تركيا هي الخيار الأمثل للاتحاد الأوروبي

هارون يحيى 

تواجه أغلب الدول الإسلامية في كل أنحاء العالم الكثير من المشاكل والأزمات هذه الأيام، في حين أن تركيا تعد جزءًا من القارة الأوروبية وهي الدولة المسلمة الأقرب للثقافة الأوروبية، ولهذا السبب، تقع على عاتقها مسؤولية المساهمة في حل المشكلات التي تواجه كلًا من العالم الإسلامي وأوروبا، وبالتأكيد فإن هذه الجهود الحثيثة يجب أن تُأخذ في الاعتبار خلال المحادثات الدائرة حول انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

في ديسمبر الماضي، بدأت المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي والتي شملت مناقشات حول السياسات الاقتصادية والنقدية للدولة، مثلت تلك المفاوضات الخطوة الأولى نحو انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بعد عامين من الخلاف. بالعودة إلى تاريخ مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بدأت تلك المفاوضات منذ عام 2005 والتي كشفت الكثير من أوجه القصور داخل تركيا في عدة مجالات بما فيها التعليم والثقافة والقضاء والعلوم والبحوث والتجارة والصناعة والبيئة.

الانتقادات التي طالت تركيا كانت مفيدة بالنسبة لها لتحسين الأوضاع، فقد ركزت على موقف الدولة تجاه الديموقراطية والحريات كما ساهمت في أن تحقق تركيا تقدمًا ملحوظًا فنيًا وعلميًا، تلك المجالات هي الأهم والأكثر تأثيرًا في تقدم الدول. الأهم من ذلك أيضًا، هذه الملاحظات على تركيا شجعتها على تحقيق تقدم ملحوظ في شتى المجالات ليس من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي، بل من أجل تحقيق التقدم والازدهار والرفاهية للشعب التركي، وهو ما تحتاجه الدول الإسلامية بالأساس. إذا نظرنا إلى دول العالم الإسلامي اليوم، سنجد أن هذه المشكلات تزداد وليس العكس، وهو ما ساهم بشكل كبير في خلق فجوة بين المجتمعات الإسلامية ودول الاتحاد الأوروبي.

السبب الرئيسي في هذا الفارق الكبير بين الدول الإسلامية وأوروبا ربما يكمن بشكل أساسي في تمسك الكثير من المسلمين ببعض الخرافات والأعراف القديمة التي لا تجدي نفعًا، بالإضافة إلى فهم البعض للإسلام بطريقة متشددة ومتطرفة وهو ما أسهم في انتشار المجموعات المتطرفة في الدول الإسلامية. هذه الراديكالية، والنظرة المتدنية للمرأة والبعد التام عن العلم والثقافة كان الحاجز الرئيسي للتقارب بين العالم الإسلامي وأوروبا.

تلك الفجوة بين المسلمين والدول الأوروبية جعلت إيصال الإسلام الحقيقي للأوروبيين أمرًا بالغ الصعوبة، فالصورة السلبية التي تكونت لديهم نتيجة أفعال بعض المتشددين حملت معها صورة مشوهة للإسلام في عقول الأوروبيين في حين أنها بعيدة كل البعد عن الإسلام والمسلمين.

أكبر عدد من السكان المسلمين في أوروبا موجود في تركيا، ولهذا السبب، فإنه لا يمكن النظر إلى انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من ناحية المتطلبات الأساسية المطلوبة فقط، بل يجب النظر أيضًا إلى الإضافة التي ستمثلها تركيا بشعبها ذي الأغلبية المسلمة وتمثيلها للإسلام في القارة الأوروبية. في حالة انضمام تركيا، ستزداد حرية التنقل وحجم التجارة وسيزداد بالتأكيد الاختلاط والتقارب الاجتماعي والثقافي بين مختلف الديانات، حيث أن تركيا هي تلك الدولة التي تمثل الإسلام خير تمثيل وتعيش على أمجاد الإسلام الصحيح وهي مثال للحياة الديموقراطية الحرة المعتدلة القائمة على المحبة بين الأطراف المختلفة.

من هذا المنطلق، تحمل تركيا مسؤولية كبرى تتمثل في تقديم الإسلام الصحيح لأوروبا بشكل دقيق. يجب أن تصبح أكثر تحضرًا وأن تصبح مهدًا للحضارة وممثلًا للانتصار لحقوق المرأة وعدم التمييز على أي أساس بالإضافة إلى تشجيع العلوم والفنون. بالتأكيد ستكون تركيا قادرة على إظهار روح المحبة التي تعد أساس الإسلام وستتمكن من تحقيق مستوى التحضر الذي تتطلع إليه أوروبا بالتأكيد، وهو ما سيؤدي بشكل مباشر إلى تقوية العلاقات وزيادة الترابط بين المجتمعات المختلفة، بل وسيتم القضاء على مخاوف الأوروبيين التي لا أساس لها. إذا تحقق هذا الأساس من التقارب والمحبة، ستكون أية مفاوضات سياسية أمرًا بالغ السهولة وسيمكن التوصل للحلول بسرعة بالغة.

إذا احترمت كل الأطراف تلك المبادئ، سيكون انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي إضافة فارقة لكلا الطرفين، وسيتمكن مواطنو الاتحاد الأوروبي من العمل على بناء قاعدة كبيرة من السلام والأخوة بدلًا من تلك الاتفاقات الظاهرية القائمة فقط على ضرورات اقتصادية وسياسية. سيساهم الاتحاد الأوروبي بشكل كبير في دفع الثقافة والبحث العلمي في تركيا إلى الأمام، في حين أن الشخصية الإسلامية للدولة التركية ستسهم بشكل كبير في تدمير الإسلاموفوبيا والتي اجتاحت أوروبا نتيجة التطرف.

المنهج الذي تتبعه تركيا خلال تلك المفاوضات هو أيضًا أمر في غاية الأهمية، حيث يجب أن تكون المفاوضات قائمة بالأساس على المحبة والرغبة الصادقة في التقارب، فالحديث عن المحبة دون وجودها على أرض الواقع أو عن الثقافة في الوقت الذي لا يوجد اهتمام حقيقي بها لن يؤدي إلى تغيير حقيقي في نظرة أوروبا تجاه تركيا.

هذه التطورات بالتأكيد ستسهم بشكل أساسي وفعال في نشر السلام في دول العالم الإسلامي، فقد اجتاحت الكراهية والخوف بعض دول العالم الإسلامي نتيجة انتشار الإرهاب والهجمات المسلحة باسم الإسلام، في حين ستسعى تركيا نحو تقديم نموذج للإسلام الحقيقي، فبانضمامها للاتحاد الأوروبي، ستكون ممثلًا حقيقيًا عن كل الدول الإسلامية، وستثبت للعالم الإسلامي أجمع بأن التقدم والازدهار لا يتحقق سوى من خلال التعليم والثقافة والمحبة.

إذا رغبت تركيا حقًا في أن تسير المفاوضات في الطريق التي تتمناه لها، فينبغي عليها أن تصبح مثالًا يحتذى به وأن يكون هناك تقارب حقيقي بين الشعب التركي وبين شعوب الاتحاد الأوروبي، وأن يكون هذا التقارب قائمًا على الحب بين تلك الشعوب وعلى القيم الأخلاقية السامية والثقافة الراقية. إذا تكوّن بالفعل اتحاد بهذا الشهل، سيكون وجود اتحاد سياسي بنفس هذه القوة وهذه المبادئ مسألة وقت فقط. لهذه الأسباب، يجب أن تولي تركيا الأهمية القصوى للثقافة ومستوى التعليم وسياسته.

…………………………………………………

هارون يحيى هو أحد أهم القادة الأتراك المؤثرين، وهو مؤلف وصاحب آراء مؤثرة. نشر هذا المقال في جريدة دايلي ستار البريطانية.

2016-01-25 12:53:06

عن الموقع | اصنع صفحتك الخاصة | اضف للمفضلة | RSS Feed
كل المواد التي تٌنشر على هذا الموقع , يمكن نسخها وواستنساخها بشرط اظهار الموقع كمرجع من دون دفع حقوق الطبع والنشر .
حقوق النشر والطبع لكافة الصور الشخصيه التي تخص السيد عدنان اوكتار ان كان في اعماله او في موقعنا فهي تخص ل ت د شتي للنشر العالمي . لا يمكن استخدام هذه الصور ولو حتى جزء بسيط منها من دون اذن كما انه لا يمكن نشرها .
© 1994 Harun Yahya. www.harunyahya.com
page_top