب تراجع مسئولو الدّولة في باريس وأُعلنت الشّيوعية في باريس في 28 مارس سنة 1871م.

وهناك تشابه كبير ومدهش بين ما حدث في باريس وما حدث في مظاهرات غازي بارك في تقسيم، وسنتناول هذه المسألة فيما بعد، ولكن لنكمل الآن الحديث عن أثر الثّورة الصّناعية على الدّولة العثمانية.

تعرّضت الدّولة العُثمانية لغزو البضائع الأوروبّية اِعتبارًا من النّصف الثاني من القرن التّاسع عشر، وأصبحت الدّولة العُثمانيّة تبيع المواد الخام وتستورد المُنتجات المصنّعة من الخارج، وأدّت الثّورة الصّناعية إلى دفع الدّول الأوربية إلى البحث بحرص عن مستعمرات وأسواق. وعقب هذا الأمر بدأت تظهر الصّراعات على الأراضي العثمانية، وبدأت الدّول الأوروبية في القرن التّاسع عشر بالتّدخل في الشئون الدّاخلية للدّولة العثمانية بحجة حقوق الأقليات والامتيازات الأجنبية. كما أنّ تيار القوميّة الذي ظهر نتيجة الثّورة الفرنسية قد أثر على الولايات العثمانيّة الموجودة في أوروبّا، وقد جلب هذا التّيّار معه المطالب بِالانفصال والانقسام .

والآن لننظر إلى حركة الشّوارع في التّاريخ المُعاصر. في سنة 2010م كان العالم أجمع شاهدًاعلى الأحداث التى أطلق عليها اسم الرّبيع العربي. إنّ الأحداث التى بدأت باحتجاجات في الشّوارع انتشرت في جميع الدّول العربية تقريبًا في فترة وجيزة جدًّا، وأصبحت أوسع حركة احتجاج تظهر في العالم العربيّ.

ظهر الربيع العربي وطالبت فيه الشعوب العربية بالديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ولكن بعد فترة صغيرة  تحول الربيع العربي إلى حركة محلّية اجتماعية سياسية مسلّحة، وحدثت صدامات داخلية في الاحتجاجات والمظاهرات والمسيرات، وتم إسقاط الحكام. وقد ظهرت هذه الاحتجاجات نتيجة للبطالة وغلاء الأسعار والفساد السياسي والمالي وغياب حرية الرّأي وتدنّي مستوى المعيشة والعديد من المشاكل الأخرى. ولقد بدأت هذه الاحتجاجات في تونس في 18 نوفمبر عام 2010م عندما أحرق محمد البُوعزيزي نفسه، وبعد ذلك سرت العدوى في الدّول التي لديها مشاكل مُشابهة.

فظهرت حركات على نطاق واسع في تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين والجزائر والأردن واليمن، وعلى نطاق صغير في موريتانيا والسّعودية وعُمان والعراق ولبنان والمغرب. إنّ الاحتجاجات التى عمّت الكثير من هذه البلدان عمدت إلى السّيطرة على المباني الحكوميّة وهدم مقرّات الشرطة والهجوم على السّجون، وأثناءها فقد آلاف الناس أرواحهم في هذه المُظاهرات والاحتجاجات والثورات الشّعبية.

ولنتذكرالآن كيف انتهت هذه الثورات :

لقد عُزل من الحكم زين العابدين بن على الذي كان يحكم تونس منذ 23 عامًا، وأُطيحَ بحُسنى مبارك الذي كان يحكم مصر منذ ثلاثين عاما، وقام الجيش المصري بانقلاب وسيطر على الحكم ، ورفع الجيش  السّلاح في وجه الشّعب مرّتين ، وقتل الكثير من المواطنين.

أمّا الأحداث في ليبيا فقد انتهت بالقبض على رئيس الدّولة معمر القذافي وقتله، وأكثر الخسائر في الأرواح كانت في ليبيا وسوريا، وفقد مئات الآلاف  من البشر حياتهم في الصّدامات التي حدثت، وترك ملايين البشر سوريَا ولجأ الكثير منهم إلى تركيا. وتقول المعلومات إنّ عدد اللاجئين السّوريين في تركيا يبلغ مليون وستمائة ألف شخص. وكما تعلمون فالحربُ ما زالت مستمرّة بين نظام الأسد وقوى المعارضة المختلفة.

ولم يؤثر الرّبيع العربي على الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا والشرق الأدنى فحسب، فلقد استمدّت الكثير من الشّعوب الإلهام من الرّبيع العربي وأعلنت الاحتجاجات على حكامها،  وبذلك وصل تأثير الرّبيع العربي إلى أوروبا وأمريكا الشّمالية وأمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا كذلك.

نعم لقد قلنا إن أمريكا أيضا قد تأثرت بأحداث الرّبيع العربي ، ولنكمل بحركات الشّوارع التى وقعت في أمريكا سنة 2011م، وهي المظاهرات الاحتجاجية التى رفعت شعار "اِحتلّ وول ستريت".

بدأت الأحداث في 17 سبتمبر 2011م في نيويورك  في  ميدان "زُوكُوتّي"  المجاور لشارع وول ستريت والذي يُعدّ قلب المال والأعمال والتجارة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بدأ في التحرّك هم مجموعة "أَدْ بَاسْتَرَزْ" النشطة التى وصفت نفسها بأنّها اِمتداد للشّيوعيّة.

هذه الاحتجاجات، التي تندّد بغياب العدالة في توزيع الدّخل شغلت أخبار العَالم مدّة طويلة من الزّمن. والآن لندعْ الأبعاد الاجتماعية والسّياسية لاحتجاجات "اِحتلّ وول ستريت" ولننظر كيف تعامل معها الإعلام والمواقع الاجتماعية في تلك الفترة :

لقد بدأت الفعاليات بسلمية وكان أغلب الثّوار من الشّباب المتعلّم والمثقّف، وكان الهدف من التحرك هو الاحتجاج على غياب المساواة الاجتماعيّة وتحكّم الشّركات في دواليب السياسة في الولايات المتّحدة الأمريكية،  ولكنّ المظاهرات اِجتاحت امريكا وانتشرت في كامل أرجائها. وكانت المظاهرات كبيرة ولكنّ الإعلام لم يخصص لها مجالا كافيًا، وعقب ذلك بدأ "تبادل الأخبار" عبر تويتر بشكل واسع.

في 9 أكتوبر كانت الاحتجاجات قد انتشرت في 82 دولة، وما يزيد على 951 مدينةً ، وتم تنظيم مظاهرات مشابهة لها تقريبًا في ميدان رابعة العدوية في القاهرة، وفي ميدان الاستقلال في كييف... وانتشرت الفعاليات المشابهة كذلك من شوارع لندن إلى دول شمال أفريقيا، ومن مدن استرليا إلى الشّرق الأقصى ...

ولنرجع إلى تركيا،  فقد بدأت أحداث الشّوارع منذ سنة بمظاهرات ميدان "غازي بارك".

لقد بدأ الاحتجاج من قبل حُماة البيئة للاعتراض على التّعديلات المزمع عملها في "غازي بارك" في منطقة تقسيم باستانبول، فقد حدث خلاف بين أصحاب المشروع وبين الرّأي العام، ولأنّ المشروع لم  يُوافق عليه المُواطنون بصورة كاملة، ولم يُؤخذ برأيهم في هذا الأمر فقد اِعترض بعض المُواطنين على المشروع وخرجوا للاحتجاج عليه.

كان الشّباب المدافعون عن البيئة يحملون همّ الخوف من تدمير حديقة "غازي بارك" وإزالتها وتأسيس مركز تجاريّ في مكانها، ولكنّ هذا الأمر تم تضخيمه وتهييج الناس بسببه بشكل مُرعب. ثم قامت الشّرطة بالتدخّل لتفريق المُتظاهرين، وزاد من الاحتقان والتّوتر إطلاق قنابل الغاز وحرق الخيام. وفي فترة قصيرة اتّسع نطاق التّظاهر من حديقة غازي بارك في "تَقْسِيم" إلى مدينة استانبول كلّها ثمّ إزمير وأنقرة وكامل مدن تركيا. ونزل النّاس إلى الشّوارع. بعد ذلك أصدرت المحكمة السّادسة باستانبول قرارًا بوقف أعمال الإنشاءات الخّاصة بحديقة "غازي بارك"، وعقب قرار المحكمة كان الجميع يأمل أن يرجع الناس إلى منازلهم، وهذا هو الشّيء الطّبيعي، إلاّ أن ذلك لم يحدث. فقد اتخذت المنظمات الارهابية غير الشّرعية من هذا الوضع ذريعة لها، وأرادت إظهار هذه المظاهرات في صورة العصيان والثّورة ضدّ الدّولة .

ومثلما حدث في حركة "احتلّ وول ستريت" تماما فقد تم استخدام الإعلام بصورة مكثّفة، واستمر التّحريض دون انقطاع بالأخبار الكاذبة والأقوال المحرّضة للشّعب، فأُحرقت حوالي ألف سيّارة وتم الهجوم على مئات المحلاّت، وأُحرقت العديد من المباني وتحولت الشّوارع إلى ميادين حرب، وجُرح الآلاف من النّاس ورجال الشّرطة، وهكذا فإنّ الاحتجاجات التي كان هدفُها الدفاع عن البيئة ولسبب مُحقّ تحوّلت إلى إرهاب منظّم بواسطة بعض الجماعات.

كان الهدف هو ثورة شيوعيّة. فتم رفع شعارات تدعو إلى ثورة شيوعيّة في حديقة "غازي بارك"، وظهرت لوحات كُتب عليها "نريد ثورة شيوعيّة"، وأطلقت الشّعارات الماركسيّة واللّينينيّة والشيوعية والاِشتراكيّة المناهضة للدّيموقراطية، بل إنّه تم إعداد بيان لثورة تقسيم، وكانت تلك المظاهرات انعكاسًا حقيقيا لأفكار لينين ومُمارساته.

لم يفهم شباب البيئة المتمدّن المَرح المليء بالحيويّة  أنّهم قد أضحَوا رمزًا للشّيوعيّة. وهناك حقيقة أخرى هي أنّهم لم يكن لديهم أيّة معرفة بتاريخ الشّيوعيّة الدّامي، فمعلوم أنّ الأنظمة الشيوعيّة تسببت في قتل مائة وعشرين مليون إنسان في خلال عشرين سنة.

وطبيعي أنّ أيّ دولة ديمقراطيّة في العالم ترفض استخدام العنف والإرهاب للقيام بثورة شيوعيّة وسترفض اِستمرار الأعمال التي تضرّ باستقرار البلاد، ولذلك فقد رفضت تركيا هذا الأمر. وفي أيامنا هذه كذلك، تحدث بعض  المظاهرات في بلادنا، وكذلك في دول العالم الأخرى، ولنلق معًا نظرة على هذه المظاهرات في قسم "تقرير الوضع الراهن" .

تقرير الوضع الرّاهن:

لقد شاهدنا جميعا المُظاهرت غير القانونيّة تحت اسم احتجاجات قوباني في الفترة الأخيرة.

وكما تعلمون فإن الذريعة في هذه الأحداث كانت احتلال داعش لمدينة قُوبانى الكرديّة السّورية الواقعة على الحدود التّركية. بدأت المظاهرات فيما بين 6و7 أكتوبر، ثم تحوّلت إلى أعمال إرهابيّة بتحريض من حزب العمال الكردستاني؛ فقد تجمّع مؤيدو حزب العمال الكردستاني في المدن المختلفة وأضرموا النّار في حاويات القمامة والسّيارات وآلات الصّرافة، وهجموا على الشّرطة بالصواريخ النّارية الهوائية والمُولوتوف والحجارة.

في هذه المسألة لا يمكن أن نساوي بين ما حدث وبين النشاط الأصليّ السلميّ الذي انطلق في البداية والخاص بأحداث قُوباني، فلم تكن فعاليّات قوباني سوى عمليّة تخريبيّة همجيّة تهدف إلى إلحاق الأضرار بالأملاك الخاصّة والعامّة عن قصد وسابق إضمار.

ولقد شاهدنا الأحداث التى اندلعت بسبب قوباني، حيث عمد مُتظاهرون إلى الإضرار بأملاك الغير وأملاك الدّولة، حتى أنّهم استهدفوا بعض الأشخاص الذين وضعوهم كهدف من قبل وقاموا بتصفيتهم عن علم وسابق إضمار. ولهذا السبب قررت الحكومة عقب هذه الأحداث إعداد حزمة أمنيّة جديدة، وأعلن رئيس الوُزراء أحمد داود أوغلي عن تفاصيل هذه الحزمة  وأوضح أنّها ستزيد من مسئوليات الشّرطة للتدخّل في الأحداث الاجتماعيّة.

ولقد أوضح رئيس الوزراء أنّه في التّعديلات الجديدة التى سيتم إقرارُها سوف تُوضع تدابير طبقًا لمعاييرالاتّحاد الأوروبّي والمعايير العالميّة. وعلى سبيل المثال إذا نظرنا إلى محتوى الحزمة التى تكوّنت بناء على النّموذج الألماني، فإنّ المُولوتف يُعتبر قنبلة، ومن يغطي وجهه في المُظاهرات يتمّ القبض عليه فورًا، وبإمكان الشّرطة تفتيش  الشّخص في حالة وجود شبهة معقولة دون إذن من النّائب العام.

والآن لننتقل من الأحداث الخاصة بتركيا إلى أحداث العالم، ولنتذكر باختصار الاحتجاجات التى حدثت في البرازيل وهونج كونج؛ ففي البرازيل نظم ملايين الأشخاص احتجاجات أثناء مباريات كأس العالم في شهر يونيو مطالبين الدّولة باستخدام الأموال التي يتم إنفاقها على كأس العالم على خدمات البنية التحتيّة في البلاد وعلى التّعليم والصّحة والأمن والنقل والجماعي.

ولقد حدثت في هونج كونج حركة شبيهة بحركة  "احتل وول سْتريت" التى ظهرت في أمريكا، وكان سبب المظاهرات هو الخُطط التى وضعتها الحكومة الصينيّة لتقليل عدد المرشّحين في الانتخابات الرئاسية المُزمع تنظيمها في هونج كونج في عام 2017م . وفي مساء 26 سبتمبر 2014 م نزل مئات المُعارضين  المؤيّدين للدّيموقراطية واحتلّوا مبنى الحُكومة.

ولكن ما السبب في هذه الحركات الشّعبية التى بدأت بالثّورة الفرنسية ؟ وهل هذه الحركات تخدم هدفا مُحقًّا؟ أم أنّ هناك عوامل أخرى تحرّك هذه القطاعات الشّعبية ؟ وسنجيب على هذا السؤال في قسم "ما وراء السّتار".

ما وراء الستار:

هناك نقطة مشتركة بين كل المُظاهرات التى بدأت سلميّة منذ الثّورة الفرنسية وحتى اليوم. وإذا رجعنا بالذّاكرة إلى جميع الاحتجاجات والمُظاهرات التى ذكرنا بعض تفاصيلها خلال البرنامج فسنجد أنّ هناك عوامل رئيسيّة واضحة دفعت الشّعب إلى الاحتجاج وهي:

-       التمييز الذي تمارسه الحُكومات بين طبقات الشّعب المختلفة .

-       الإخلال بحقوق الشّعب

-       ظُلم الشّعب والاستبداد المسلّط عليه

 

إن جميع المُظاهرات السّلمية قد بدأت كرد فعل على هذه المظالم، فقد أشعل فتيل الأحداث هذه الأسباب المحقّة، ولكن تسلّل بعض العناصر الفاسدة صاحبة الأهداف الدّنيئة إلى هذه الحركات والمُظاهرات الكبيرة أمر لا يمكن تجنّبه، وكانت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام هي أكثر العوامل المُؤثرة في التحريض والتّجييش.

كان اهتمام عناصر الفَساد هذه  بنقل الأخبار المحرّضة الكاذبة لتهييج الشّعب عن طريق مواقع التّواصل الاجتماعي التي يُمكن للجميع الوصول إليها بكلّ سهولة، ويتعذّر منعها أو حجبها .

وبما أننا ذكرنا الإعلام، فيجدرُ بنا أن نتحدّث عن دور الصّحافة في التّحريض، فإن مصادر الإعلام المحلي المؤيّدة للمُظاهرات والمُؤسسات الإعلامية الأجنبيّة كان لها قوة تحريضيّة كبيرة في هذه الأحداث ولا يُمكن الاستهانة بتأثيراتها.

ولقد شاهدنا أكثر من مرّة المُظاهرات التى بدأت بمطالب وجيهة ومُحقةّ، وأوشكت على الوصول إلى نتائج إيجابية، ولكنّها  انحرفت تدريجيا نتيجة التّحريض في مَواقع التواصل الاجتماعي وفي الصّحافة المحلية والعالميّة .

وهناك ممارسات أخرى شاهدناها في احتجاجات الحُشود المتظاهرة، وتتمثل في كون المنظّمات الشّيوعية والماركسيّة والفوضوية استخدمت بصورة مكثّفة  تقنيات دعائيّة من مخلّفات لينين وستالين تعتمد بشكل خاص على الأخبار الكاذبة .

ونسجًا على منوال ما قَامت جماعة أَدْ بَسْطرزْ المُدافعة عن الشّيوعية من خلال التّحريض في أحداث "وُول سترِيتْ"، نشطت الدّعايات المكثفة التي أطلقتها  المُنظمات الشّيوعيّة في أحداث حديقة "غازي بارك" في تَقْسِيمْ، والأسلوب نفسه من التّحريض انتهجه حزب العمّال الكردستاني الشّيوعي في أحداث قوباني ...

في الحقيقة يتمّ استخدام الأساليب نفسها في التّمويه منذ عهد لينين، وكلّها أساليب تعتمد على الدّيماغوجِيا والتّضليل. ولقد شرح لينين لأنصاره وأتباعه الشّيوعيين كيفيّة التمرّد على الدولة، وكيفية تنفيذ الأعمال الإرهابية ضدّ الشرطة على النحو التالي:

"إنّ قتل رجال الشّرطة وعناصر الجيش وموظّفي الدّولة، وإشعال الحرائق في مؤسسات الدّولة والاستيلاء على الأموال من خزائن الدّولة ....كلّها أسلحة قويّة يجب أن تستخدم بيد القُوى الشّيوعيّة الثائرة،  فقتل النّاس وتفجير المباني وإثارة الرّعب يعدّ من العناصر المهمّة من أجل وُصولنا إلى السّلطة و تشكيل ديكتاتوريّة شيوعية تسيطر على المجتمع" (فلايدمير لينين،  عن الإرهاب النّظري والتطبيقي، هُومِزوي  ج . ب.، موسكو 2005م).

الدّيموقراطية هي الضّمان للأمن القومي، ولكن الاحتجاجات والمعارضة التى تكون من مقتضيات الدّيموقراطية قد تتحوّل إلى مصدر اِضطراب من قبل بعض العناصر المخرّبة، ولا جرم أنّ الاحتجاجات السّلمية  يجب أن يكون لها مكانٌ في الأنظمة الدّيموقراطية.

يجب أن يدافع المُواطنون على حقوقهم بسلميّة دون اللّجوء إلى العنف والوحشيّة، ويوضّحوا أفكارهم دون خوف. وفي النّظم  الدّيموقراطية ينظر الجميع بعين التّسامح إلى المظاهرات القانونيّة المبنيّة على مطالب شرعيّة. ولكن التدخل لمواجهة العمليّات التى تستهدف أرواح هؤلاء المواطنين وأموالهم وتعمل على شقّ الصفّ وتدمير الوحدة  أمر قد لا يُمكن تجنّبه. فكيف يمكن التّوصل إلى حلّ لهذه الأحداث، وماذا يجب على الحكومات عمله حيال الاحتجاجات؟ ولنتحدث الآن قليلاً في القسم الأخير عن "سبل الحلّ"...

سبل الحلّ

:

أجل، نستمر في الحديث معكم عن سبل الحلّ ..

أثناء وقوع المُظاهرات، من المهمّ جدّا أن يكون باب الحوار مفتوحًا بين الشّعوب والحُكومات. ومن المهم جدًّا مُخاطبة القطاعات التى لها مطالب. من الجيّد أن يكون النّاس أحرارًا في اعتقاداتهم، كما يجب ألاّ يُجبر أحدٌ على قبول أيّ رأي مخالفٍ، فالجميع أحرار ويجب أن يكونوا كذلك.

إنّ الاستخفاف بالمُواطنين وهضم حقوقهم والتنكّر لها أمرٌ يزيد من رد الفعل، فإنّ تجاهل قطاعات الشّعب المختلفة وعدم النّظر إلى مطالبهم ومعاناتهم يولّد ردّ الفعل العنيف ويزيد من الغضب والكراهية ...

الدّيموقراطية توجب أن تكون هناك أصوات مُعارضة؛ فأصوات المعارضة ضروريّة لحماية الدّيموقراطية وتحصينها، فيجب أن تتقبّل الحُكومات النّقد والاحتجاجات، وذلك دليل على تنوّع الأصوات وتعدّدها. فتعدّد الآراء فيه فائدة كبيرة للمُجتمعات. ولكن إذا كانت الحركات المُعارضة للحُكومات تحتوي على خطط قذرة ومدمّرة، أو نيّة لتنفيذ انقلابات مُرعبة أو رغبة في التّوسع عن طريق سياسة عدائية تغذّيها آمال قذرة فإنّها غالبًا ما تبوء بالفشل.

في الحقيقة إنّ نقد الحُكومات على هذا النّحو من الشّدة سببه خيبة آمال الناس في العثور على الحَاكم الذي يُوثق فيه. ويرجع السّبب في غياب هذا الحاكم إلى الابتعاد عن التعاليم والأخلاق الدينية التي كان من الضّروري الالتزام بها. ونتيجة لذلك فإنّ أوثق الأنظمة وأكثرها فعاليّة غير قادرة على تلبية الاحتياجات والمطالب، وبالتّالي يقع اللّجوء إلى بعض الأساليب السّياسية أو القمعيّة في حل هذه المشاكل، لكنها بالطبع تظل تظلّ غير كافية . 

والحال أنّ الدّيمقراطيّة هي المُناخ الذي يعيش فيه الانسان بالحرّية التي خلقها الله في روحه بأحسن شكل،  ففي قوله تعالي أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" يكشفُ لنا الدّين الحنيف عن مفهوم الدّيمقراطية في أسمى معانيها، ولهذا يجب على الجميع حماية الدّيمقراطية والذّود عنها، ويجبُ أن تُحلّ جميع القضايا بالطّرق الدّيمقراطيّة على النحو الذي أوضحه القرآن الكريم.

ومن جانب آخر فيجب منع  كلّ أنواع التّمييز والتّفرقة بين الشعوب. وإذا ضربنا مثلاً بتركيا، فيجب نبذ جميع الصّفات المُميّزة والتي تُحدث الفُرقة مثل المُحجّبة والسّافرة، والتّركي والكرديّ، واللاّزي والشّركسي، والمتديّن والمُلحد، والمسلم وغير المسلم. ويجب ألاّ ننسى أن كل مواطن يعيش في هذه البلاد يجب أن يتمتّع بالحقوق والحربات نفسها. ويجب علينا أن نبيّن لأولئك الذين يُريدون فصل إخواننا الأكراد عنّا أنّنا كيان واحدٌ وجسد واحدٌ.

إن الحلّ الوحيد لفتنة التّفرقة والتمييز بين التّرك والكرد يتمثل في التّعليم القويّ، وبهذا الشكل سيتحقّق اتّحادٌ قويّ. ويجب أن نشرح لشعبنا هذه الحقيقة شرحا جيّدًا. فحزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية مادّية وشيوعيّة وماركسيّة ولينينيّة وستالينيّة. ومصدرُ هذه العقائد هي الدّاروينيّة، ولهذا السّبب يجب بذل جهودٍ علميّة كبيرة لمُجابهة الفكر الماديّ الدّاروينيّ والحَيلولة دون وقوع أعمال العنف والإرهاب في بلادنا.

الخاتمـــة:

وصلنا الآن إلى نهاية هذه الحلقة من برنامجنا "وجهة نظر"، نلتقي بكم مرّة أخرى مع موضوع جديد، دمتم في سعادة وهناء.


 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211067/وجهة-نظر-أحداث-الشّوارعhttp://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211067/وجهة-نظر-أحداث-الشّوارعhttp://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_21.jpgTue, 03 Nov 2015 03:19:08 +0300
وجهة نظر: ملف الطّاقة

مرحباً، نحن معكم مرة ثانية بوجهة نظر جديدة تماماً. فكما تعلمون توجد حرب قوية ومستمّرة منذ بدايات الاستعمار حتى يومنا هذا. وهذه الحرب المستعرة مرتبطة بصفة خاصة بتقسيم الأرض الغنية بمصادر الطاقة. ولذا فإن الدّول القوية وكذلك الجماعات الإرهابية تتبع إستراتيجية تجعل الطاقة بؤرة اهتمامها. وإذا نظرنا من وراء الكواليس في النّزاعات القائمة والمشاكل السياسية الدولية فإنّه يظهر لنا عامل الطّاقة واضحاً فيها.                                     

  ونحن أيضاً في هذا الأسبوع، سوف نتحدث عن مصادر الطاقة في العالم وعن حروب الطاقة تشتعل بسبب هذه المصادر.

* يبدأ برنامج وجهة نظر: ملفّ الطاقة ...

وموجز برنامجنا على هذا النحو: سوف نتحدث في قسم المقدمة عن أكثر مصادر الطاقة استخداماً في العالم. وسوف نقدم معلومات إحصائية بخصوص الكميات الاحتياطية لهذه المصادر. كما أننا سوف نقوم برحلة قصيرة في التاريخ عبر المسار الزمني بخصوص الفترات الأولى للحركة الاستعماريّة. وسوف نتحدث عن صراع الدول الكبرى للسيطرة على الأراضي الغنية بمصادر الطاقة. كما أننا سوف نتعرض للدول التي استُعمرت وعن الجوع والفقر والقهر والظلم الذي يتعرض له سكان هذه المناطق. أما في تقرير الوضع الراهن فإنّنا سوف نسوق نماذج على حروب الطاقة المستعرة حدّ إلى الآن. وسوف نسلط الضوء على المشكلة الواقعة بين أوكرانيا وروسيا، وعلى وضع الاتّحاد الأوروبي والأوضاع الحالية في الشرق الأوسط. وأخيراً سوف نتحدث عن الأسباب الحقيقيّة وراء كلّ حروب الطاقة هذه وسبل الحلّ.

ملخص البرنامج:

* المُقدّمة

* المسار الزّمني

* تقرير الوضع الراهن

* ما وراء السّتار

   نعم لنبدأ الآن بالموضوع.

الموضوع:

بداية يجب علينا أن نتعرف على أكثر مصادر الطاقة استخداماً في العالم.

     تنقسم مصادر الطّاقة في الغالب إلى مجموعتين إحداهما متجدّدة والأخرى غير متجدّدة. والطّاقة المتجدّدة يفترض أنّها على المستوى العملي غير محدّدة. وتُستخدم بشكل متكرر ومستمر. وهذه مثل الشّمس والرّياح والطاقة الهيدروكهربائية... أمّا الطاقة غير المتجدّدة فإنّها عندما تستخدم لا تتجدّد ثانية خلال فترة وجيزة. وهذه هي المحروقات التي يتم الحصول عليها نتيجة تحلّل النباتات والحيوانات على مدى ملايين السّنين مثل البترول والغاز الطبيعي والفحم. وعند إنتاج الطّاقة فإنّ هذه الطاقة هي التي تُستخدم في الدرجة الأولي. أما أكثرها استخداما فهو البترول. ويأتي في المرتبة الثّانية الفحم الذي تناقص استخدامه تدريجيًّا. أمّا مصدر الطاقة الذي يأتي في المرتبة الثالثة فهو الغاز الطبيعي الذي تزداد وتيرة إنتاجه واستهلاكه.

وبعد هذه التعريفات المرتبطة بمصادر الطاقة فإنّني أودّ ذكر بعض المَعلومات الإحصائيّة، إذ يبلغ معدّل استخدام محروقات الأحافير، يعني البترول والغاز الطبيعي والفحم في وقتنا الحاضر نحو 87% . أمّا استخدام مصادر الطّاقة المتجدّدة مثل الطاقة الشّمسيّة والرّياح فإنّه لا يزال في مستوى متدنّ إلى حدّ ما.

      ونحن نرى في هذا الجدول الذي معنا تقييمات نهاية عام 2013م لاحتياطيات محروقات الأحافير (يعني البترول والغاز الطبيعي والفحم) في العالم. فالدّول صاحبة النصيب الأكبر من احتياطيات البترول والغاز في العالم تقع في الشّرق الأوسط. أما احتياطيات الفحم فإنّ أكثرها يقع في دول أوروبا و أوراسيا.

   ويجدر بنا أن نركّز قليلاً على التّوزيع الإقليمي لاحتياطيات البترول والغاز في العالم، لأنّ البترول والغاز هما أهم مصادر الطّاقة.

   وتوزيع احتياطيات الغاز والبترول وفقاً لبيانات نهاية عام 2013م يكون على هذا النحو: الاحتياطي الأكبر في الشرق الأوسط بنسبة 48% ، ويلي الشّرق الأوسط منطقة وسط جنوب أمريكا بنسبة 19%.

   وإذا نظرنا إلى بعض الدّول فإنّ " فنزويلا " تأتي في المرتبة الأولي بمعدل 298,3 مليار برميل، وتليها المملكة العربية السعودية بنسبة 265,9 مليار برميل، ثم كندا بنسبة 174,3 برميل. وفي الرّسم البياني الموجود بجانب هذا الجدول نرى فيه التقييمات المئويّة لاحتياطيات الدّول في جميع أنحاء العالم.

     ويجب أيضاً أن نلقي نظرة علي توزيع احتياطيات الغاز الطبيعي، حيث يوجد أكبر احتياطي للغاز في الشرق الأوسط بنسبة 43,2%،  وتأتي بعد ذلك منطقة أوروبا و أوراسيا بنسبة 30,5%.

      وتحتل إيران المرتبة الأولي في قائمة الدول بنسبة 33,8 ترليون متر مكعب، وتأتي بعدها روسيا بنسبة 31,3 ترليون متر مكعب، ثم بعد ذلك تأتي قطر بنسبة 24,7 تريليون متر مكعب. ونرى في الرسم البياني أيضاً حصص الاحتياطيات الموجودة في جميع أنحاء العالم.

وأخيرا نود أن نتطرق إلى أهمّية تركيا من زاوية مصادر الطّاقة.

يقع حوالي72  % من احتياطيات البترول والغاز المنتج في العالم في منطقتنا الجغرافيّة. وتُركيا بحسب موقعها الجيوسياسي تحتل موقعاً مهمًّا للغاية. فهي في موقع " ممرّ الطاقة " بين دول بحر الخزر الغنيّ بالطاقة ودول وسط آسيا والشّرق الأوسط والأسواق المستهلكة الموجودة في أوروبا. فلدى تركيا أقدم خط أنابيب بترول، وهو خط أنابيب البترول الخام بين العراق وتركيا. وهو ينقل بترُول كركوك الواقعة شمال العراق إلى الغرب. وبلغ مقدار البترول الخام الذي نقله الخط 1,2 مليون برميل يومياً عام 2009م.

وكانت الطاقة على مدى التاريخ سبباً في فتح الدّول ووقوع الحروب وتسلّل الاستعمار، وإلى الآن لا تزال كذلك. ويجب أن نلقي أولاً نظرة على تاريخ حروب الطاقة، ثم نعبر بعد ذلك بحديثنا إلى وقتنا الحاضر. وعنواننا الآن هو "المسار الزّمني ".

* المسار الزّمني:

       بدأ عصر الصناعة في إنجلترا في النصف الثاني من القرن الـ18م ومنها انتقل إلى أوروبا وأمريكا.

      وأظهرت جميع التطورات في العالم أنّ الطاقة عنصر لا يُمكن الاستغناء عنه من أجل استمرار الحضارات. وقد تشكلت قناعة مفادها أنّ طريق أي دولة قوية لا بدّ وأن يمر عبر حلّ مشكلة الطّاقة. فكل دولة تتمكّن من حلّ مشكلة الطاقة تكون قد حقّقت قوّة مّا من الناحية الاقتصادية. فالدول القوية من النّاحية الاقتصادية هي الدول التي تشكّل عالم السّياسة.

     لقد تغيّرت موازين القوى في العالم مع أول بئر بترول تم اكتشافه في عام 1859م في أمريكا وبنسلفانيا، وبذلك اتضحت أهمّية مصادر الطّاقة، وبدأت تتشكّل استراتيجيات مختلفة للحصول على مصادر الطّاقة. فمثلاً الألمان الذين لا يوجد في أراضيهم بترول ماذا فعلوا ؟ بالطبع حوّلوا أنظارهم إلى منطقة بلاد ما بين النّهرين يعني الأراضي العراقيّة اليوم.

     أما في عام 1908م فقد اكتشف الانجليز أوّل بئر بترول في إيران. وبعد هذا مباشرة أُسّست واحدة من أكبر شركات البترول في العالم. وخلال هذه الفترة كان تشرشل على رأس السّلطة في إنجلترا. وقد استبدل محروقات الأسطول حيث شرع في استخدام البترول بدلاً من الفحم كي يتمكن من منازلة الأسطول الألماني. وكان هذا قراراً هاماً؛ لأنّه كان لا يوجد بترول في أراضيهم. وفي واقع الأمر فإنّ ترك الفحم مكانه للبترول يُذكر كفترة مُؤلمة في تاريخ العالم. وعلى هذا فإنّ الانتقال من الفحم إلى البترول هو في حقيقة الأمر واحدٌ من أسباب الحرب العالمية الأولي والثّانية.

   أما بعد الحرب العالميّة الثّانية فإنّ الدّول الأوروبّية أدركت جيداً أهمّية الطّاقة، وبدأت في التحرّك بشكل جماعيّ.

   ففي عام 1951م عُقد اتفاق باريس الذي شكل أُسس الاتحاد الأوروبي. وشُكل تجمع الفحم والفولاذ الأوروبي بستّ دول أعضاء كنتيجة لبيان "شومان ". وكانت هذه الدول الأعضاء تشمل: بلجيكا، وألمانيا الفدرالية، ولكسمبورج، وفرنسا، وإيطاليا وهولندا. وبهذه الصورة أصبح الفولاذ والفحم ـــــ اللّذان كانا المواد الخام للحرب ـــــــ السبب في انطلاق أوروبا في مشروع الاتّحاد.

   ولكي نتمكن من فهم علاقة الاحتلال بمصادر الطاقة فإنّه من الضروري أن ننظر بشيء من التّفصيل إلى تاريخ الاستعمار.

      بدأت الدّول الأوروبّية في القرن الخامس عشر والسّادس عشر في التوسع في القارّات الأخرى بواسطة التّكنولوجيا العسكريّة التي حصلت عليها. وبدأت هذه الدول في احتلال تلك المناطق بالمعني الحقيقي للكلمة. وكان البرتغاليون والأسبان هم الاستعمارّيون الأُول، فهاتان الدّولتان ظهرتا على ساحة التّاريخ كأوّل الإمبراطوريات الاستعمارية في العالم الحديث. فقد استعمرتا جنوب قارّة أمريكا خلال فترة وجيزة. وسارت الدّول الأوروبية الأخرى على نهج كلّ من أسبانيا والبُرتغال. ففي القرن السابع عشر الميلادي انضمت هولندا إلى المنافسة كدولة استعمارية قويّة، ثم تبعتها انجلترا وهولندا. وهاتان القُوّتان الاستعماريتان الجديدتان استولتا على قارّة أمريكا والشّرق الأقصى. وأصبحت إنجلترا في القرن الثّامن عشر أكبر إمبراطورية استعماريّة في العالم. وقبل مرور الكثير من الوقت انضمت فرنسا وبلجيكا إلى المُنافسة. وفي القرن التّاسع عشر كان القسم الأكبر من قارة أمريكا وغالبيّة أفريقيا وكثير من دول الشّرق الأقصى تحت الاحتلال.

      وكانت القوة الاقتصادية في واقع الأمر هي العامل الأوّل الذي دفع أوروبا للاستعمار اعتباراً من تسعينيات القرن التّاسع عشر. وأفرز التطوّر الصناعي بعض المشاكل المهمة، وزاد الإنتاج الصناعي تدريجيّاً. وكلما زاد الإنتاج لا يكون بوسع سكان تلك الدّول الصّناعية استهلاك هذا الإنتاج. وبدأت تظهر مُشكلة تضخّم الإنتاج داخل المُجتمعات الصّناعية. وذلك شرعت هذه الدول في البحث عن مجالات جديدة تُوزع فيها فائض الإنتاج هذا. ومن ناحية أخرى أيضاً، كان من الطّبيعي ظهور مشكلة المواد الخام اللاّزمة للصناعة. وهذا أدى بدوره إلى ضرورة الحُصول على أراضي جديدة توفّر المواد الخام.

      وقد اعتبرت الدّول الأوروبّية الشّعوب الأفريقية " جنسًا بدائيا لم يتطوّر بعد". ومارس المُستعمرُون اِدّعاء "داروين" الذي لم يكن قائما على سندٍ علمّي، حتى يوفّروا المشروعية لهذا الاستعمار. وكان الأوروبّيون وفقاً لمنطق "داروين" ـــــ البعيد كل البعد عن العقل ــــــ متقدّمين عن الأجناس البشريّة الأخرى من النّاحية البدنيّة والذهنيّة. وكان داروين قد ذكر في كتابه المعروف باسم " نشأة الإنسان "، ماذا يجب أن يتم تجاه " الأجناس المتخلّفة " على هذا النحو:

   " ربما في المستقبل القريب الذي لن يدوم قروناً سوف تمحو الأجناسُ البشريّة المتحضّرة الأجناس المتخلّفة من على سطح الأرض تماماً، وسوف تحلّ محلّها. ومن ناحية أخرى فإنه سوف تبادُ تماماً القرود التي تشبه الإنسان". (تشارلز داروين، نشأة الإنسان، ط2، نيويورك، أ.ل. بورت كو؛ 1874، ص178).  

         ولاقت هذه الادعاءات غير العلميّة دعماً كبيراً من قبل الاستعماريّين الذين يفضّلون الأوروبّيين على سائر البشر. ورأى هؤلاء الاستعماريّون تحت شعار " الدّاروينيّة الاجتماعية " أنّ لهم الحقّ في استعمار الأرض التّابعة لهذه الأجناس. وهذا ما أوقع الأهالي المحلّيين في المناطق الغنيّة بمصادر الطّاقة في جوعٍ وفقرٍ. وبصفة خاصّة وقع ظلمٌ مجحف على المسلمين. واستمرّ هذا الظّلم بشكل واضح منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن التّاسع عشر، ثم تواصل بشكل سرّيّ اِعتباراً من القرن العِشرين.

       فعلي سبيل المثال الجزائر.... حيث قامت فرنسا بضم الجزائر الغنية بالبترول والغاز إلى أراضيها عام 1830م . وظلت الجزائر مستعمرة فرنسية على مدى 132 عامًا. وقام في الجزائر نظامٌ اعتمد على القمع والقهر، وكان الهدف هو تحقيق الاِنصهار الثقافي. وفي بداية الأمر تمّ منع التّحدث باللّغة العربية ومُنع التّعليم. واعتبرت اللغة الفرنسية فقط هي اللغة الرّسمية في الحديث. وحتى إعلان الجزائر استقلالها، حُرقت قرى كثيرة من طرف الفرنسيين. وهُدّمت المدارس والجوامع. ولحقت أضرار فادحة بالزّروع والمواشي التابعة للشّعب الجزائري. وأصبح الاحتلال الفرنسي مالك رقاب عشرات الآلاف من البشر.

     وقارة أفريقيا، كما هو معلوم غنيّة بمصادرها الباطنيّة، وفي ذات الوقت تُوجد بها مصادر للطاقة تمكّنها من أن تعيش في رفاهية من العيش. ولكن بسبب ما أصابها من احتلال لم تتمكّن شعوبها من استغلال هذه المصادر الطبيعيّة التي توجد في هذه القارة. ولهذا لم تستطع الدّول الأفريقية أن تتحول إلى دول صناعيّة. وقد رُسمت حدود معظم الدّول الأفريقيّة على موائد الدّول الاستعمارية. وكان هذا الوضع سبباً في اندلال الحُروب على الحُدود والنّزاعات الداخلية التي استمرت لسنوات في أفريقيا. وهذا أيضاً زاد من الجُوع والفقر الموجود في أفريقيا.

     ووفقاً لتصريح منظّمة الأغذية العالمية فإنّ 38 مليون إنسان في أفريقيا معرّضون لخطر المجاعة. ولم يحدث الاستثمار بالقدر الكافي في مجال الصّحة في أفريقيا، فقد ظلّ اقتصادها متخلّفًا. وانتشرت في المنطقة بدرجة كبيرة الأمراض الوبائية وعلى رأسها مرض الإيدز. ففي عام 2002م فقد 499 ألف إنسان حياتهم بسبب الإيدز فقط.

      وصرحت الأمم المتّحدة بأنّه خلال عشرين عاماً يُعتقد أن ثمانية ملاين أفريقي سوف يفقدون حياتهم بسبب الإيدز أيضاً.

      ورغم أن أفريقيا ليست فقيرة من ناحية مصادر المياه إلاّ أنّه توجد مشكلة مياه في القارة بشكل فعليّ. وتوجد في تلافيف الصّحراء الكُبرى واحدة من أوسع طبقات المياه في العالم وأنسبها استخداماً. ولكن العجز الاقتصادي يقف حائلاً دون استخراج هذه المياه إلى السّطح. وبسبب ذلك يعيش النّاس محرومين من مياه الشّرب النظيفة. وهذا أيضاً صار سبباً لانتشار بعض الأمراض وعلى رأسها الدزينتاريا. وكلّ عام يفقد عشرات الآلاف من الأفارقة حياتهم نتيجة لهذه الأمراض.

    والآن لنلق نظرةً نظرة على الوضع الموجود في كلّ من دولة " أنجُولا " و" نيجيريا " و"سيراليون " وهي من الدّول الأفريقيّة.

ـــــــــ أنجُولا بعد نيجيريا:

* ثاني أكبر دولة في استخراج البترول في قارة أفريقيا.

* 37% من السّكان عند خط الفقر.

* يحاول النّاس العيش بـ 1,75 دولارا في اليوم.

* من يتمتّعون بالخدمات الصّحية 30% فقط من النّاس.

* معدل من يتناولون الماء النظيف حوالي 42%.

ـــــــ أمّا نيجيريا فهي أكبر دولة في أفريقيا من حيث تعداد السّكان.

* أكبر مُنتج للبترول في أفريقيا بمعدل 2 مليون برميل يومياً.

* يتوفّر 80% من دخل الدّولة من البترول. ولكن دخل البِترول يتجمّع في يد مقاطعة صغيرة جداً. وهذا أيضاً هو السّبب وراء تزايد الخَلل الاجتماعي الموجود في الدّولة مع مرور كل يوم .

* 25% من الأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن خمس سنوات في لا يتلقون غذاء جيّدًا. كما أن كل 154 طفلا من بين 1000 طفل يفقدُون حياتهم قبل بلوغ عُمر الخامسة.

* بسبب ارتباط اقتصاد الدّولة بالبترول فإنّ مجال الزّراعة والصّناعة يسير نحو التخلف باستمرار. والدولة كانت تمتلك زراعةً " تحقّق لها الاكتفاء" في الفترات الماضية، اليوم تضطر إلى استيراد بعض المواد الغذائيّة.

ــــــــــ سيراليون: يُعدّ اليوم القسم الأكبر من سكانها مسلمون، وهي أيضاً دولة أفريقيّة.

* رَزحت تحت الاستعمار البريطانيّ أعواماً طويلةً.

* يوجد في هذه البلاد أثمن معادن المَاسْ في العالم. ويُستخرج منها أيضاً الذّهب والتيتانيوم. ولكن رغم هذا الثّراء الذي تتمتع به سيراليون إلاّ أنّها تعاني من الفقر الشّديد.

* ووفق مصادر الأمم المتّحدة فإنّ مستويات الحياة فيها تعدّ أقلّ مُستوى في العالم، كما أنّها من أفقر دول العالم.

     وتستمر حُروب الطاقة في وقتنا الحاضر أيضاً. فالأحداث التي تجري في الشّرق الأوسط، وحضور الاتّحاد الأوروبي في خضم هذه الأحداث، والأزمة الأوكرانية الرّوسيّة التي شغلت مساحات واسعةً في أخبار العالم في الفترات الأخيرة، كلّ هذه التطورات تعد من نتائج حروب الطّاقة. وننتقل الآن لنتطرق إلى هذه الموضوعات ضمن قسم "تقرير الوضع الرّاهن " وهو عنواننا التالي:

تقرير الوضع الراهن:

   إنّ أكبر قوّة اِقتصاديّة موجودة في العالم هي الولايات المتحدة الأمريكية. وهي تبذل مساعي جبّارة لكي تحافظ على مكانتها هذه. ولهذا فإنّها تتدخل في مناطق مختلفة من العالم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

      وتعتبر منطقة الشّرق الأوسط من أهم مصادر الطّاقة، وكما تعلمون فإن قسماً كبيراً من هذه المصادر موجود في هذه المنطقة، وأنّ ثلثي احتياط البترول في العالم أيضاً يوجد في هذه المنطقة. ولهذا السّبب فهي منطقة تُعدّ محور اهتمام جميع القوى في العالم.

       وقد زادت الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً من سيطرتها على المنطقة في حرب الخليج. فمثلاً امتلكت حرّية التّصرف بالقدر الذي يجعلها قادرة على تحديد المجال الجوي لدول المنطقة، والتدخل في هياكلها الاقتصادية وحتى التّحكم في مساعدات أيّ دولة من دول المنطقة. ودعونا نلق الآن نظرةً على الدّول الموجودة في الشّرق الأوسط.

      يوجد، إلى جانب الدّول المهمّة في المنطقة دول صغيرة تم اقتطاعها مثل الكويت والإمارات العربية المتّحدة ودولة قطر والبحرين. والسبب وراء ذلك هو تقسيم الاستعمار البريطاني لاحتياطي البترول الموجود في المنطقة.

      وأهم منتج للبترول في المنطقة هي المملكة العربية السعودية باحتياطي يقدر 265,9 مليار برميل. وتأتي إيران بعد السّعودية باحتياطي قدره 157 مليار برميل، وتأتي العراق بعد إيران باحتياطي قدره 150 مليار برميل.

       وتقدّر حاجة الولايات المتّحدة الأمريكية من البترول سنوياً بـ 7,5 مليار برميل. وهذا هو سبب أهمّية البترول الملحة بالنّسبة إلى أمريكا. ولهذا السّبب تسعى الولايات المتحدة الامريكية لأن تكون متحكمة في منابع البترول. ومن هذا المُنطلق يُصبح الشّرق الأوسط مسرحاً لأحداث مختلفة. فالولايات المتحدة الأمريكية احتجّت بأسباب ظاهرية من قبيل منع انتشار أسلحة الدّمار الشامل،فجهّزت حملةً عسكريّة كبيرة على العراق وأسقطت نظام صدّام حسين. بيد أن مفتّشي الأمم المتحدة كانوا قد صرّحوا بأنّه لا يوجد بالعراق أسلحة دمار شامل. وكان حشد أمريكا للقوات في الخليج من أجل الحملة على العراق من ناحية، وبالموازاة مع ذلك ارسال مفتّشي الأسلحة لهذه الدّولة هدفه خِداع الرأي العام.

     هذا يعني بوضوح أنّ الحملة العسكرية كانت ستنفّذ مهما كانت النتائج. وما تدّعيه الولايات المتحدة الأمريكية من حرص على جلب الدّيمقراطية إلى الشرق الأوسط لا يعكس الحقيقة بالتأكيد. كما أنّ ربط الولايات المتحدة الأمريكية بين القاعدة والعراق بعد 11 سبتمبر لا يقوم على سند قويّ. فالسّبب الحقيقيّ للحملة التي شُنت على العراق هو البترول. والولايات المتحدة الأمريكية دولة عُظمى تتحكّم في الشّركات العملاقة البالغ عددها 200 شركة. ومعظم هذه الشركات أيضاً هي شركات سلاح وبترول. فالولايات المتحدة الأمريكية من ناحية تضاعف ربح شركات السلاح بالتدخل المُسلح في هذه الدول، ومن ناحية أخرى تفي باحتياجات شركات البترول العملاقة.

      ودعونا أيْضاً نلتفت إلى أحداث سوريا القائمة بجوارنا. تدُور رحى حربٍ أحدُ طرفيها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، وفي الطرف الآخر إيران ورُوسيا والصّين. والسّبب الرئيس لهذه المواجهة هو تقاسم مصادر الطّاقة. حيث أنّ المأساة الإنسانية التي يعيشها النّاس في سوريا والإبادة الجماعية التي يتعرض لها المسلمون لا تعنيهم في شيء.

      وليست الدّول فقط معنية بالشّرق الأوسط ، فإنّ الجماعات الإرهابيّة أيضاً تسعى إلى السّيطرة على هذه المنطقة المحوريّة، فالمَعارك الطاحنة تدور في المناطق الغنيّة بمصادر الطاقة. فلو ألقينا مثلاً نظرة عامّة على العراق نلاحظ أنّ السّليمانية والموصل وكركوك غنيّة جدًّا بالبترول، وخصوصًا منها المُوصل. والوضع في سوريا أيضاً لا يختلف في شيء، فما يدُور في سوريا أو العراق اليوم هو حرب تشتعل من أجل مصادر الطّاقة وعلى رأسها البترول والغاز الطبيعي وكذلك من أجل التحكم في خطوط نقلها. وهذا يُعتبر السّبب الرئيسي لظهور الصّراع الموجود في سوريا وظهور تنظيم الدّولة الإسلامية.

   بعض آبار البترول الموجودة في دير الزّور والمناطق الشّرقية من سوريا، ومدينة الموصل وصلاح الدّين بالعراق هي تحت سيطرة تنظيم الدّولة. وكان تنظيم الدولة قد استولى بالإضافة إلى هذا على مخازن المحروقات والبترول الخاصة بالدولة والموجودة في "حمام الخليل" الواقعة في مدينة الموصل. ويبيع تنظيم الدولة هذه المواد عن طريق التّهريب وهم بذلك يضيّقون فجوة التّمويل الخارجي. وهم يبيعون البترول بسعر رخيص للغاية حيث يبلغ سعر البرميل ما بين 25 و 60 دولارا. أمّا سعر برميل البترول في السّوق العالمية فهو 100 دولار. ويُعتقد أنّ دخل التّنظيم من البترول في السّنة يبلغ حوالي 730 مليون دولار.

      ونأتي الآن للحديث عن الأزمة بين روسيا و أوكرانيا. وتعتبر أوكرانيا دولة مرتبطة بروسيا من الناحية الاقتصادية والتجارية ولا سيما في مجال الطاقة. والقسم الأكبر من صادرات أوكرانيا يُصدّر إلى رُوسيا، كما أنّ احتياجاتها المختلفة يتم تأمينها من رُوسيا.

     وتشتري أوكرانيا – شأنها شأن الدّول الأوروبية الأخرى- الغاز الطبيعي من رُوسيا. وفي هذا الصدّد تم تدشين مشرُوعات جديدة مثل خط أنبوب الغاز الطبيعي المتّجه شمالاً والذي دخل الخدمة في عام 2012م. وهكذا يُنقل الغاز الطبيعي الرّوسي مُباشرة إلى أوروبا.

   وروسيا هي الراعي للشّعب الروسي الموزع في أماكن شتي بعد انهيار الاتّحاد السوفييتي المكون من جمهوريات اشتراكيّة. وروسيا تَعتبر أنّ أوكرانيا والقرم وجُورجيا وبيلاروسيا ومولدافيا حديقة خلفيّة لها. وهي قلقة من مساعي الدّول الغربية لإقامة نشاطات في هذه الأماكن.

    فروسيا ترى أنّ الثورة الورديّة في جورجيا عام 2003م، وثورة أوكرانيا البرتقالية في عام 2004م هي نتيجة هذه السّياسات الغربية.

     أما السبب الآخر الذي أصاب روسيا بالقلق والارتباك فهو عضويّة كل من جورجيا وأوكرانيا في حلف النّاتو حيث اِنضمت كلاهما لهذا الحلف عام 2008م.

     والعلاقات الاقتصادية المتبادلة هي من تكبح جماح الحرب القويّة بين روسيا والدول الغربية على أوكرانيا. فألمانيا وأنجلترا، بصفة خاصّة تعطيان دوراً أكبراً للدّبلوماسية من أجل الوصول إلى حلّ، ولا يتعجّلان العقوبات الاقتصادية. لأنّهما يُدركان أن اقتصادهما سوف يتأثّر جرّاء العُقوبات الاقتصاديّة.

   فلو أخذنا ألمانيا مثلاً كنموذج نجد أنّ حجم التّجارة البينيّة بين ألمانيا وروسيا حوالي 77 مليار دولار. وأنّ ما يقرب من 50% من مصادر طاقة ألمانيا يتوفر من رُوسيا.

    كما أنّ مُعظم دول أوروبا مرتبطة بروسيا في موضوع الطّاقة. وتستخدم روسيا هذا السّلاح بشكل جيد. ويدرك الرئيس الروسي "بُوتين" انقسام الدّول الأوروبية فيما بينها في هذا الشّأن. ولذا فحينما تحدّد روسيا أسعار الطّاقة، فإنها تبيع لكل دولة بعقد وسعر مُختلف.

    ورغم كلّ هذا، فإنّ الخطر الأكبر بالنسبة إلى روسيا هو العقوبات التي سوف يشترك في تطبيقها الاتّحاد الأوروبي وحلف النّاتو ودول العالم الأخرى. فقد خسرت بورصة روسيا في أزمة أوكرانيا الأخيرة 58 مليار دُولار.

    وبعد الصّراع الموجود في أوكرانيا، فإن سبب اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بمنطقة البلقان أيضاً هو الطاقة، فمنطقة البلقان تلعب دوراً رئيسياً في نقل مصادر الطاقة الموجودة في مناطق وسط آسيا وبحر الخزر إلى أوروبا. والولايات المتحدة الأمريكية تريد أيضاً أن تلعب دور المتحكّم في منطقة البلقان. وبهذه الصورة تهدف إلى تقليل سيطرة روسيا على طرق الطّاقة. وقد ساعدت الفوضى الموجودة في أوكرانيا على ظهور تركيا على ساحة الأحداث.

      من المعلوم أنّ تأمين احتياجات أوروبا من الطاقة بالغاز الطبيعي الرّوسي يتم عن طريق خطوط الأنابيب التي تمرّ من الأراضي الأوكرانية. واقتراب روسيا وأوكرانيا من عتبة الحَرب عرّض أمن هذا الخطّ واستمرار ضخه للنفط للخطر. وحتّى عند تراجع خطر الحرب كان هناك احتمال عدم قدرة أوكرانيا على دفع سعر الغاز الطّبيعي الذي تشتريه. وهذا أيضاً قد يؤدّي إلى أنْ تُغلق رُوسيا في كلّ لحظة حنفيّات التّحكم.

     وبسبب أن المرافق العامة في أوكرانيا كانت تستوجب اِستيراد الغاز المُسال من الولايات المتّحدة الأمريكية فإنّ هناك خطة لذلك طويلة الأجل. وفي ظلّ هذه الظروف كان أفضل خيار أمام أوكرانيا هو تُركيا ذات الاستقرار الاقتصادي والبنية التحتيّة القويّة. وهي دولة قريبة لأوروبا وكذلك لروسيا. وتركيا أيضاً مثل أوروبا تماماً دولة مرتبطة بالطّاقة. ولكنّها تمثل نقطة تقاطع مصادر الطاقة، حيث تمرّ من أراضيها ثلاثة خُطوط رئيسيّة:

1ـــــ بترول العِراق: من معروف أنّ هناك مفاوضات مستمرة منذ مدّة طويلة تجريها تركيا مع منطقة أكراد العراق ذاتيّة الحُكم. ومن المُحتمل أن يكون للولايات المتّحدة الأمريكيّة تأثيرات سهّلت الحلّ على الإدارة المركزيّة في العِراق.

2ـــــ مشروع طَنَبْ (Tanap): يعني مشرُوع خط أنابيب الأناضول للغَاز الطّبيعي. ويهدف إلى نقل غاز أذربيجان إلى أورُوبا عبر الأراضي التّركيّة.

وتُركيا مُساهمة في المشروع بنسبة 30%.

وفي البِدايَة كان يَنقل 16 مليار متر مكعّب من الغاز الطّبيعي،

حيث يخصص 10 مليار متر مكعّب لأوروبا و6 مليار متر مكعب لتُركيا.

وومن الخطط أن تنتهي مرحلتُه الأولى في عام 2018م.

3ــــــ الغاز الطّبيعي إسرائيل ـــــ جنوب قبرص:

هذا الغاز الطّبيعي المَوجود في شرق البحر المتوسّط لا يُمكن أن يصل إلى أوروبا.

ففي بداية الأمر يجب حلّ مشكلة قبرص،

كما يجب عودة العلاقات الإسرائيلية التّركيّة لحالتها الطبيعيّة.

    والآن، نصلُ إلى العُنوان الأخير في برنامجنا، ونطّلع جميعاً على الأحداث الجارية ما وراء كواليس حرُوب الطاقة ؟

ما وراء السّتار:  

                                                                                                                                                                                           في واقع الأمر تداخلت حرب الطاقة مع سباق التسلّح. وبخصوص صناعة الأسلحة، فإنّه يتم إنتاج الأسلحة في كلّ لحظةً في مصانع الدّول العظمى. وفي نهاية الأمر تصل إنتاجية السّلاح المُصنع إلى كميات كبيرة جدّا إلى درجة أنّه لن يكون من المُمكن تخزينُها. وبالتّالي تنشأ الحاجة إلى سوق جديدة لكي يتم تفريغ المخازن المملوءة. ومن هذا المنطلق فإنّ هذه الدول المصنّعة لهذا السّلاح تبحث عن مجالات جديدة تجرّب فيها الصّواريخ والقنابل الجديدة التي تم إنتاجها.

      وأخيراً تنتهجُ الولايات المتّحدة الأمريكيّة اِستراتيجية خاطئة مثل توجيه الضّربات الجويّة بالقنابل من أجل إيقاف تنظيم الدّولة. فبعد العراق، نفّذت هجمات جوية مُوجهة ضدّ أهداف لتنظيم الدّولة في سوريا، واَستخدمت في هذه الهجمات الجوية لأوّل مرّة طائرة حربية من نوع أف- 22 التّابعة للجيش الأمريكي. وقدّمت الدعم لهذا الهجوم كل من المملكة العربية السّعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر. وأعلنت منظمة تقصّي حُقوق الانسان السّورية أنّ حوالي 11 مدنياً فقدوا حياتهم في هجوم الطّائرات الحربية الأمريكيّة.

      وإذا لم تَعدِلْ الولايات المتحدة الأمريكية عن هذه السّياسة الخاطئة فإنها سوف تمطر سوريا والعراق بمئات الآلاف من القنابل. والدّول الإسلامية التي تدعم هذه الهجمات لا تفكّر قطّ في نتائج هذه الهجمات، فمن تُلقى عليهم القنابل ومن يستشهدون هم كذلك مسلمُون. وما يتم تخريبه بواسطة هذه القنابل هي منازل المسلمين ومساجدهم. فالمباني التي شيّدها العِراقيون بجهود عظيمة وتكاليف باهضة يتمّ الآن تسويتها بالأرض. ولكي يُعيد العراق بناء مدنه المدمّرة مرّة أخرى فإنّه يكون مضطرا إلى بيع بتروله للدّول التي قصفته بالقَنابل.

       ومن ناحية أخرى هناك دول غنيّة مثل المملكة العربية السّعودية تريد أن تؤمّن نفسها وسط هذا الصراع. وهذه الدّول أيضاً تبيع بترولها، وفي مقابل هذا تستمر في شراء الأسلحة. وبهذه الصّورة سوف تصل الولايات المتحدة الأمريكية إلى بترول الشّرق الأوسط الذي تريده. كما أنّها تكون قد عوّضت أموال الطّائرات الحربية والقنابل. وبهذا سوف تستمرّ مصانعها في إنتاج السّلاح، ويظلّ المُسلمون يسقطون شهداء بواسطة هذه الأسلحة.

       حسناً، لماذا تهتم أمريكا بهذه المخّططات المتعلقة بالشّرق الأوسط ؟، ولماذا تُقدِم على الإنفاق بهذا القدر؟ أجَلْ، قُلنا في مقابل أن تأخذ البترول. وقلنا لكي تجد سوقاً تبيع فيه أسلحتها. ولكن أمريكا تتعجّل اِمتلاك بترول الشّرق الأوسط بصفة خاصّة لأنّ التقديرات تفيد بأنّ احتياطيات العالم من البترول سوف تكفي مستقبلاً لمدة 53 عاماً فقط. والمشكلة الحقيقيّة هي تكدّس الاحتياطيات في بعض المناطق، بمعنى أنّ المُشكلة هي في تقاسم احتياطيات البِترول.

     ولكي نفهم هذا بشكل أفضل يجبُ أن نُقارن اِحتياطيات الولايات المتحدة الأمريكية واحتياطيات الشّرق الأوسط. فعُمر بترول الولايات المتحدة الأمريكية لا يكفي سوى لـ12 سنة. وفي مقابل هذا نجد أنّ عمر بترول الشّرق الأوسط يصل إلى 78 سنة.

     وهكذا تبدو المنطقة لا تقدّر بثمن بالنّسبة إلى الدّول المُرتبطة بالخارج في مجال الطّاقة. ويمكننا الاطلاع على احتياطيات البِترول في الولايات المتحدة الأمريكية والشّرق الأوسط في الأعوام الماضية بمعدّلاتها.

       وكما يُلاحظ أيْضاً في الرّسم البياني، فبينما تزيد احتياطيات البترول في الشّرق الأوسط، فإن احتياطيات الولايات المتحدة الأمريكية قد تناقصت تدريجيًّا.

       ومع احتياجات الطّاقة المُتزايدة تتّجه أمريكا إلى الاعتماد على الخارج مثل الدّول الأوروبية. ولهذا السّبب، تشعر بأنّها مضطرّة إلى التّدخل في الشّرق الأوسط تحت اسم الدّيمقراطية. وفي كل خطوة تخطوها يبرُز مفهوم المُستعمر الذي تُوصف به الدّول الغربيّة منذ وقت بعيد. وعندما تكون مصالح هذه الدول هي الأمر المهمّ فإنها تتصرف بأنانيّة وبأسلوب قاسِ. وهم يعتبرون أن لا قيمة للمُسلمين، ويرون أنّه من الجائز لهم سَحقهم، ولا يتورّعون عن الإقدام على الاستيلاء على الثروات الباطنية الموجودة في أراضي المُسلمين كما لو أنها ملكٌ لهم.

        ولهذا الاعتبار يجب أن يتمّ تقسيم المصادر الموجودة في العالم تقسيما عادلاً، وليس الحلّ في إعلان الحرب من أجل الاستيلاء على المصادر الموجودة أو التي ستنفد، وصرف مئات المِليارات. فالولايات المتّحدة الأمريكية تخصّص كلّ عام ميزانية تفوق الـ600 مليار دولار كمصروفات للدّفاع والحَرب. ومن الجدير أن نذكر أنّ تكلفة اليوم الواحد فقط من العمليات التي تقوم بها ضد تنظيم الدّولة تصل إلى 7,5 مليون دولار. ومن المهم أن نفهم أنّ إنتاج السّلاح وبيعه هو عملية تدخل في إطار توفير جميع هذه المَصاريف. وفي النّهاية فإنّ المسلمين وكذلك جنودهم يفقدون أرواحهم بسبب حرب الطّاقة هذه. ولو أنّ الجهد الذي تُنفقه الولايات المتحدة الأمريكية من أجل السيطرة على بترول الشّرق الأوسط تفعل مِثله للبحث عن احتياطي جديد في أراضيها فإنّ ذلك سوف يكون أنفع وأجدى. وبهذه الصّورة سوف يتوقّف نزيف الدّم من أجل البترول في الشّرق الأوسط. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ أعباء الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية سوف نخفضُ انخفاضًا كبيرًا. 

      ولعلكم تتساءلون كم أنفقت شركات البترول الكبيرة الموجودة في أمريكا كي تتمكن من حماية مستوى البترول المُنتج. خلال العشرين عاماً الماضية أنفقت هذه الشركات حوالي 260 مليار دولار، يعني مقدارًا أقلّ بكثير ممّا صُرف على الحملات العسكريّة والصّواريخ والقنابل التي تُلقى على الشّعوب. أما بالنسبة إلى الدّول الأوروبية فإن الوضع مختلف قليلاً. فهذه الدّول منخرطة بدورها في حرب الطاقة وبالنهج النفعي الأنانيّ نفسه لأنّه لا يوجد بترول في معظم الدّول الأوروبية. وفي ظل هذا الوضع فهي لا ترى خياراً سوى أن تكون دولا مستعمِرة، إلاّ أنّه مهما كانت احتياطيات البترول كبيرة فإنّها ستنفد يوما ما. فلماذا يتمّ إذن جلب كل هذه الآلام لشعوب الأرض بدافع الرّغبة في السّيطرة على شيء آيل إلى زَوالٍ؟

    إنّ جميع الدّول لو تريد أن تعتمد على الخارج، وبالتّالي لا ترغب في أن تعيش أزمة نقص في الطّاقة، ولذا يجب عليها أن تخلق مصادرها الخاصة بها من الطاقة. وتبدو أهمّية مصادر الطاقة المتجددة أفضل في هذه النقطة. وفي هذه الحالة يمكنها إنفاق الميزانيات التي تذهب إلى حرب البترول في تطوير تكنولوجيا الطاقة المتجددة.  فمثلاً ألمانيا في هذا الموضوع تعدّ دولة رائدة، فالطاقة التي وفّرتها من الشّمس تعادل قوة 20 محطة نوويّة.

الخاتمة:

   عندما تكون الحقائق واضحة فليس من الوَجاهة على الإطلاق إظهارُ كون الحلّ الوحيد هو اِحتلال أراضي الدّول الإسلامية. ففي هذا الموضوع لا بد أن تغيّر الدّول الأوروبية القناعة بكون الشّعوب الغربيّة أفضل من الشّعوب الإسلامية. وهدم المَنطق الدّارويني الذي وضع أُسس الاستعمار هو أمرٌ حيويّ. إنّ جميع البشر مهما كانت أعراقهم مُتساوون في الحقوق، وليس لأيّ جنس قط الحقّ في الاستيلاء على حقوق الأجناس الأخرى. إنّ منطق الأقوى والأفضل وفكرة البقاء للأقوى وسحق الأضعف تدخل كلّها ضمن هذيان النّظرية الدّاروينية. وبنفس الرؤية فإن عبارة التوزيع العادل هي أيضاً منطق من يُفكرون في أنفسهم فقط بدافع أنانيّ. والتّعليم شرط حاسم تجاه هذا التّيار الذي يجرّ النّاس إلى التعصب والكراهية وعدم الاكتراث بآلام الآخرين. ويجب التصرف بروح الشّفقة وليس بمنطق الدّول الغربيّة الاستعماريّ.

   أجل، لقد وصلنا إلى نهاية حلقتنا من برنامجنا لهذا اليوم. ونلقاكم مرة أخرى في حلقة جديدة ... مع تحيّاتنا للجميع.

 


 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211052/وجهة-نظر-ملف-الطّاقةhttp://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/211052/وجهة-نظر-ملف-الطّاقةhttp://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_19.jpgMon, 02 Nov 2015 14:31:19 +0300
وجهة نظر: ملف التسلّح مرحبا ، نعود لكم مرة أخرى بموضوع جديد في وجهة نظر.

حقيقة مؤلمة يعلمها الجميع ... العالم به من المصادر ما يكفي الجميع ، ولكن قسم كبير من سكان العام يعيشون محرومين من الضّروريات الإنسانية الأساسية كالغذاء والصحة والتعليم ... 842 مليون شخص يعاني من الجوع.

ففي كل يوم يموت مئات البشر لأنهم لا يجدون طعاما أو شرابًا،  حوالي مليار إنسان محرمون من الخدمات الصحية الأساسية ، واحد من كل أربعة أشخاص  على وجه الأرض لا يجيد القراءة ولا الكتابة ، ورغم هذا فإن الميزانيات المخصصة للدفاع في العديد من البلدان أكثر من الميزانيات المخصصة للتعليم والصحة .

يتم شراء الأسلحة بالمليارات ومن جانب آخر يموت كل يوم ألف شخص بسبب الأسلحة، بينما يستمر سباق التّسلح بلا هوادة، وسنتناول سباق التسلّح الذي وصل إلى مستويات مخيفة.

لنبدأ الحديث عن ملف  التسلح في برنامج وجهة نظر.

وملخص برنامج اليوم كما يلي: سنبدأ في المقدمة بعرض معلومات عن نفقات الدّول على الدفاع ومبيعات الأسلحة،  وفي قسم المسار الزمني سنلقي نظرة على تاريخ التسلّح الذي اِستَعر في خلال الحرب الباردة .

وسنتناول بالحديث أسلحة الدّمار الشامل والطائرات بدون طيار كنقطة تحوّل في التسليح، وسنلقي نظرة على محاولات نزع السلاح. أمّا في قسم ما وراء الستار  فسوف نتساءل عن استمرار التسلّح بأقصى سرعة ومحاولات نزع السّلاح وسنبيّن لحضرتكم كيفيّة تحقيق السّلام العالمي في ظل الحديث النبوي

خلاصة البرنامج

* المقدمة :

  نفقات الدفاع

 * المسار الزمني:

سباق التسلح

 مساعي نزع السّلاح

 * ما وراء الستار.

لماذا يستمر التسلح بأقصى سرعة؟  

أجل، فلنبدأ بالمقدّمة.

المقدمة

إن الأرقام التي وصلت إليها صناعة السّلاح وتسويقه أرقام مدهشةٌ، فمجموع الدّخل القومي غير الصافي للعالم سبعون تريليون دولار، يُنفق منها كلّ عام على صناعة السّلاح والنفقات العسكرية 2.8 تريليون.

نرى على الشاشة نفقات الدفاع على مستوى العالم طبقا لإحصائيات المعهد الدولي للبحوث الإستراتيجية، وعلى رأس القائمة تأتي الولايات المتحدة الأمريكية  برقم 600 مليار و400 مليون دولار، ويلي الولايات المتحدة الأمريكية الصّين برقم 112 مليار و200 مليون دولار، ثم روسيا في المرتبة الثّالثة برقم 68 مليار و200 مليون دولار ، ولكن في هذه القائمة ما يثير الانتباه، ففي القائمة المذكورة نجدُ الولايات المتحدة الأمريكية، والصّين وروسيا وانجلترا وفرنسا، أيّ الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن في الأمم المتحدة، أي أنّهم الأعضاء الدّائمين في المنظمة المختصة بتحقيق السّلام العالمي ونزع السلاح. وطبقا لهذا التّضارب فإن ستّين في المائة من نفقات السّلاح في العالم تكون من نصيب خمس دول فقط ، وعند النظر إلى قائمة أكبر الدّول تصديرًا للسّلاح فسوف نجد هذه الدّول نفسها. ويظهر أمامنا الرّسم البياني لسنتي 2009- 2013 طبقا لإحصائيات المعهد الدولي  لبحوث السلام  باستوكهُولم:

 

  1. الولايات المتحدة الأمريكية

تحتل الولايات المتحدة الأمريكية رأس قائمة الدّول الأكثر مبيعًا للسلاح في العالم بنسبة 29% ، وأكثر الدّول التي تبيع لها أمريكا هي كوريا الجنوبية واستراليا كلّ واحدة بنسبة 10% ، تليهم الإمارات العربية المتحدة بنسبة 9%.

  1. روسيا

إن روسيا هي ثاني مُصدّر للسّلاح في العالم بنسبة 27% ، وأكثر الدّول شراء للسّلاح من روسيا هي  الهند بنسبة 38% والصّين بنسبة 12 % والجزائر بنسبة 11% .

  1. ألمانيا

ألمانيا ثالث أكبر الدّول تصديرًا للسّلاح في العالم بنسبة 7% ، وأكثر الدّول شراء للسّلاح من ألمانيا هي الولايات المتحدة الأمريكية ، ومبيعات  ألمانيا للولايات المتحدة هي بنسبة 10% و لليونان وإسرائيل بنسبة 8%.

4- الصين

تحتل الصين المركز الرابع بنسبة 6% ، وأفضل مشتري للسلاح من الصين هي باكستان بنسبة 47% وبنجلادش بنسبة 13% وميانمار بنسبة 12%.

5- فرنسا

 تحتل فرنسا الدولة الأوربية  المرتبة الخامسة بنسبة 5%، وأفضل مشترٍ للسّلاح من فرنسا هي الصين بنسبة 13% والمغرب بنسبة 11% وزنجبار بنسبة 10 % .

6- انجلترا

نرى أن انجلترا خرجت من الخمس دول الأولى الأكثر بيعًا للسّلاح بنسبة 4% ، وأكثر الدّول شراء للسلاح من انجلترا المملكة العربية السّعودية بنسبة 42% ، والولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 18% والهند بنسبة 11%.

والآن لننتقل إلى القسم الخاص بالمسار الزمني، ولننطلق في رحلة عبر الزّمن في تاريخ سباق التسلّح بين هذه الدول، وعقب ذلك سوف نرى سويّا المساعي التي بُذلت لوضع حدّ لهذا السباق المحموم في مجال التسلّح.

المسار الزّمني

عقب الحرب العالمية الثانية لم يكن لأيّ دولة قدرة على الدّخول في سباق التسلح غير أمريكا والاتحاد السّوفيتي، وبعدما تملكت الدّولتان أسلحة نووية سبقت كلّ منها  منافسيها بكثير، ولأول مرة تفقد الدول الأوربية دورها باعتبارها صاحبة الكلمة الفصل في العلاقات الدّولية .

لقد أظهر الجيش الأحمر أنه لن يخرج بسهولة من الأماكن التي احتلها أثناء الحرب في شرق أوروبا  ووسطها، وأبانت أمريكا أنّه بإمكانها تشكيل جبهة ضدّ السوفييت، والنزاع بين الدّولتين هو الذي شكّل الفكرة الرّئيسية للنّظام الدولي الجديد.

ومن خلال الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي تحقّق توازن العالم بهذين القطبين، وتجمّعت الدول الأوربية حول هذه القوى العظمى، وتشكّل الحلف الغربي من الدّول الرأسمالية غير الشّيوعية ، بينما تشكل الحلف الشّرقي  من الدّول الشيوعيّة، وهكذا مرّت فترة من الاضطراب السّياسي والعسكري العالمي بين الكتلة الشّرقية والكتلة الغربية.

أطلق اسم الحرب الباردة على الفترة الممتدة من 1947 حتى 1991م ، فأحداث مثل حرب فيتنام ومشكلة برلين وصراع الشرق الأوسط فيما بين 1956 – 1959م و حادث طائرة التجسس يو -2 ، وأزمة كوبا كلها كانت نتيجة للحرب الباردة ، ومن عاش في  هذه الأيام يعرف هذا الأمر جيّدًا.

فقد عاش البشر وهم ينتظرون كل يوم سقوط قنبلة نووية على رؤوسهم ، وأي اختلاف بين القوى العظمى يتحول إلى مشكلة تهدد البشرية كلها، وتكتب عنه العناوين والأخبار في  العالم أجمع.

وإذا شئتم لِنلقِ نظرة  على قدرات السّلاح وأعداد الجيوش بالأرقام لدى الطّرفين أثناء الحرب الباردة:

في بداية عام 1960م وصلت مخازن السّلاح في أمريكا والاتحاد السوفيتي إلى درجة كبيرة من الفتك القتل، وعقب هذا وجد ونيستون تشرشل أن تعبير "ميزان القوى" التقليدي غير كافٍ، واستخدم تعبير "الصّدمة" أو "توازُن الرعب" لتعريف أسس القوة الجديدة .

وفي سنة 1983م أعلنت أمريكا للعالم أجمع عن مشروع الدّفاع الاستراتيجي، وكان هذا المشروع يهدف إلى اعتراض الصواريخ البالستية السّوفيتية في الهواء، وبتلك الصورة انتقل سباق التسلّح إلى الفضاء بنسبة كبيرة.

وفي سنة 1987م  وقع رئيس الاتحاد السوفيتي جورباتشوف ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية رونالد ريجان " اِتفاقية القوى النوويّة "، وكان الهدف من تلك  الاتفاقية وضع حدّ لسباق التسلّح، وكان هذا الأمر نقطة تحول في مسار الحرب الباردة .

ولكن التسلح ظل عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه باسم الحفاظ على موازين القوى التي تأسست، وزادت  القوّة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة أمام الدّول الأخرى، واليوم فإنّ فارق القوة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأقرب منافسيها أكبر بكثير عمّا كان عليه سنة 1990م.

ولقد تكثف سباق التسلح في فترة الحرب الباردة في عهد ريجان، فقد كانت نفقات الدّفاع الأمريكية تعادل 26% من النفقات العالمية، ولقد  زادت تلك النّسبة في عهد بوش ووصلت النّسبة إلى  50 %.

وفي الفترة الأولى من رئاسة بوش خططت أمريكا لنظام درع الصّواريخ ،  وفي سنة 2001م  انسحبت من اتفاقية منع الصّواريخ البالستية لسنة 1972م التي كانت حجر المحكّ في  ميزان القوى العظمى في الحرب الباردة .

وبالتوازي مع هذا أصرّت على إنتاج القنابل النوويّة صغيرة  الحجم وتزويد الصواريخ البالستية بالرؤوس النووية، وجعلت  الأسلحة النووية التي تعد أقوى أسلحة الدّمار الشامل رمزًا لسباق التسلّح، والآن لنعرضْ بعض المعلومات عن هذه الأسلحة:

- سنة 1937م أول من استخدم أسلحة الدّمار الشامل كان النازيون في هجومهم الجويّ على مدينة جورنيجا في أسبانيا.

- سنة 1945 م كما هو معروف، فقد استخدمت الولايات المتحدة السّلاح النووي للمرة الثانيّة في الحرب العالمية الثانية، وكانت نتيجة القنبلة الملقاة على هيروشيما ونجازاكي في اليابان قتل 120 ألف شخص أكثرهم من المدنيّين، وبعد هذا الحدث زادت بسرعة المناقشات بخصوص استخدام السّلاح النّووي.

- في سنة 1952 م طورت الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الهيدروجينية وهي سلاح أكثر تأثيرا وتدميرا من القنبلة النووية، وقوة هذه القنبلة تعادل ألف قنبلة من القنابل النووية الملقاة على هيروشيما ونجازاكي.

 

  • في سنة 1961م جرّب السوفييت قنبلة هيدروجينية بلغ وزنها 57 طنّا، وتعادل قوة هذه القنبلة 3800 قنبلة من تلك التي ألقيت على هيروشيما .

- ومن أسلحة الدّمار الشامل التي تتسبب في القتل على نطاق واسع هي الأسلحة الكيميائية، ولنذكر هنا نبذة عن هذه الأسلحة:

- إن استخدام المواد الكيماوية كسلاح في ساحات الحرب كان في أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد استخدم الألمان غاز الكلورين سنة 1915م.

- وعقب ذلك وتحديدًا في سنة 1915م وضع الفرنسيّون غاز الفُوسْجَن في الذّخيرة وأطلقت على مناطق تابعة للألمان، وهذا الاستخدام أضحى الأساس عند استخدام الأسلحة الكيميائيّة .

 

  • سنة 1930  أكتشف الألمان غاز الأعصاب وتم تطويره أثناء الحرب العالمية الثانية.

- في سنة 1936م  اكتشف الكيميائي الألماني جيرهارد شرودر غاز الطابون (GA) أثناء العمل على علاج الحشرات.

- في سنة 1938م اكتشف أيضا جيرهارد شرودر غاز السارين  السام (GB) بعد اكتشاف هذا الغار بسنتين.

  • مع الأسف في التاريخ الحديث شاهدنا مذابح بالأسلحة الكيميائية ، ولنتذكر سويا هذه الأحداث المؤلمة :

- ( نصف الشاشة ) فيما بين سنتي  1982- 1987م في الحرب الإيرانية العراقية استخدم العراق الأسلحة الكيميائية ضد القوات الإيرانية في جنوب العراق .

- (نصف الشاشة) استخدم العراق الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين الأكراد في حلبجه، وتعدّ  مجزرة حلبجه واحدة من أكبر الأحداث التّراجيدية في العالم، وبأمر من صدام حسين قامت طائرات الجيش العراقي بإلقاء قنابل الغاز الكيميائية على حلبجه في 16 مارس عام 1988م، وقتل خمسة آلاف شخص أغلبهم من الأطفال والنّساء وجرح ما يزيد على سبعة آلاف شخص.

  • في سنة 2013 م شاهد العالم أجمع  استخدام النظام السوري للسّلاح الكيميائي، ولقد أثبتت لجنة الأمم المتحدة استخدام السّلاح الكيميائي بمقدار عال ضدّ الأطفال والمدنيّين في الغوطة الشرقيّة في الشام، وفي هجوم النظام على سوريا استخدمت الصّواريخ التي تحتوي على غاز السّارين  السّام، وتوفيّ في هذا الهجوم 1100 م شخص أغلبهم من النّساء والأطفال.

وبعد مرحلة من السباق بأسلحة الدمار الشامل تحوّل سباق التّسلح إلى التّسلح بالطائرات بدون طيار، وطبقا للإحصائيات الأخيرة فهناك 12 دولة باعت لـ 31 دولة 353 طائرة بدون طيار، وأكثر الدّول التي اشترت طائرة بدون طيار هي إسرائيل  حيث اشترت 114 طائرة.

ولقد تم تطوير أول طائرة بدون طيار سنة 1916م ، وتم استخدامها في الحرب العالمية الأولى والثانية، واستخدمت أنواعها الحديثة المتطورة في حرب فيتنام ، ولكن طوال هذه الفترة لم تتجاوز هذه الطائرات كونها طائرة ذات جهاز للتحكم فيها عن بعد.

وفي الثمانينات والتسعينات تم تطوير هذا النوع من الطائرات وتقليص حجمه، وقد حازت بشكل خاص على اهتمام الدوائر العسكرية الأمريكية، وأهم أسباب هذا الاهتمام أنّها رخيصة، كما أنّها قللت نسبة الخسائر من الجنود النظاميّين في المهام الخطرة إلى الصّفر، وتم تسليح هذه الطّائرات في خلال هذه الفترة وزُوّدت بصواريخ يمكن إطلاقها من الجوّ.

ولا شك أنه خلال عمليّات سباق التسلح تم قطع بعض الخُطوات في سبيل نزع السّلاح والحد من التّسلح.

وفي 24 يناير 1946م اتخذت الهيئة العامة للأمم المتحدة قرار بالإشراف على الطاقة الذّرية وأسست هيئة الطّاقة الذرية  لاستخدامها في أهداف سلمية، وبناء على توصيات اللجنة العامة أسس مجلس الأمن هيئة الأسلحة التقليدية.

بيد أن كلا الهيئتين تم تأسيسها في أصعب أيّام الحرب الباردة، وغلب على أعمالهما مناقشة نزاع الشّرق والغرب ، ولذلك اتخذت اللّجنة العامة قرارا آخر في 11 يناير 1952م  بتأسيس هيئة  نزع السّلاح بدلا من هيئة الطّاقة الذّرية وهيئة الأسلحة التقليدية على أن تكون مهام هذه الهيئة كما يلي :

- التحكم في نزع السّلاح بما في ذلك الأسلحة النووية وزيادة القوات المسلحة .

- التحكم في الطاقة الذرية  والقضاء على الأسلحة الذّرية

- تقليل تسليح القوات المسلحة بالأسلحة المتنوعة بشكل متوازن وتحديد التّسلح .

- وضع برنامج فعلى لنزع السّلاح.

لقد استمرت تلك اللجنة في عملها حتى سنة 1955م ولكنها لم تحقق أية نتيجة، وكانت أوّل اتفاقية لنزع السّلاح بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وانجلترا سنة 1963م ، وتم منع التّجارب النوويّة إلى حد ما، وحُدّد استخدامها ولكن لم يتم تقليل عددها.

وعُقد أول اجتماع لتقليص الأسلحة النووية الاستراتيجية  سنة 1969م، وتم التوقيع على الاتفاقية التي سمّيت "سلت 1" سنة 1972م،  وكانت اِتفاقية خاصّة بالحدّ من انتشار الصّواريخ الدّفاعية.

بعد هذه الاتفاقيات تم التوقيع على الكثير من الاتفاقيات الخاصة بالحد من الأسلحة النووية، وأهمّها اِتفاقية " سلت 2" التي وُقّع عليها سنة 1979م ، وكانت هذه الاتّفاقية تقترح الحد من الأسلحة النوويّة بعيدة المدى، ولكنّها ظلت بدون نتيجة لأنّها تزامنت مع بدأ السوفييت في احتلال أفغانستان سنة 1979م ولم تنل موافقة الكونغرس الأمريكي عليها.

 في هذه الأيام تُعقد الاتفاقيات بين الدّول للتحكّم والسّيطرة على موضوع التسلح، ورغم هذا فلم تتراجع عمليّات تصنيع السّلاح، ولم تتّخذ  تدابير لمنع تجّار السّلاح في العالم، ولقد وصل تصنيع السّلاح في الوقت الحالي إلى الأبعاد التالية:

- في كل عام يتم تصنيع أكثر من رصاصتين  لكلّ امرأة ورجل وطفل في هذا العالم .

- يُصنّع سلاح خفيف لكلّ  واحد من عشرة أشخاص.

- في كل عام يتم تصنيع أكثر من ثمانية ملايين قطعة سلاح خفيف .

- تُصنّع هذه الأسلحة من قبل أكثر من 1000 شركة في 98 دولة عل  الأقلّ.

تزيد نفقات السّلاح كل عام عن الذي يسبقه، ويجب أن نضرب لهذا مثلاً، ففي سنة 1975م بلغت نفقات الدّفاع في 51 دولة  340 مليار دولار ، وفي سنة 1980م اِرتفع هذا المبلغ إلى 598 مليار دولار.

نلاحظ أنّ الشرق الأوسط قد احتلّ المرتبة الثالثة من حيث الإنفاق على التسليح الدّفاعي في التّاريخ، ففي سنة 1975م بلغت نفقات 11 دولة في الشّرق الأوسط على المجال الدّفاعي  28 مليار دولار، أمّا في سنة 1980م فقد ارتفعت نفقات ستّ دول فقط إلى 38 مليار دولار.

إن سباق التّسلح هذا على هذا النحو الذي لا يتخيّله عقل قد أدى إلى نتائج مأساوية لا مفرّ منها، فقد تمّ تجنيد آلاف الأطفال. وفي السّنوات الأخيرة فقد أكثر من مليوني طفل حياتهم في مناطق الحُروب، وأضحى الملايين مُعاقين بسبب هذه الحروب، وهجر أكثر من 12 مليون طفل  منازلهم بسبب انعدام الأمن، ويقيمُ ثلثهم في مخيّمات للاّجئين .

 كلّ هذا يكشف لنا أنّ مساعي نزع السّلاح والاتفاقيات المبرمة في هذا المجال لم تضع حدّا لعمليّات التسلح.

حسنًا، ولكن لماذا يستمرّ سباق التسلح بسرعة وبلا هوادة ؟ ولماذا تنفق الدّول القسم الأكبر من ميزانيّاتها على التسلح ؟ ولماذا لم تؤدّ مساعي نزع السّلاح إلى حلّ دائم ؟ سنجيب على هذه الأسئلة في قسم ما وراء السّتار.

ما وراء الستار

 تتّجه جميع الدّول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكية نحو التّسلّح بذريعة حماية نفسها من التّهديدات المحتملة، ولكنّ حقيقة الأمر ليست كذلك ، فهي في سباق تسليح تخطّى موضوع الدّفاع بمراحل بعيدة. وإذا نظرنا إلى الدّخل الذي تحقّقه هذه الدّول من بيع السّلاح نكتشف ما يلي:

 إن النّسب الموجودة هنا قد أُعدّت طبقًا لما هو منشور ومعروف من الاتّفاقيات، ومن المؤكّد أنّ هذه النّسب ستزيد بسبب الاتفاقيات السّرية التي تعقد بين الدّول،  وليس من الصّعب أن نفهم من هذه الأرقام الفكليّة سبب سعي هذه  الدّول إلى أن تكون لها حصة أكبر في التّسليح.

حسنًا، ولكن سِباق التّسلح يستمر من جانب، ومن جانب آخر تُبذل مساعي أخرى لنزع السّلاح، فلم لا تنجحُ هذه المساعي في التّوصل إلى أيّة نتيجة؟

فمجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة يمكن أن يتّخذ قرارت لتخليص دولٍ من الأسلحة النووية لمصلحة دول أخرى، فخلف هذه القرارات يمكن أن توجد حسابات أخرى، ومن المعلوم على سبيل المثال صراع  القوّة النوويّة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

إنّ امتلاك إيران لأسلحة نوويّة متطورة لن تقبله الولايات المتحدة الأمريكيّة حتى تبقى هي القوى العظمى لسنين طويلة قادمة، فإيران صاحبة السّلاح والتكنولوجيات النوويّة  تعدّ عنصر تهديد ضدّ الولايات المتّحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة .

ولهذا السبب زعمت أنّ برنامج إيران ليس لأهداف سلميّة وعرضته على مجلس الأمن، فصدر قرار من مجلس الأمن بتجميد برنامج إيران النووي في 31 سبتمبر سنة 2006م، ولكنّ إيران لم تلتزم بالقرارات الصادرة، ومازالت المباحثات مستمرة في فيينا بين إيران والأعضاء الخمسة دائمي العضويّة وألمانيا في مجلس الأمن بالأمم المتحدة.

إن النقطة التي تلفت الانتباه في هذه الخصوص هي أن: هناك ثماني دول معروف أنّ لديها سلاحا نوويًّا، ومن بينها خمس دول فقط لها الحقّ في امتلاك السّلاح النووي طبقا لــ"اتّفاقية منع انتشار السّلاح النووي"، وليس من الصعب التخمين ومعرفة هذه الدول.

بالطبع إنّ هذه الدّول الخمس هي الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وفرنسا والصين وروسيا، ولهذا السّبب فإنّ القرار الذي أصدرته هذه الدّول لتجميد سلاح إيران النّووي ليس بهدف السلام العالمي ونزع السّلاح، بل على العكس من ذلك الهدف منه هو الوقوف أمام ظهور قوّة منافسة لهم وزيادة حصّتهم من التّسليح.

إنّ هذه هي أهدافهم الحقيقيّة، ويمكن أن نفهم هذا من خلال دخول المنظّمات المسلّحة المحلية في هذا الموضوع، فهذه المجموعات الإرهابية المحلية  ليس لها القدرة على تغيير موازين قوى صناعة السّلاح، ولهذا فعند ارتكاب جريمة إنسانية من الصّعب صدور قرار من مجلس الأمن بحظر السّلاح ضدها،  وحتى لو صدر قرار بهذا الشأن فمن المُمكن خرق هذا الحظر بصورة منظّمة. وعلى آية حال فإنّ الدّول المكلّفة بتطبيق هذا الحظر هي التي سوف توفّر السّلاح لهذه المنّظمات بطرق غير مشروعة، وحسب هذه الدّول فإنّ الاقتصاد المعتمد على صناعة السّلاح يجب أن يستمر بشكل ما، وسباق التّسليح بين القوى العظمى هو الذي يفسر تزايد الصّدام المسلّح يومًا بعد يوم في أفريقيا والشّرق الأوسط .

الخاتمة

إنّ الصراعات والآلام والمآسي لا تتوقّف، والدّول التي تملك في يدها مفتاح صناعة السّلاح تستمر في خلق الأزمات وإشعال الحروب، وبينما تشتري الدّول والمجموعات المتناحرة السّلاح وتزداد فقرًا يزيد غنى المُصنّعين وتُجّار السّلاح. وبالطّبع يدفع  المدنيّون الأبرياء والأطفال الصّغار والأمّهات وكبار السنّ والشيوخ فاتورة هذه الحروب...

ويجدر التذكير أنّ الميزانية المخصّصة للتسلح  تكفي لإنقاذ البشرية كلّها  من الفقر في سنة واحدةٍ ، ولنتخيّل لو أنّ مبلغ ثلاثة تريليون دولار التي تذهب هباء في النّفقات العسكريّة وصناعة السّلاح يتمّ إنفاقها في القضاء على الجوع والفقر.

ماذا لو استخدمت مليارات الدّولارات التي تخصص لتكنولوجيا الأسلحة النّوويّة في تطوير الأجهزة في مجال الصّحة، ماذا لو استخدمت في اِكتشاف الأدوية للقضاء على الأمراض، لنتخيل عالمًا خاليًا من أصوات السّلاح، عالمًا بلا مجازر ولا آلام، عالمًا لا تُسفك فيه نقطة دم واحدة من أيّ شخصٍ، عالما يعبقُ بالسّعادة ويتزيّن بالحبّ والسّلام

ولقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة بأنّ الدّنيا ستكون بهذا الحال في زمن حضرة المهدي عليه السّلام:

جاء في حديث أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَتُمْلَأُ الأَرْضُ مِنَ السّلْمِ كَمَا يُملأُ الإِناَءُ مِنَ المَاء وَتَكُونُ الكَلِمةُ وَاحدة فَلاَ يُعْبدُ إلاَّ اللهُ وَتَضعُ الحَربُ أَوْزَارَهَا..." (أخرجه البخاري، رقم 2222، فتح البـــاري 483/ 4).

ستضع الحرب أوزارها ، أي سيضع أربابُ الحرب أسلحتهم. ولن تكون هناك عداوة بين الناس."..وتُرْفعُ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ وَتُنْزَعُ حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ"  (أخرجه البخاري، رقم 2222، فتح الباري 483/ 4)

في زمن المهدي لن يَفْزع أحدٌ من نومه، ولن يُصاب أحد بأذًى في أنفه. ( القول المختصر في علامات المهدي المنتظر ، ص 44)

 إلى هنا تنتهي حلقتنا لهذا اليوم من برنامجنا وجهة نظر، وإلى اللّقاء بإذن الله تعالى مع موضوع آخر.

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/210180/-وجهة-نظر-ملف-التسلّحhttp://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/210180/-وجهة-نظر-ملف-التسلّحhttp://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_16.jpgMon, 12 Oct 2015 01:45:16 +0300
وجهة نظر -10- اسطنبول مرحبا،  أهلاً بكم في برنامج "وِجهة نظـــر".

اليوم سوف نتحدث عن اسطنبول وأهمّية اِسطنبول في وقتنا الحاضر، هذه المدينة التي احتضنت أكبر الحضارات في العالم عبر آلاف السّنين، واحتضنت كذلك الميراث الثقافيّ العظيم لهذه الحضارات، ونتحدث عن الأهمّية التّاريخية لهذه المدينة وجمالها وشهرتها وعظمتها.

وجهة نظر: والآن يبدأ ملف اِسطنبول

مُلخّص حلقتنا لهذا اليوم على النّحو الآتي:

في البداية سوف نلقي نظرةً على التّاريخ القريب لمدينة اسطنبول، ونقدّم معلومات حول الحملات التي تمّ توجيهها إلى اسطنبول. إذا ألقينا نظرة على التّاريخ الإسلامي نلاحظ أنّ هذه المدينة كانت في جميع عهودها مدينة مقدّسة وذات شأن عظيم، وخصوصا منذ تم فتحها. ولهذا السّبب فسوف نتحدث باختصار عن فتح اسطنبول والمرحلة التي أعقبت ذلك الفتح، وفي الأخير نتناول مكانة اسطنبول وأهمّيتها في الدّين الإسلامي.

 ملخّص البرنامج:

  • الحملات الموجهة لاسطنبول
  • فتح اسطنبول
  • ما بعد فتح اسطنبول
  • مكانة اسطنبول وأهمّيتها في الدّين الإسلامي

الحملات الموجّهة لاسطنبول:

نظم المسلمون العرب في البداية، ثمّ بعد ذلك المُسلمون الأتراك على امتداد مئات السنين عدّة حمْلاتٍ على اسطنبول، وتم خلال بعض هذه الحمْلات مُحاصرة المَدينة، وأهمّ سبب دفع إلى تنظيم هذه الحملات وحثّ عليها هو الحديث الذي بشّر بأنّ اسطنبول سوف تُفتح:

 

"لتُفْتَحَنَّ القُسطَنطينيّة، فلَنِعمَ الأميرُ أميرُها ولَنعمَ الجَيش ذلكَ الجَيش".

كانت أول حملة من قبل المسلمين لفتح اسطنبول في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه، وأول من أعد حملة بحرية هو والي سوريا في ذلك الوقت معاوية رضي الله عنه. وكان هذا الأسطول قد دمر القوات البحرية البيزنطية في السواحل الفينيقية في عام 655م، وبذلك فتح الطّريق البحري أمام المُسلمين.

أما أول حصار قام به المسلمون لاسطنبول فكان في عام 668م في عهد ابن الخليفة الأموي معاوية رضي الله عنه، غير أنه لم يتم الاستيلاء على المدينة. وبعد هذه الحملة قام الأسطول الأموي بدخول مرمرة مرة أخرى سنة 674م. وبعد 7 سنوات من الحصار فشلت المحاولة. وتمت محاصرة اسطنبول مرة أخرى سنة 717م بقيادة مَسْلمة بن عبد الملك، غير أنّ هذا الحصار انتهى بالفشل.

وكان آخر حصار للعرب خلال سنتي 781 -782م، وذلك بقيادة الجيش الذي بعثه الخليفة العبّاسي هارون الرّشيد. وقد تمكّن من هزيمة الجيش البِيزنطي في إِزْميدْ، وتقدّم إلى أن وصل إلى أُسْكُدار وحاصرها. غير أنّه في نهاية الحصار وقع على اتّفاق مع البيزنطيّين ثم عاد أدراجه. وبالإضافة إلى هذه الحملات التي قام بها العرب المسلمون، هناك حملات أخرى غير أنّ أيّا منها لم يُكلّل بالنّجاح.     

واهتم الأتراك العثمانيّون طوال القرن الرّابع عشر بالبيزنطيّين وباسطنبول. وقبل الفتح بمدّة طويلة كانت مدينة اسطنبول بتمامها، ما عدا المنطقة الواقعة داخل السّور أراضي عثمانيّة. وطوال هذه الفترة تدخّل العثمانيّون في الشؤون الداخليّة للبيزنطيّين، وأصبحوا طرفًا في الصراع على الحكم.

وابتداء من عام 1391م أصبحت اسطنبول تحت الحصار. وفي عام 1396م أقام بايزيد الأوّل  أسوار الأناضول في القسم الآسيوي من أجل الحيلولة دون وصول المساعدات من البحر الأسود. وقد جرت مناورات متواصلة في المناطق المجاورة لاسطنبول إلى حين تمّ الفتح. بيد أنّ اسطنبول لم تُفتح إلاّ عام 1453م. 

فتح اسطنبول

كان محمد الثّاني يعني، محمد الفاتح مُقرًّا العزم على فتح المدينة من أجل منع وصول المساعدات القادمة إلى بيزنطا من جهة الشمال منعا كاملاً. ومن أجل السيطرة على المضيق من جهتيه كليهِما، أنشأ في الجهة الأوروبّية سورًا عظيما ما يزال قائما حتّى اليوم. 

في الحقيقة إنّ السّلطان محمد الفاتح كان يعرفُ أنّ النبيّ عليه الصلاة والسّلام بشّر بأن المهدي عليه السّلام سوف يفتح اسطنبول في آخر الزمان، ولهذا السّبب ذكر بأنّ المهدي عليه السّلام سوف يفتح اسطنبول ولم يرد هو فتحها بنفسه. غير أنّ الشّيخ أق شمس الدّين أقنعه بعد أن قال له "انت سوف تفتح اسطنبول مادّيّا ويفتحها المهديّ معنويا".

وحتى يظهر حضرة المهدي عليه السلام كان لابد من فتح اسطنبول لأن خروج المهدي وظهوره مرتبط بمدينة اسطنبول، ولهذا السبب اتخذ السلطان محمد الفاتح القرار بفتحها.

بدأت التحضيرات من أجل فتح اسطنبول قبل عام من فتحها، وتم حشد مدافع ضخمة من أجل محاصرتها. وتم كذلك إعداد اسطول متكون من 16 قطعة بحرية، وتم مضاعفة أعداد الجنود. ويوم 2 أبريل شوهدت أولى طلائع القوات العثمانية على أبواب اسطنبول، وهكذا بدأ الحصار. واستمر هذا الحصار قرابة الشهرين. ويوم 29 مايو سنة 1453م بعد الظهر تم الاستيلاء على المدينة، ثم رُفع عنها الحصار بعد ذلك.  دخل السّلطان محمد  الفاتح المدينة من جهة طُوب قابِي، وتوجّه مُباشرة إلى آيا صوفيا، وفي ذلك الوقت كانت آيا صوفيا كنيسة فحوّلها إلى جامع. واعتبارًا من هذا التّاريخ أصبحت اِسطنبول مدينةً عثمانيّةً.     

وهذا الفتح كان نقطة تحول على المستوى التركي والإسلامي والعالمي. وكانت له نتائج كبيرة جدا، ولهذا السبب يعتبر فتح اسطنبول عاملاً مُهمّا في تأمين الوحدة التّركية في منطقة الأناضول. ولم يكن العثمانيّون قادة للأتراك الموجودين في الأناضول فحسب، بل كانوا كذلك قادة للعالم الإسلامي كلّه، وقد بدأت هذه القيادة على إثر الفتح مباشرة.

بعد الفتح تحوّلت الإمارة العثمانية إلى دولة عالميّة، إلى إمبراطورية. بعد الفتح أصبح الإسلامُ الذي يقود الدّولة العثمانيّة محرّكًا وفاعلا مهمّا في السّياسة العالميّة. وفي تلك المرحلة كان للمسلمين دورٌ مؤثّر في جميع التطوّرات التي يشهدها العالم في ذلك الوقت.

لقد سعت المسيحيّة الأوروبّية لمدّة ثلاثة قرون إلى إخراج الإسلام من آسيا عن طريق شنّ الحُروب الصّليبيّة. وكانت اسطنبول بالنّسبة إلى الصليبيّين في هذا الصّراع تعدّ مركزًا فاعلا ومتقدّما. وعلى إثر فتح اسطنبول تم الاعتراف بهيمنة الإسلام في آسيا من قبل العالم المسيحي. ولم تتمكن من تنظيم حملات صليبيّة من أجل استرجاع هذه الأراضي، وعلى العكس من ذلك توجّه الإسلام نحو أوروبّا. وكان فتح اِسطنبول نقطة بداية لسنوات طويلة من تفوّق المسلمين في مواجهة هذه القارة.

ما بعد فتح اسطنبول

 

وإثر الفتح مباشرة تمّ إحداث مناطق لإسكان النّاس فيها من أجل النّهوض بالمدينة. وفي البداية تمّ الشّروع في ترميم وإصلاح الأبنية والأسوار التي بقيت من القديم، وكذلك الآثار البيزنطيّة من العُهود المتأخرة. وقام العثمانيّون بتشييد بناياتهم على البنى والأُسس التي أُقيمت من قبل البيزنطيّين، وتمّ كذلك صيانة صهاريج المياه الكبيرة، وأصبحت اسطنبول عاصمة إمبراطوريّة بعد أن رَسمت عليها بصمتها المتميّزة. لقد أصبحت اسطنبول أكبر مدينة في أوروبا بعد 50 عامًا من فتحها.

ودخلت هذه المدينة القرن السّادس عشر كمدينة عظيمة، بيد أنّه بتاريخ 14 سبتمبر سنة 1509 م ضربها زلزال قويّ تسبّب في حصولِ أضرار كبيرة. ويعتقد أنّ قوّة الزلزال كانت 8 درجات، واستمرّت الهزّات  الارتدادية لمدة 45 يوما ممّا تسبّب في قتل الآلاف من النّاس وهدم الآلاف من البيوت.

وفي عام 1510 م استخدم السلطان بايزيد الثاني نحو 80 ألف شخص وأعاد بناء المدينة من جديد تقريبًا. ولهذا السّبب فأغلب الآثار التي وصلتنا اليوم تعود إلى هذه الفترة.

وبين عامي 1520 و 1566م كانت اسطنبول تُحكم من قبل السّلطان سليمان القانوني، وقد قام بتطوير المدينة من خلال التّخطيط البديع الذي طبقه في المدينة. وهناك آثار كثيرة بقيت من عهده إلى يومنا الحالي. وفي هذه الفترة تُوجد إنجازات عظيمة كلّ واحد منها أجمل من الآخر بتوقيع المعمار سنان المشهور. وعرفت اسطنبول في عهد القانوني نهضة حقيقيّة.

وفي عام 1894م تعرّضت اسطنبول مرّة أخرى لزلزال كبير أُطلق عليه اسم "زلزال عام 1310"، وبسببه تضرّرت المدينة أضرارًا فادحةً. وعقب الحرب العالميّة الأولى، وتحديدًا بتاريخ 13 نوفمبر سنة 1918م قامت أساطيل الدول الحليفة باحتلال اِسطنبول.

وخاض الغازي مصطفى كمال أتاتورك حرب التّحرير، وفي عام 1923م نالت تركيا استقلالها بزعامته، وبإعلان الجمهورية فقدت اسطنبول هويتها كعاصمة.  ومثلما هو معروف ففي بداية القرن السّادس عشر حملت الدّولة العثمانية لقب دولة الخلافة، بعد أن وضع السّلطان ياووز سليم نهاية للسّلطنة المَملوكيّة.

تم إلغاء الخلافة في بداية القرن الماضي بصفة رسميّة، ومنذ ذلك الوقت إلى اليوم لم تنتقل إلى أيّ مكان آخر، ولذلك فاسطنبول من هذه النّاحية تحتفظ بأهميّة كبيرة لأنها كانت المركز الأخير للخلافة. وإلى حدّ الآن مازالت تحمل هذا اللقب من النّاحية المعنويّة.

مكانة اسطنبول وأهميتها في الدين الإسلامي

قلنا في بداية البرنامج إنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام تحدّث عن اسطنبول في أحاديثه الشّريفة، وتوجد أحاديث كثيرة تشير إلى أنّ المهدي عليه السّلام سوف يظهر في بلادنا ويستأنف عودته من اسطنبول. فحضرة المهديّ عليه السّلام سوف يظهر بإذن الله في تركيا ويخوض صراعه الفكري من تركيا. وهذا الأمر يردُ في معنى الحديث الشّريف على النّحو التالي:

"المهدي لن يُغادر الرّوم ولن يغادر الأتراك".

(نقلا عن إسعاف الرّاغبين، مجموعة الطّلاسم، بديع الزّمان سعيد النّورسي، ص. 2/2).

إنّ السّبب في إطلاق اسم الرّوم على اسطنبول هو أن تركيا تسمى "ديار الرّوم". في الماضي ذكر بعض العلماء الأماكن التي سيخرج فيها حضرة المهدي عليه السلام، وذكروا مراكز الخلافة في زمانهم مثل العراق والشّام والكُوفة والمدينة.

غير أنّ الرّوايات التي تذكر أحداث آخر الزّمان تتّفق على أنّ مركز هذه الأحداث يكون في مركز آخر خلافة، ومثلما ذكرنا قبل قليل فهذه المدينة هي "اسطنبول".

وقد ذكر العالم الإسلامي الكبير ومجدّد القرن الثالث عشر الهجري أنّ حضرة المهدي عليه السّلام سوف يظهر في اِسطنبول، ويقول في مؤلّفه المسمّى "كلمات:

 

"إنّ السّبب والسرّ في اختلاف الرّوايات والأخبار المتعلقة بحضرة المهدي عليه السلام في وقتنا الحاضر هو: أن مفسّري الأحاديث قد شرحوا نصوص هذه الأحاديث حسب آرائهم وتصوراتهم،  فمثلا عندما كان مركز الخلافة في في ذلك الزّمان في الشّام أو في المدينة فإنّهم ظنّوا أنّ الحوادث المتعلقة بحضرة المهدي عليه السّلام سوف تتحقق في مناطق مثل البصرة أو الكوفة أو الشّام، وهم فسّروا الأحاديث على هذا النحو" (كلمات، ص. 359).

بمعنى أنّ حضرة المهديّ عليه السّلام لن يخرُج من مكّة أو المدينة أو الشّام أو البصرة مثلما قال ذلك بعض العلماء، وإنما سوف يخرج إن شاء الله تعالى من آخر مركز للعالم الإسلامي وهو اسطنبول.

 

وقد بشر نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام بأنّ حضرة المهدي سوف يفتح اسطنبول فتحا معنويًّا:

 

وقد روى ابن عمران رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر في معنى حديث له أن ثمة ستة أشياء لا تقوم الساعة حتّى تحدث، ومنها فتح المدينة. فسئل: أي مدينة؟ فقال: القسطنطينية (اسطنبول).     

(العلامة المدني محمد بن رسول الحسيني البرْزَنْجي، علامات القيامة، 204، راموز الحديث، 296).

روي نعيم بن حماد عن أبي جعفر قال:

"سوف يمنع الظلم ويأخذ على أيدي الظالمين،

وسوف يجعل الله فتح اسطنبول على يديه (معنويا)"

(العقيلي، النّجم الثّاقب في بيان أنّ المهديّ من أولاد

علي بن أبي طالب على التّمام والكمال).

 

أخبرت الأحاديث الشّريفة أنّ المهديّ عليه السّلام سوف يفتح اسطنبول معنويّا.

وعندما ينشر المهدي عليه السّلام الأخلاق الإسلامية في اسطنبول وفي العالم كله لن يستخدم أبدًا الإكراه في ذلك، غايته فقط إعلاء كلمة الله ونصرة دينه. وقد ورد في معاني الأحاديث أنّ المهديّ سوف يفتح اسطنبول معنويّا بالتكبير والتّسبيح.

 

ومنها أنه لا تقوم الساعة حتى يفتح الله عزّ وجلّ اسطنبول مركز،

رُوما على أيدي عباده المُؤمنين

( أحمد كمشخانوي، راموز الحديث، ص. 478).

"الله تعالى سوف يفتح القسطنطينيّة على أيدي أحبابه الذين يحبهم ... وسوف يرفعُ عنهم المرض والحزن" (علامات القيامة، ص. 181).

...سوف يخرج علماء كثيرون من بلدان مختلفة لا علم لأحد بالآخر، وينطلقون في البحث المهدي،وسوف يرافق كل واحد منهم نحو 310 أفراد. وفي النهاية يلتقون في مكة فيسأل بعضهم بعضا عن السبب الذي جاء بهم إلى هذا الموضع، فيجيبون جميعا: نبحث المهدي الذي يُخمد هذه الفتنة ويفتحُ اسطنبول، لأننّا نعرف أباه وأمّه وأسماء أفراد جيشه  "

(كتاب البُرهان في علامة المهديّ آخر الزمان، ص. 40).

إذا لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد فإن الله يُمدّ في طول ذلك اليوم حتى يخرج من نسلي في جبل الديلم (أو ولاية الديلم)  من يملك مدينة القسطنطينية. (كتاب البُرهان في علامة المهديّ آخر الزّمان، ص. 74).

مثلما هو معلوم فإنّ رايتين من رايات النّبيّ عليه الصلاة والسلام وسيفه وجبّته وأماناته المقدّسة الأخرى موجودة في اسطنبول، في قصر طوب قابي. وهذه الأمانات المقدسة ظلّت لسنين طويلة في حماية الشّعب التّركي. كما نعرف كذلك أنّ المهدي عليه السّلام سوف يظهر رفقة أمانات النّبي المقدّسة هذه، والآن لنطّلع على الأحاديث الدّالة على ذلك:

روى عبد الله بن سُرافة أنّ المهدي عليه السّلام يخرج ومعه راية النّبي عليه الصّلاة والسلام وهي مزينة. (كتاب البُرهان في علامة المهدي آخر الزمان، ص. 65).

عندما نأتي إلى العلامات؛ سوف يكون معه قميص رسول الله وسيفه ورايته. وهذه الراية لم تفتح منذ وفاة النّبيّ عليه الصلاة والسلام.

(علامات القيامة، ص. 164).

نلاحظ أنّ هناك ذكرًا في الحديث لراية لم تُفتح من قبل قطّ. وحسب المعلومات التي حصلنا عليها من هيئة الإشراف على قسم الأمانات المقدّسة فإنّه توجد رايتان في المتحف، واحدة من هاتين الرّايتين تمّت خياطتها في فترات لاحقة، وداخلها قطع من الرّاية القديمة. أمّا الرّاية الثّانية فبالرّغم من وجودها داخل المتحف فإنّها لم تُعرض أمام الجُمهور.

وهذه الرّاية هي الرّاية التي لم تُفتح منذ وفاة النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام قبل 1400 عام، وتمت المحافظة عليها منذ ذلك الوقت، وهذه الراية التي أشار إليها الحديث الشّريف محفوظة في الأمانات المقدّسة في متحف طوب قابي، وهي تنتظر أن تُفتح من قبل حضرة المهديّ عليه السّلام.

والآن لنمرّ إلى معنى حديث آخر:

عند فتح القسطنطينية (معنويا)، سوف يتمّ تثبيت راية عند وقت الوُضوء لصلاة الصُّبح، وسوف يُفرق الماء قسمين، وسوف يتباعدُ الماء عن بعضه البعض، وسوف يمرّ حضرة المهدي من المكان الذي ينشقّ عنه الماء، ويعبر إلى الجهة المقابلة. وبعد ذلك سوف يثبتُ رايةً أخرى ويقول: أيّها النّاس اعتبروا، فكما انشقّ البحر لبني إسرائيل فإنّه انشق لنا نحن كذلك. (القولُ المُختصر في علامة المهديّ المنتظر، ص. 57).

أشار هذا الحديث إلى أنّ المكان الذي يُوجد فيه حضرة المهدي عليه السّلام سوف يكون مليئا بالرّايات. واليوم نرى أنّ العلم التّركي يُرفرف في جميع جهات تركيا.

وأخيرًا أودّ الحديث عن الطّريق الذي ورد ذكره في الحديث، فهو إشارة إلى مشروع القرن، مشروع مَرْمَرَايْ.

أخبر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أنّ مَرْمرَاي سوف يُفتح في زمن المهديّ عليه السّلام.  

وهذه معجزة واضحة من معجزات النّبي عليه الصلاة والسلام. ولنتأمّل مرّة أخرى في أقسام الرواية التي عُرضتْ قبل قليل على الشّاشة:

سوف يتمّ تثبيت راية عند وقت الوُضوء لصلاة الصُّبح، وسوف يُفرق الماء قسمين، وسوف يتباعدُ الماء عن بعضه البعض، وسوف يمرّ حضرة المهدي من المكان الذي ينشقّ عنه الماء، ويعبر إلى الجهة المقابلة.

(القولُ المختصر في علامة المهدي المنتظر، ص. 57).

تُشير الرواية إلى الفتح المعنويّ لاسطنبول، بمعنى الزّمن الذي يكثر فيه الاشتغال بالعلم، ويكثر فيه بيان حقائق الإيمان ومعجزات القرآن، والجُهود التي تُبذل للقضاء على الدّاروينيّة. هذا بالضّبط العهد الذي أشار إليه الحديث، وعرفه النّبي عليه الصّلاة والسلام. ومثلما نبّه إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تم فتح طريق عظيم تحت البحر من أجل العبور من ضفة البحر إلى الضفة الأخرى، وقد سمّي هذا المشروع باسم "مَرْمَرَايْ".

ثم لنتأمّل الآن الرّويات الأخرى:

عند الوضوء لصلاة الصبح يثبت المهدي عليه السلام الراية بجانب البحر،

ويتباعدُ عنه الماء، ويعبرُ من المكان الذي يُفرق عنه الماء، ويَصيح في النّاس...

(علامات القيامة، ص181-182).

جاء في هذه الرواية "يتباعدُ عنه المَاء"

(الكتاب المختصر في علامة المهدي المنتظر، ص. 15-75).

فبسبب الطريق الذي يُفتع في البحر سوف يكون هناك مسافة بين الماء والطريق، هذا ما تشير إليه الرواية إن شاء الله تعالى.

ولننظر كذلك في الروايات الأُخرى التي تتحدّث عن الماء:

 

"...عند ظهور المهديّ عليه السّلام ...يُرسل طلاّبه إلى القسطنطينيّة (اسطنبول)، وعند وُصولهم إلى البحر يخُطّون شيئًا بأرجلهم ثمّ يَسبحون على الماء..."  (أحاديث عن المهدي عليه السلام مروية عن أحمد بن حوضة عن الناهوني عن عبد الله بن حماد الأنصاري عن محمد بن جعفر عن الإمام الصّادق، غيبة النّعماني).

 

"طلاب حضرة المهدي عليه السّلام سوف يمشون على الماء ..."

(مأخوذ من بصائر الدّرجات).

هنا أيضا يُفهم أنّ الطّريق الذي يمشي عليه النّاس سوف يكون فوقهم، بمعنى أنّ الطّريق الذي يتمّ إنجازه سوف يكون فوق النّاس، وأنّهم سوف يمشون في طريق تحت الماء. ولنرجع الآن إلى مشروع مَرْمَرَايْ، فطريق مَرْمَرَايْ يمرّ عبر بحر مرمرة، ويمرّ النّفق تحت الماء على عمق 60 مترًا. ومثلما ورد في الحديث فهو بعيد عن الماء...

اللهم يا من خلقتنا من العدم، ويا من أخبرت عن وجودك وعن محبتك لخلقك، نفتتح اليوم باسمك الرّحمن الرّحيم هذا المشروع الذي يربط بين القارّتين. اللهمّ، فلا تحرِم شعبَ اسطنبول العزيز من لطفك وعنايتك ورحمتك .

وعبارة "يخُطّون شيئًا بأرجلهم" مهمة جدّا وتثير الاهتمام. من خلال هذه العبارة نفهم أن الوسائل المستخدمة يتم تحريكها بواسطة الأرجل. والذين شهدوا حفل افتتاح مَرْمَرَايْ يعرفون جيّدًا أنّ هذا الحفل بدأ بالتكبير والدّعاء. والآن لنتابع معًا بعض المشاهد القصيرة من ذلك الحفل، ثم نمدكم بعد ذلك بالحديث في الموضوع.

 

"ثم إنّ المهدي يمرّ من الطريق المفتوح ويخطُب في النّاس: "أيّها النّاس اعبرُوا أنتم كذلك، فقد فرق الله لكم البحر مثلما فعل مع بني إسرائيل". ثم إنّهم سوف يَعبُرُون هم كذلك، ويُكبّرون".

(علامات القيامة، ص. 181-182). 

أشار الحديث إلى أنّ هذا الطّريق سوف يفتتح بالتّكبير وذكر الله تعالى، ونحن نرى أنّ هذا هو بالذّات ما حدث عند اِفتتاح مشروع مَرْمَرَايْ. والآن نواصل التأمل في الروايات الأخرى:

 

"... يعبر المهديّ وطلابه من هناك ويدخلون المدينة..."

(علامات القيامة، ص. 181).

أخبرت الرواية أنّ هذا الطّريق الذي يتم اِفتتاحه يُوصل مباشرة إلى المدينة. وهذا صحيح تمامًا، فطريق مَرْمَرَايْ لا يوجد به أيّ مُنعرج، وهو يُوصل إلى المدينة بشكل مستقيم تمامًا.

تحقُّق الرواية بشكل دقيق تمامًا يُعتبر معجزة كبيرة، وقد أخبر النّبي عليه الصّلاة والسّلام في حديث آخر أنّ هناك راياتٍ مرفوعةً في بداية الطّريق وفي نهايته.

 

".... يَغرزُ رايةً .... ثُمّ يغرِزُ رايةً أُخرى في النّهاية .."

(القولُ المختصر في علامة المهديّ المُنتظر، ص. 15-75).

مثلما تعرفُون كانت جميع الأماكن مزيّنةً بالأعلام في يوم الافتتاح، وهو يوم 29 أكتوبر. ولنتذكّر معًا ذلك اليوم. كلّ يوم يستخدم الآلاف من أهالي اسطنبول مترو مَرْمَرَايْ ويتنقّلون بين ضفّتي اسطنبول، ويذهبون إلى أعمالهم أو مدارسِهم. ويُخبر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام كيف أنّ النّاس سوف يستخدمون هذا الطّريق فيقول في معنى أحد أحاديثه:

 

"ثمّ إنّ المهديّ يعبرُ من الطّريق المفتوح ويخطب في النّاس:

أيّها النّاس اُعبُروا أنتم كذلك، فيعبُرون هم أيضا..."

(علامات القيامة، ص. 181).

أخبرت الرّواية أنّه عند افتتاح الطّريق، سوف تكون هناك أعمال لتشييد جامعٍ:

"يعبرُ المهدي وطلاّبه من هناك ويدخُلون المدينة... ويبنُون الجوامع".

(علامات القيامة، ص. 181).

 

"يبني المهديّ عليه السّلام في القُسطنطينيّة [اسطنبول] وفي بلداتٍ أخرى كثيرة عدة جوامع". (علامات المهدي المنتظر؛ القول المختصر في علامة المهديّ المُنتظر، الجزء 2).

وفي الفترة الأخيرة تمّ في اسطنبول افتتاح مساجد كثيرة للعبادَة. ومثلما هو معلوم فإنّ الأشغال بدأت منذ فترة في بناء أكبر جامع باسطنبول في منطقة تشَاملِجا، وهناك جوامع أُخرى كثيرة بصدد الإنشاء في اسطنبول. وعند النّظر إلى صور محطّة مَرْمَرَايْ نُلاحظ وُجود جوامع في مداخلها.

وتُوجد تفاصيل مهمة جدّا في بقية الرواية التي قرأناها قبل قليل، ولننظر الآن في بقية الرّواية:

 

"ومن هناك [من الطّريق المفتُوح في البحر] يدخلون المدينة... ويبنون الجوامع. عندئذ سوف يخرج صوت يقول: بعدكُم سوف يخرجُ الدّجّال، ويكون بلاء على أطفالكم في الشّام"

(علامات القيامة، ص. 182).

ومثلما أخبرت الرواية، ففي أيامنا هذه هلك آلاف الأطفال في سوريا منذ أكثر من 3 سنوات بسبب نظام الأسد، ومازالت المذابح مستمرة. وأخيرًا نريد أن نضيف حديثا آخر، يُشير الحديث إلى أنّه عند إنشاء هذا الطّريق سوف يتم العثور على آثار نفيسة.

يقول النّبي عليه الصّلاة والسّلام في معنى حديثه :

 

"...سوف يتمّ استخراج كنوز متكوّنة من الذّهب ومجوهرات مُختلفةٍ، ويُنشؤون المَساجد..."

(علامات المهدي المنتظر، القول المختصر في علامة المهدي المنتظر، القسم الأول، ص.50).

عند إجراء الحفر في مشروع مَرْمَرَايْ تمّ العُثور على 35 ألف قطعة تاريخيّة و13 سفينة غارقة.

الخاتمة:

نحن باعتبارنا مُسلمين نثق في الله تعالى وقلوبنا متعلقة بالقرآن الكريم ونعتقد بصدق أن المهدي عليه السلام سوف يظهر في اسطنبول، ويفتحها فتحا معنويًّا.

ونحن نجتهد لكي نكون طلاّب المهديّ عليه السّلام الذي ينتظره النّاس بشوق منذ مئات السنين. وحسب أحاديث النّبيّ الكريم فإنّ المهديّ عليه السّلام قد ظهر في هذا الزّمان الذي نحن فيه. وهو الآن موجود في اسطنبول. والآن اسطنبول المُباركة تستعدّ لخروج حضرة المهدي عليه السلام، هذا الضّيف المبارك الذي يتم انتظاره منذ مئات السّنين.

قريبا جدّا سوف نشهد أيامًا رائعة وعظيمة جدّا، وظهور المهدي عليه السلام سوف يكون قريبًا جدّا، وسوف يكون ظهُوره سببا في انتشار أخلاق الإسلام في العالم كلّه، وانتشار السّلام والطمأنينة والسعادة. ينتظرُنا عصرٌ ذهبي بإذن الله.

وفي الأسبوع القادم نكون معكم بإذن الله تعالى في حلقة جديدة من برنامج "وجهة نظر" في أمان الله... 

 

]]>
http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/201701/وجهة-نظر--10-http://ar.harunyahya.com/ar/وجهة-نظر/201701/وجهة-نظر--10-http://imgaws1.fmanager.net/Image/objects/107-bakis-acisi/bakis_acisi_10.jpgSat, 18 Apr 2015 17:48:28 +0300